الحج … بين المشاعر .. والانفعالات … (1) … بقلم : جمال عمر


الحج هو المنسك الأكبر والأعظم للبشر عامة .. فلكل أصحاب دين .. هناك مكان مقدس يستمدون منه المدد النفسي لعمق إيمانهم بربهم ودينه الذي يقدسون مناسكه ، وهو كذلك لدى المسلمين ، فالحج لدى المسلمين هو المنسك الأعظم قدرا وأجرا وقدسية وقيمة وآثارا في كل حياتهم ، ولذلك يلجأ له الجميع خاصة من كبرت سنوات عمرهم واقتربوا من نهاية الأجل ، ليستمدوا من خالقهم العفو والمغفرة ، ويستمتعون بالتقرب إلى الله في أيام معدودات ، لعل الله أن يقبلهم فيختم لهم حياتهم برضاه سبحانه وتعالى ورحمته .

وعجبا .. يظل المسلم على مدى حياته (قبل أن يحج) يرسم للحج صورا للحج مستمدة من ظنونه المبنية على فكر وروايات رجال الدين وكذلك ممن سبقوه بالحج ، حتى يجد نفسه يوما ما من حجاج بيت الله الحرام ، فيكتشف أن كل روايات البشر ومن سبقوه ، لا تصف شيئا من حقيقة جلال وهيبة الحج وأثره ووقع تراتيبه على نفسه ، فكل ما سمعه وقرأه شيئا باهتا مجردا من الروح ، وكل ما تخيلوه يختلف تماما عن كل ما يفاجأ به بين يدي ربه ، خاصة في أول لقاء بالبيت الحرام وهو يرتدي كفنه (ملابس الإحرام) لأول مرة للحج ، بل وفي كل مرة بعدها يلتقي بالكعبة وجها لوجه في أي طواف ، فللكعبة جلال وهيبة .. وقدسية تفقد العاقل قدرته على السيطرة على انفعالاته ، فتنفجر النفوس بخليط غير منتظم ولا محسوب من الفرح والبكاء والضحك والنحيب ، فالفرحة بلقاء الله أمام بيته وطوافا حوله ، والبكاء خوفا وطمعا واعتذارا عما بدر من ذنوب ، والنحيب ندما على الخطايا ، ويلملم خوفه .. سعادة الإحساس بقبول الله له ، وهو يردد " لبيك اللهم لبيك " ، خاصة لو أدرك .. أن معنى التلبية .. هو رد لفظي يعني الاستجابة منه كعبد لله .. لنداء ربه الذي قبل زيارته .. ويسر له أن يتواجد بين يديه في بيته الحرام .. في أطهر مكان وزمان على الأرض .

ولا يستطيع بشر أن يصف حالته النفسية خلال الحج بدقة ، إلا أن عامة النفوس تكون في حالة استنفار وترقب واستعداد لاستقبال نفحات الله المتتالية والتي لا يشعر بها إلا من جاء مخلصا حجه لله وحده ، فخليط المشاعر المتلاحق يفقد الإنسان قدرته على مراقبة انفعالاته خاصة في حضرة المسجد الحرام أو وقفة عرفة ، والتي من الله فيها على حجيج هذا العام ولأول مرة منذ (54) أربعة وخمسين عاما بختام ملحمي لوقفة عرفات ، حيث كانت درجة الحرارة فوق الخامسة والأربعين ، وإذا بها تنقلب إلى أمطار رعدية غزيرة فجرت صرخات وبكاء ودعاء وانفعالات الحجيج بشكل غير مسبوق ، لتمنح الجميع إشارة بقبول حجهم وغفران ذنوبهم ، وهو شعور قد اجتاح الحجيج ساعتها ، واكتمل هذا الإحساس وتأكد بعد تكرار نفس المشهد في "منى" بنهاية اليوم الثاني من أيام التشريق ، وهي أحداث لا تصاحب هذا التوقيت الصيفي من العام إلا مع مناسك الحج .

ورغم مشقة المناسك المتعددة الأوجه والأشكال ، إلا أن كل مشقة تهون وتصبح لا شيئ ، لو تملكت الإنسان مشاعر الخضوع لجلال الله في بيته ، رغم أن إبليس لا يترك لحظة أو سكنة إلا وهو يوسوس لحجاج بيت الله بكل ما يفسد عليهم حجهم ومناسكهم ، وبالطبع لا يقع ولا يخسر إلا الغافل والمتناسي لجلال الحدث والتوقيت ، وكذلك المستسلم دوما لأهواءه ونزغات إبليس له ، ومن اعتاد أن يتخذ إلهه هواه ، وما أكثرهم بيننا ، ولا نعني هنا من جاء للحج وفي نفسه أغراض أخرى مسيطرة عليه بخلاف التضرع إلى الله والسعي للمغفرة فهؤلاء قد أساءوا النوايا فلا نقيم لهم وزنا ولا نعنيهم بحديث ، ولكننا نعني هنا بمن جاء طالبا المغفرة والحج المبرور ولكنه للأسف ينزلق برغبته أو رغم أنفه في حبائل إبليس الذي يعرف كيف يستدرجه وهم أنواع عديدة .

وأول أشكال هؤلاء .. نوع من الحجاج يستدرجه إبليس للاهتمام بأخطاء غيره ، ناسيا تماما نفسه وما جاء إليه ، أو ربما يعتبر ذلك تقربا لله ، فنجد كثيرا من الحجاج قد لبس ثوب الآمر الناهي لغيره دوما بلا توقف أو هوادة ، فهو مشغول بتقويم أخطاء غيره ، بل ولابسا ثوب الفتوى متبرعا بالفتاوى لكل من يسأل ومن لا يسأل ، فينسي في غمار شهوة التحكم بغيره أنه مطالب من ربه أن يخلص القلب والنفس لربه ولا يشغلن نفسه إلا بنفسه ، وتلك أبسط ألوان إفساد الإنسان لحجه وخسارته لحجه وهو لا يدري ، أو كما يقول المولى سبحانه .. "وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " .

وصنف آخر يفسد حجه بوساوسه ، فهو يسأل عن كل كبيرة وصغيرة ، ويستفسر ويفترض ما لا يخطر ببال أحد ، ويكرر تساؤلاته مرات ومرات حتى يشدد على نفسه بما لم يفعله أحد قبله ، ظنا منه أن بذلك يتقرب إلى الله ، وأبسطها أننا إذا كنا نقلد رسول الله فيما فعل في حجته الوحيدة ، فكيف نصر على عدم قصر الصلاة ، ورسول الله قد قصر الصلاة خلال فترة حجه كاملة حتى عاد للمدينة ، ونحن نعلم أن رسول الله أقرب البشر إلى الله وأكثر البشر علما بدين الله وحرصا عليه ، ولكننا وجدنا فتاوى تمنع القصر ، والغالبية لا تقصر الصلاة ، ولا يوجد لدى المتنطعون أي برهان أو دليل بما يقولون سوى سفسطة من يظنون أنهم أهل علم ، خاصة وأن من صاحب رسول الله في حجة الوداع قد قصر الصلاة معه ، وهو صلى الله عليه وسلم ، كان يحج من المدينة (بلد زوجاته ونصرته) ، ولكن إلى بلده الأصل وموطن أجداده وصباه وشبابه وبعثته ، وهي أقرب أرض وأحب أرض الله لرسول الله وفيها قبيلته وأهله ، ولكنه قصر الصلاة لأنه لم يعد يقيم فيها ، وبالتالي فأولى للغريب عن مكة والحجاز كلها أن يقصر الصلاة خلال فترة حجه مهما طالت ، هذا لو كان يريد حقا أن يطيع ربه في دينه ، ويؤمن حقا بأن "الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه " .

صنف آخر مختلف .. لا يتكلم .. ولا يعترض .. ولكنه يكتم في نفسه ، فتجده مكتئبا دائما ، تدور أعينهم كأنهم يموتون غيظا وكمدا ، مما لا يعجبهم من تعاملات البشر وحركاتهم ، أو ما هم مجبرين عليه ، وهؤلاء خطرهم أكبر لو انفجروا تحت وطأة أية حدث مؤذي لهم ، ومنهم بعض النساء المنتقبات رغما عن أنوفهن بأوامر أزواجهم من الوهابيين والسلفيين المتنطعين على الله ، رغم علمهم بنهي رسول الله عن النقاب في الحج ، ولكنهم يرون أنهم أحرص من رسول الله على دين الله وعفة النساء ، فتجد أعلى النساء صوتا في الحج وأكثرهن تشاجرا وتزاحما وتعديا على غيرهن حتى لو كان رجلا هن المنتقبات ، وكأنهن يعلن تمردهن على كل شيء ، ولست أدري كيف يرون أنهم في حضرة الله وهم يعلنون مخالفتهم لدين الله وأوامره ونواهيه دون خوف منه أو ضمير .

وصنف آخر .. هو قد جاء حقا .. يطلب المغفرة والعفو ويتمنى الحج المبرور ، ولكنه اعتاد فساد الأخلاق وأصبح الفساد جزءا من شخصيته لا يرى فيه عيبا ، مث من عاش حياته من قبل لا يتوانى عن خطف أية فرصة أو فائدة لنفسه بغض النظر عن غيره ، ولا مانع أن يستغل أي أحد غيره لخدمته أو لمنفعته ، فهو قد اعتاد أن يعتبر هذا شطارة ومهارة ، ولا يرى فيها ذنبا أو خطيئة أبدا ، فيتجلى هذا ويتضخم استفحاله في النفوس كلما ازدادت مشقة المناسك ، حتى يفجعك مشاهد خطف البعض للطعام والشراب بل والمنافع فوق طاقته وحاجته وتخزينها حتى تفسد أو تضيع ، ويحرم منها من يحتاجها ، وينسى أو يجهل أن هذا هو "الغلول" المنبوذ والملعون والمحرم شرعا وأخلاقا .. ولكنه أصبح من معالم أخلاقه ، حتى وصل به الغلول لسرقة منافع البيت الحرام كالمصاحف وكراسي كبار السن والعجزة ، ليس لاستخدامها فقط ، ولكن ليعود بها في متعلقاته لوطنه ، وكأنها غنائم الحج المباحة له ، ولا يصدق أنه قد أفسد حجه وخسر ثوابه وعاد بأسوأ مما جاء به من الذنوب ، لأنه فقط قد اعتاد ممارسه الغلول وخطف المنافع دون أدنى ضمير أو أخلاق .

وربما بعضهم يرى أنه على حق فيما يفعله لافتقاده للقدوة المصاحبة ، خاصة من بعثة الحج المصرية المسئولة عن الحجاج ، والتي من المفترض أن تكون مثلا وقدوة ، ولكنها ضربت أفدح الأمثلة وأسوأها ، عندما أسأت التنظيم ، وأساءت اختيار بعض أعضاءها ممن لا يجيدون التعامل مع البشر إلا بلغة الاستعلاء والكبر والغرور والاستهزاء من عامة البشر حتى ولو كانوا حجاجا لبيت الله الحرام ، بل ولم يكتفوا بالكبر والاستعلاء فأساءوا التنظيم والتنفيذ والتأمين لخدمة الحجاج حتى توفى أحد الحجاج كضحية لأحد الأسانسيرات بأحد الفنادق ، وزادوا الطين بلة عندما أساءوا استخدام سلطتهم بـ "الغلول" .. فحجزوا لعائلات ضباط الشرطة التابعين للقرعة نفسها في فنادق مختلفة أقرب للحرم وأكثر رقيا وعناية وخدمة ، ومنحتهم غرفا مزدوجة فقط (إثنين فقط) ، وليست سداسية (لستة أفراد) كعامة الحجيج ، بل وجعلت سيارات البعثة الخاصة وما أكثرها في خدمة دائمة على مدار اليوم لهؤلاء الضباط وعائلاتهم وحدهم ، وتجلت أسوأ صور استغلال السلطة والنفوذ في إضطرار الحجاج أن يطلبوا من السلطات السعودية نجدتهم بعد امتناع أعضاء ورئيس البعثة المصرية ، فأجبرتهم على القيام بواجبهم في نقل الحجاج المصريين من "منى" إلى فنادقهم بعد رمي الجمرات ، في أسوأ صورة لبعثة حج مصرية عبر تاريخها ، وكأنهم لا يعلمون ، أو ربما حقا يجهلون .. أن كل ما حدث قد تم تسجيله صوتا وصورة بواسطة جهات رقابية ، والحساب عليه قادم وعسير .

وأخيرا لست أدري .. كيف ساءت أخلاقيات البشر لهذا الحد ، ولا أدري كيف تنصلح الأحوال والأخلاق إلا بعصا الحساب والعقاب القوي والضارب على يد كل متعمد للفساد ، خاصة من هم من المفترض فيهم النزاهة والأمانة ومن هم في موضع المسئولية ويمثلون الدولة في غربة مقدسة كالحج ، ولذلك ننتظر الحساب العادل والشديد ليكونوا عبرة لمن اعتادوا الفساد عبر عقود طويلة مضت ، بل ونتمنى أن يدير الحج هيئة مستقلة ولا تتبع أية وزارة أو فئة ، ويكون الجميع خداما لتنفيذ مخططها وتنظيمها لبعثات الحج والعمرة مثل أي دولة آسيوية أو حتى إفريقية كنيجيريا أو بوركينا فاسو أو ساحل العاج أو حتى مسلمي أوروبا ، خاصة وأن الحج من كندا وأمريكا وأوروبا اليوم قد أصبح أقل تكلفة وأكثر أمنا وراحة وخدمة من الحج من مصر المحروسة .

ونصيحة مستحقة لكل من كتب له الله الحج أن ينتبه جيدا ويسيطر على انفعالاته وتفاعلاته مع المحيطين به خلال رحلة الحج ، ويفرض على نفسه السكينة والوقار والأدب والابتسامة حتى في أشد المواقف سوءا ، وليتذكر دوما أنه في حضرة ربه في أطهر زمان ومكان ، وليلتزم بالصمت في كل ما يستفزه أو يثير غضبه ولا يقل إلا خيرا ، فلن يحدث إلا ما كتبه الله له وعليه ، ولا يتورط في الجدال حول أي شيء ، فالجدال يفسد الحج ، "فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" ، وسوف يجد حلاوة ذلك فيما بعد برضا وسكينة وقرب من الله ، وتمنيات قلبية لكل الحجيج بالقبول والمغفرة والعفو من الله تعالى ، وحمدا لله وشكرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه أن من الله علينا بالحج مع بعض خلقه ، وندعوه سبحانه أن يمن بها على جميع خلقه وعباده ويقبلهم ويعفو عن سيئاتهم ، ورغم أن الطواف ببيته العتيق وزيارة حبيبه قد أصبحت إدمانا في النفوس ، إلا أننا ندعوا كل من يريد التكرارا أن يراجع نفسه ويتذكر أن إعمار الدنيا بتزويج شاب أو صناعة مستقبل لبشر أو سد حاجات الفقراء واليتامي والمساكين هو أحب وأعظم أجرا عند الله من الحج والعمرة آلاف المرات ، وتحية طيبة لكل النفوس الجميلة والطيبة التي رأيناها وتعايشنا معها في رحلة الحج ، وشكر خاص وعظيم للسلطات السعودية ورجالها أصحاب النفوس الطيبة والكريمة المضيافة ، وبارك الله لكم وفيكم وعليكم ورضي عنك وأرضاكم ..

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *