مصر السيسي .. إلى أين ؟؟ … بقلم : جمال عمر

عند الحديث عن أية دولة … لا يجوز ربط اسم الدولة باسم بشخص مثلما ذكرنا في عنوان المقال ، إلا أن يكون الشخص قد أثبت أنه غير مسبوق في تاريخ هذا البلد القريب أو البعيد ، وأنه قدم لوطنه ما لم يستطع أحد من قرنائه تقديمه من قبل ، ولا يمكن اكتشاف هذا إلا بتقييم محايد وجاد وأمين لأعمال هذا الرجل وأخلاقياته وقدراته المفيدة لبلده ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ، ولا يمكن تقييم أية دولة في عهد رئيس أو حاكم إلا بتحديد أين كانت من قبله ؟؟ ، وكيف تولى المسئولية ؟؟ ، وأين أصبحت هذه الدولة من بعد توليه المسئولية ، وهو ما سوف يجيب عن السؤال الأهم .. إلى أين ؟؟ ، خاصة لو كانت هذه الدولة محورية بكل معنى الكلمة سواء إقليميا أو عالميا .

أولا .. مصر هي الأمة التي كانت دولة .. من قبل التاريخ ، ونعني بذلك من قبل أن يفيق العالم ويعرف معنى الحضارة ، وتلك حقيقة لا ينكرها أشد أعداء مصر ، فعندما كانت مصر دولة عظمى كانت أوروبا وبريطانيا قبائل بربرية ، تأكل لحوم بعضها البعض ، ولذلك يستخدم الغرب هذه المعلومة ضد كل المصريين ويعيرونهم بها عند المقارنة ما بين ماضيهم القديم وحاضرهم ، فهي كما يقولون ونقول معهم دوما ، مصر صاحبة (7) سبعة آلاف سنة من الحضارة ، وهذه الميزة الخطيرة تعني ببساطة أن الموروثات الحضارية الفكرية لهذا الشعب ، هي أكبر وأعظم وأهم من موروثات أي شعب آخر على الأرض ، وهو ما يجعل العقل الجمعي المصري لهذا الشعب .. عبقريا لأقصى درجة ، وهو ما يؤكده غالبية المؤرخين من كل بقاع الأرض عبر التاريخ ، وبالتالي .. فهذا الشعب قادر بعقله الجمعي على صناعة رجاله وحكامه كما يريد ، وقادر على حماية مقدراته رغم كل ما نعاني منه من سلبيات تشوب الشخصية المصرية اليوم ، والتي نتجت عن تجارب سيئة عبر القرون القليلة الماضية ، وهي تجارب إنسانية إلزامية تحدث تفاعلات إنسانية تثري الموروثات الشعبية للبشر ، وتعيد تنقيح نفسها لتستعيد مكانها في دورات الحضارة .

ثانيا .. لابد أن نقر حقائق ناموس الكون التي وضعها الخالق العظيم ، والتي تحكم تطور حركة الحياة على الأرض منذ أول يوم لآدم عليها وإلى يوم الدين ، وهو ناموس التطور الذي يخضع له كل شيء في الدنيا ، وهو ما يحكم دورات الحضارة عبر تاريخ البشرية على الأرض ، وهو ليس ناموسا خاصا بدورات الحضارة فقط ، بل هو ناموس كل شيء له عمر زمني على الأرض بداية من تطور حياة كل إنسان ، وهو بالطبع ما نسميه منحنى التوزيع الطبيعي ، والذي نسبوه لجاوس كذبا وزورا ، وهو مسروق بكل فروعه وتقسيماته من الخوارزمي صاحب المصفوفات الخوارزمية ومؤلف اللوغاريتمات ، والتي أساسها هو منحنى التوزيع الطبيعي ، وملخص هذه النظرية ، أن كل شيء في الحياة يبدأ صغيرا وضعيفا ثم ينمو ويكبر حى يشتد ويبلغ قمة قوته وشدته ثم يبدأ في النزول والنهيار ليعود صفرا كما بدأ ، ولكن دورات الحضارة لبني آدم على الأرض لا تعود للصفر مطلقا ، ولكن تعود لأقل مستوى تسمح به موروثاتهم النفسية عبر التاريخ ، ثم تعاود مؤشرات الحضارة الصعود مرة أخرى لتكرر دورة حضارة جديدة أكبر وأهم من سابقتها ، وهو ما يخشاه الغرب اليوم عندما يقول عن مصر ، أن المارد النائم يستقيظ ولا سبيل لإيقافه .

وبالتالي .. فحقيقة وقوعنا اليوم بين الدول النامية (المتخلفة) ، ليس تقصيرا من المصريين ، ولكنه تنفيذ إجباري لناموس دورات الحضارة بكل تفريعاتها وتفاعلاتها ، والتي فرضت علينا ما نحن فيه اليوم كمصريين ، وهو ما يعني أن كل مرحلة مرت على مصر عبر التاريخ وخاصة في العصر الحديث ، كانت مرحلة حتمية إلزامية طبقا لناموس حركة الحياة الإلهي ، ولذلك لا أشك لحظة فيما أكرره دوما ، أن كل حاكم لمصر أيا كان زمنه وظروفه وانتماءه أو أفعاله .. هو في الحقيقة .. “ضرورة أيدولوجية زمكانية” ، بمعى أبسط أنه دوما يكون إفرازا طبيعيا متوافقا ومناسبا لحالة ومستوى العقل الجمعي وفكره في تلك المرحلة ، ومناسبا بالقطع لتراتيب الأحداث الزمانية في حينها ، فتطور حكام مصر في العصر الحديث مثلا .. منذ محمد علي وحتى فاروق ، هو ما آتى بشخصية مثل “جمال عبد الناصر” ، وصنع منه زعيما أسطوريا عشقه الشعب المصري بل وعوب كثيرة في العالم وجعلوا منه رمزا للوطنية والشجاعة ، لدرجة أنك لو زرت الهند أو كوبا أو الارجنتين فسوف يسألك البعض هناك عن عبد الناصر ، ولدرجة أن الغرب اليوم ومنذ وصول السيسي للحكم يقولون “لن نسمح أن يتكرر عبد الناصر مرة أخرى في مصر” ، فجمال عبد الناصر  كان ضرورة أيدولوجية زمانية لمصر ، وكذلك جاء من بعده “السادات” ، والذي نتج عنه حاكم مثل “حسني مبارك” ، والذي أفرز لنا بسلبياته محمد مرسي وجماعته “إخوان المسلمين الماسونية” ، وأعطاها الشرعية والظهور في العلن مجبرا تحت الضغط الغربي الماسوني ، ولكن مبارك نفسه في الخفاء كان قد أعد لنا ذلك النظام الذي يحكم مصر الآن ، والذي أفرز لنا “عبد الفتاح السيسي” ، ليصحح مسيرة وطن ، وبأوامر هذا الشعب وعقله الجمعي الذي أفرزه كنتاج منطقي وحتمي لتراكم الميراث النفسي المصري .

فالسيسي حقا .. ضرورة أيدولوجية زمكانية أفرزها التطور الطبيعي لميراث العقل الجمعي المصري ، ومن لا يفهم هذا ويبالغ في الإطراء فيعتقد أنه مبعوث السماء لإنقاذ مصر .. مثلا ، أو يبالغ في العداء له .. فيقول مثلا .. أن الله جعله عقابا للمصريين على انحرافهم ، فهو إما أن يكون جاهلا  يجب أن يتعلم ويفهم ، أو يكون أحمقا رافضا للفهم والمنطق وهذا لا يجوز جداله أو الاهتمام به ، أو يكون جاحدا كارها لاعتياده الوهم والضلالات ، وهذا ندعو الله أن يهديه لخير نفسه ، أو يكون عميلا  خائنا مأجورا ، ممن تجندهم الماسونية لإحكام السيطرة على الشعوب ( وهم للأسف بالآلاف في كل دولة ) ، وهؤلاء نحذرهم من انتقام الله وسخطه على من يمكر بمصر وشعبها ، لأن مصر عند خالقها .. هي (البلد الأمين) التي أقسم بها ، فهي المحروسة بعين الله تعالى ، ونقول للكارهين الجاحدين تدبروا واعقلوا ، فلو كان هذا السيسي كما تقولون خائنا ومفسدا مدمرا لمصر ، لكنتم أنتم وهذا الشعب أكثر شعوب الأرض شرا وسوءا ، ولهذا استحققتم هذا الحاكم كما تصفونه .

ذلك لأن الله وحده من يؤتي الملك لعباده في الأرض ، ويمنح كل أمة حاكما على قدر ما يستحق شعبها ، وهو قوله تعالى .. {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }آل عمران26 ، ولعل تراتيب ظهور السيسي شعبيا ، وتعلق الناس به سريعا في خلال شهور ، كان أهم ما ميز رحلة وصوله لعرش مصر ، خاصة في وجود رئيس جديد يتبع جماعة “إخوان المسلمين” ، والتي وصلت للحكم لأول مرة في تاريخها ، مدعومة بشدة من الماسونية الغربية وأذنابها في أوروبا وأمريكا وتركيا وإيران وقطر ، وهو ما كان أهم أسباب اكتشاف حقيقتها المشينة ، وفضحها سريعا أمام الشعب ، ولا جدال أن الله أسقطهم سريعا وأذلهم لأنهم خانوا أمانة الله في خلقه ، ولو أنهم كانوا مؤمنين حقا واتقوا الله في خلقه لمكنهم وفتح عليكم بركات السماء والأرض تنفيذ لوعد الله تعالى .. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأعراف96 ، وهذه الآية تحديدا ما تثبت أن هذا الرجل “السيسي” نزيها وأمينا ومخلصا ، ولذلك ثبت الله حكمه رغم كل من يعاديه ، وفتح عليه خيرات من الأرض وبركات لم تفتح من قبله ، ولا ينكر هذا إلا جاحد أو جاهل .

ولا شك .. ودون حصر رقمي أو إحصائي ، أن السيسي قدم لمصر ما لم يقدمه أحد منذ عهد محمد علي (مؤسس الدولة الحديثة) ، عسكريا واقتصاديا وعمرانيا وسياسيا ، فمصر تحولت في عهده من دولة مفلسة ضعيفة على حافة الحرب الأهلية ، وعلى حافة التقسيم كما اعترف هنري كيسنجر وهيلاري كلينتون وصقور الماسونية ، إلى دولة قوية وفاعلة ومحورية ، ويكفيها أن شعوب دول عظمى تواجه اليوم كوارث اقتصادية ، لدرجة انقطاع الكهرباء عن دول أوروبا حتى ثمانية ساعات يوميا ، وطوابير الوقود بالكيلومترات ، ونقص حاد في الغذاء لدرجة تنازل البريطانيون عن وجبة يوميا ، وهو ما لا يشعر بها المواطن المصري ، والأهم حضاريا أن مصر لأول مرة في تاريخها تضاعف مساحات الأراضي الزراعية بمعدلات متصاعدة ، وتفتتح أكثر من (3000) مصنع جديد ، منها أكثر من مائة مصنع لصناعات عملاقة واستراتيجية ، وتكتفي ذاتيا من الغاز وقريبا من النفط والقمح ، وتبني لأول مرة في تاريخها 14 مدينة جديدة ورقمية ، وتستوعب أكثر من 12 مليون شخص كانوا من العاطلين في مشروعاتها المختلفة في أقل من خمس سنوات .

وهذا بجانب اعتراف العالم الرسمي بأن مصر أصبحت أكبر قوة عسكرية إقليميا ، والثامنة على مستوى العالم ، لدرجة أن أمريكا تعرض على مصر كل أنواع طائراتها ورداراتها ، فتفضل مصر صفقات أكبر وأخطر روسية وصينية ، وتعترف دول العالم بأن مصر أصبحت أكبر مركز للطاقة في الشرق الأوسط ، وتطلق مصر قمرا صناعيا جديدا في ظل الأزمات العالمية ، ثم توقع روسيا برغبتها اتفاقية تجارة حرة مع مصر ، وتبني ألمانيا أكبر مصنع لتصنيع ماكينات ومعدات المصانع في العالم في مصر ، وتوقع مع مصر عقود تركيب وتشغيل وصيانة ونقل تكنولوجيا لأكبر خط للقطار الكهربي السريع في العالم بطول 2000كم ، وتقيم الصين 10 آلاف مصنع جديد في مصر بدأتها بألف مصنع في منطقتها الصناعية بالعين السخنة ، وتتسابق دول أوروبا للفوز بمنطقة صناعية في مصر ، وكل هذا ليست اتفاقيات على الورق كالسابق، ولكنها أفعال على الأرض تظهر نتائجها سريعا ، وتبشر بمستقبل كبير وواعد لهذا الشعب الذي يستحق الكثير .

ولا جدال .. أن مصر تشهد انتفاضة حضارية كبرى غير مسبوقة في العصر الحديث ، ولا ننكر فضل النظام الحالي في هذه الإنجازات ، ولكن ما نحذر منه منه دوما ، هو الأخطاء الجسيمة ، والتي طبقا لناموس الكون يبدو أنها لابد من وجودها ، فلا يوجد بشر كامل منزه عن الخطأ ، والأخطر أننا تعلمنا من التاريخ البشري ، أن صاحب الإنجازات الكبيرة ، تكون أخطاءه كبير وخطيرة ، وأول هذه الأخطاء كان هو السقوط في مستنقع المفاهيم المغلوطة ، والتي تعتبر سوء فهم لناموس الله في خلقه ، وهنا تكمن الخطورة ، لأن الله لا يقبل العبث البشري مع ناموسه في كونه ، وهنا أعني تحديدا تورط السيسي ورجاله في مفهوم مسئولية الشعب عن تزايد التعداد السكاني ، والعمل والدعوة لخفض معدلات الإنتاج ، وهو ما يعد من أخطر وأكبر الأخطاء الجسيمة لسببين كبيرين ، وخطيرين وكل منهما كفيل بتدمير وإفساد أية نتائج للتنمية والتقدم الحضاري في المستقبل القريب والبعيد .

الأول .. علميا .. حيث يعد مفهوم تحديد النسل خطئا فادحا وجوهريا ، لأن مسألة الإنجاب مرتبطة بفكر ومعتقدات وعادات اجتماعية تتغير بمنتهى الصعوبة على مر سنوات لا تقل عن جيل أو اثنين ، بدليل أننا فشلنا في إقناع الناس به من سبعينات القرن الماضي (منذ 50 سنة) ، ولو افترضنا جدلا أننا نجحنا في إقناع المجتمع بخفض معدلات الإنجاب بعد 20 سنة قادمة ، فإن أي مشكلة اقتصادية تحل نفسها بالدفع الذاتي للشعوب في خلال (20 : 30) سنة ، وبعدها ستصبح الدولة في حاجة لزيادة السكان بمعدلات تتناسب مع معدلات التنمية ، وهو ما سيكون مستحيل تحقيقه ، لأن إقناع المواطن بقبول زيادة أعباءه بزيادة الإنجاب سوف يكون صعبا للغاية وسوف يحتاج لضعف المدة (60 سنة) على الأقل لإقناع المواطن بتحمل أعباء زيادة الإنجاب ، وساعتها سوف نعاني انقراض السكان الأصليين ، ولابد من استيراد البشر ، مثلما تفعل الآن دول اوروبا حاليا ، لأنها تبنت تنفيذ تحديد النسل كوسيلة للخروج من أزمة الاقتصاد العالمية عام 1931م ، وهو ما رفضته أمريكا في حينها ، وقالت في محضر للكونجرس الأمريكي في أغسطس 1931م ، نفس الأسباب بالتفصيل والتي ذكرتها عاليه ، بعد دراسة متكاملة من علماء النفس والاقتصاد .

الثاني .. إيمانيا .. حيث أننا كمسلمين ومسيحيين أصبحنا نصدق البشر ونكذب خالقنا ، وابسطه ما نعلمه جيدا من “القرآن العظيم” ، وهو أن الله وحده هو صاحب القرار في دخول أية نفس للدنيا ومقدراتها ورزقها كاملا ، إلا أننا نتجاهل الخالق العظيم ، ونعتقد أننا نستطيع أن نتحكم في معدلات الإنجاب ، رغم أن الله في هذا الموضوع تحديدا يقول للرجال الراغبين في الإنجاب بمعاشرة الزوجات .. { … فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ .. }البقرة187، يأمر سبحانه أن يعاشر الزوج زوجته ، ويبتغي (يطلب) ما كتبه الله (ما قدره الله مسبقا) ، وليس ما يريدون ولا ما يتمنون ولكن يطلبون ما سبق وكتبه الله لهم وقدره من قبل ، بل ونضيف لهذا حكم الله في معطيات الله لخلقه ، فالأبناء ليست حقا ولا رزقا ولا تأتي برغبة بشر ، ولكن الأبناء هي “هبة خالصة” من الله تعالى لعباده ، والهبة .. هي عطاء الوهاب ولا تأتي برغبة من يريدها ولكنها بمشيئة الوهاب ، ولذلك يقول سبحانه في سورة الشورى .. {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ{49} أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ{50} ، وهذا تفصيل دقيق يقطع به سبحانه كل تخيل وادعاء لبشر بالباطل أن بشرا يملك التحكم في معدلات الإنجاب ، فالله يخلق ما يشاء سبحانه ، ولا ينتظر رغبة كل إنسان ليصنع له ابنا أو بنتا كما يريد ، عندما يريد ، ولكنه وحده الذي يقرر من ينجب ، وماذا ينجب ، ومتى ينجب ، ومن يكون عقيما .

ومن هذا المنطلق .. ألم يلاحظ المدعون لقدرة البشر على التحكم في الإنجاب ، أن معدلات الإنجاب المرتفعة تكون دوما بين محدودي الدخل والفقراء أكثر من الأغنياء ، ألم نسمع قرار الله تعالى في زينة الحياة الدنيا .. {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. }الكهف46 ، ألم يلاحظوا أن الله يراضي بعض خلقه بالمال ، ثم يراضي آخرين بالأبناء ، وذلك قمة عدل الله بين عباده ، فهل هناك من يريد أن يغير ناموس الله في خلقه ، ألم يفهموا قول اله تعالى .. {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }الزخرف32 .

والأهم والأخطر أليس كفالة الإغنياء للفقراء في حركة حياتهم أمرا واجبا فرضه الله عليهم ، وليس تفضلا بل حقوقا ، والسؤال الأهم ، ألا يوجد في مصر أغنياء يستطيعون كفالة كل الفقراء حياة وتعليما وصحة ، ألم يدفع الأغنياء أكثر من ثلاثة ارباع تريليون جنيه فائضة عن حاجاتهم لمدة سنة كاملة كاستثمارات في شهادة الـ (18%) ، وذلك في أقل من شهر ، أم أننا لا نستطيع إعادة توزيع حقوق الله للفقراء من الأغنياء ، ولا نجد إلا الجانب الأضعف وهم الفقراء لنتهمهم ونصب عليهم اللعنات ونحملهم المسئولية ، في تعنت وتعمد الجهل ومخالفة ناموس الله في خلقه ، وهو ما لا يقبله ولا يرضاه سبحانه وتعالى ، وأكثر ما أخشاه أن ينتقم الله ممن يتبنى هذا فيقسمه وينزع الملك منه ، ويستبدله بمن يحترم ناموس الله في خلقه .

ويفرض السؤال نفسه .. لماذا تخدعنا الماسونية وأذنابها بمثل هذه الحلول المدمرة ، بدليل أن أمريكا التي تدفع لمصر معونات تحديد النسل منذ ستينات القرن الماضي مجانا بمعدلات تجاوزت الثلاثة مليارات دولار سنويا ، لدرجة أن “اللولب” يباع في صيدليات أمريكا بـ (46 دولار) ، وتقدمه أمريكا مجانا لعشرين مليون سيدة مصرية منذ عقود ، فقط لأن اليهود استنجدوا بأمريكا من زيادة الشعب المصري السكانية ، وهي نفسها أمريكا التي تحرم في دستورها وكنائسها تحديد النسل ، ولماذا لا ندرس التجارب الصينية والهندية في تعليم وتشغيل الكثافة السكانية العالية ، أم أصابنا عوار النفوس لدرجة أننا نصب غضبنا ونحمل الفقير “كثير الأبناء” سوء إدارتنا وفهمنا ، وكأننا نقول للفقير أن الله خلقه وحرمه من المال ، ونحن سوف نحرمه أيضا من الأبناء ، ليحيا محروما من كل زينة للحياة .

 

أخيرا .. لا شك أن السيسي ونظامه يقدمون الكثير من أجل هذا الشعب ، وهو ما يبشر بمستقبل واعد لأجيال قادمة ، وسوف يعطيهم التاريخ حقوقهم كاملة ، ولكن ذلك لا يعطيهم حقوق الوصاية على ناموس الله في خلقه ، ولا يعصمهم من الخطأ ، ويكفي أن يكون تحديد النسل وخفض معدلات الإنجاب هو أهم وأخطر أخطاءهم الكبيرة ، ونقول لهم لا تنسوا .. “إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ، ونوصيهم أن يراجعوا مفاهيمهم ونذكرهم  بما حدث منذ بداية الدعوة لتحديد النسل في منتصف الستينات في القرن الماضي ، منذ إعلانات “حسنين ومحمدين” ، وعبر خمسين سنة فقط .. تضاعف تعداد الشعب المصري ستة مرات ، وجاءت النتائج عكسية تماما لكل مخططات الماسونية وأذنابها والمخدوعين والمصدقين لها ، فلا تعبثوا مع ناموس الله ومقاديره في خلقه ، فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

عالم النفوس .. بين الحقيقة والخيال (2) … بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند الحركة الرئيسية للنفوس عند مغادرتها للجسد للنوم ، وقلنا أن .. الغرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *