كل عام وأنت … إنسان … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
7 يوليو، 2022
اراء ومقالات, الأسرة والمجتمع, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, شئون, متنوعات
627 زيارة

عزيزي الإنسان .. كل عام وأنت .. إنسان ؟؟ ، نعم كل عام وأنت ما زلت إنسانا بكل ما تحمل الكلمة من معان جميلة وراقية وجليلة ، فالإنسانية التي نعرفها وتعلمناها من الحي القيوم مالك الملك وخالق الكون هي أروع ما خلق الله في كونه ، فبالإنسانية نرتقي لنكون أفضل من الملائكة ، التي سخرها الله للإنسان تسجد له وتدعو له وتستغفر له وتحفظه من أمر الله ، وبالإنسانية نسمو فوق نفوسنا الأمارة بالسوء والكبر والغرور والعنصرية والتعصب الأعمى لدين أو ملة أو قومية أو جنس أو أية اختلافات أيدولوجية لا فضل لنا فيها ولا خيار ، وبالإنسانية تذهر الحياة وتسعد البشر وينتشر الأمان وتكثر الخيرات وتكفي الأرزاق الجميع ، وتستشعر النفوس روعة الأعياد ونسائم الرحمة في نفحات الله الزمكانية والكونية .

وتذكرنا نفحات الله دوما بأننا مكلفين برعاية بعضنا بعضا ، فلم يجعل الله الغني غنيا لأيستحق هذا ، ولكن جعله غنيا لأنه مختبر فيما رزقه الله به ، وسوف يسأله ربه ، لماذا لم يدفع من ماله ما يغني الفقير عن العوز والحاجة والسؤال ، وسوف يحاسب حسابا عسيرا عن رفاهيته التي فضلها عن نجدة الفقير والمحروم .. {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ }التكاثر8 ، فالله مطلع على نفوس البشر ونواياهم ويعلم ما تخفي الصدور .. {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ }غافر19 ، فلن يمنع الله رزقه عن غنيا يعتقد أنه صاحب المال وحر في التصرف فيه ليتنعم به وفي جواره فقراء يتضورون حاجة وجوعا أو محروم ومسكين وفقير ، وهو يتجاهل كل هؤلاء ، متنعما هو وأهله وأولاده وذويه ، ولكنه سبحانه يترك له كامل الحرية والفرصة ليثبت لله أنه يستحق أو لا يستحق ، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ }إبراهيم42 .

فالإنسانية هي محل الاختبار الأكبر من الله ، فأبسط شروط الإنسانية أن تحب لغيرك ما تحبه لنفسك ، وتحب لأبناء غيرك ما تحبه لولدك وبنتك ، وتخشى على غيرك ما تخشاه على نفسك ، وتلك قمة الذكاء في التعامل مع الله ، فكل الخلق عياله وخلقه ويحبهم كما يحبك ويغار عليهم ويهمه أمرهم مثلك تماما ، فإذا شئت أن يحبك ربك ويكفيك شرور الدنيا والآخرة ، فلابد أن تحب خلقه وعياله ، وإلا فقد أصابك غباء وحماقة إبليس فركبت معه قطار الجحيم ، فالله لا يقبل مطلقا كبر وغباء وحماقة النفوس ، ولا يقبل التعصب ولا العنصرية والتمييز بين خلقه ، وليس من شأنك اختلاف معتقدات غيرك ، فالله يهدي من يشاء ، {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ .. }البقرة272، فالله يحب من عباده الرحماء ببعضهم البعض ، وأمرهم بالتراحم فيما بينهم ، بل جعل التراحم شرطا للإيمان وقبوله من الله .. {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ }البلد17 ، ومن التراحم أن يكون الإنسان عفوا يعفو ويصفح عن أخطاء غيره في حقه ، بل جعل الله عفو الإنسان وصفحه عن إخيه شرطا لعفوه وصفحه سبحانه عنه يوم الحساب .. { .. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }النور22 ، والله طيب لا يحب إلا كل طيب ، ولابد أن نتذكر دوما ، أن كل ما نحن فيه هي مجرد معطيات اختبارات الدنيا ، فلم يكن لبشر الحق ولا القدرة على الاختيار في والديه ولا نوعه ولا جنسه ولا شكله ولا دينه ولا بيئته ولا لغته ولا معطيات حياته ولا يوم مولده ولا يوم مماته ، فقمة الحماقة الإنسانية أن نتعصب ونتباهى بأشياء لم يكن لنا فيها خيارا أو إرادة .

وفي تلك الأيام المباركات تحتل ذكريات الحج وصوره أركان النفس وتفرض نفسها على شاشات العقل ، كومضات ومقاطع تطول وتقصر ، كأنها بعض مقاطع للتيك توك التي تومض رغما عني ، فتنسيني كل شيء بل وغالبا ما تفقدني الإحساس بما ومن حولي تماما ، فأكتشف أنني مسترسل في ابتسامة وضحكات وفرحة تجتاح نفسي رغما عني ، رغم أن معظم المشاهد مليئة بمشقة لم أكن أتخيل أنني أتحملها أو تمر بي في حياتي ، ولكني لا أملك انساط نفسي وسعادتها من اجترار هذه المشاهد الرائعة من رحلة الحج التي من الله بها علي عندما أخلصت النية والطلب من الله ، فجاءتني كأنني في حلم ، لم افق منه إلا بعد عودتي من هذه الرحلة المباركة .

ولا أخفي سرا أنني لم أكن أتخيل حجم مشاعري وما أحسست به في رحلة الحج ، ولم أكن قبلها أرى في رحلة الحج هذا القدر من الأهمية والروعة والجلال ، وربما كثيرا من البشر لن يرى فيها هذا القدر من الأهمية والجلال والروعة ، إلا عندما يجد نفسه وجها لوجه مع البيت العتيق ، فللبيت هيبة وجلالا وسكينة تأسر النفوس وتطلق المشاعر ، فتحول أشد الرجال إلى أطفال صغار في حضرة أمهم يستغيثون بها من قسوة أيامهم ، وظننت أنها ربما مهابة اللقاء الأول وسوف تزول ، ولكنني ورغم أنني طفت بالبيت يوميا ومرارا وتكرارا خلال شهر كامل ، إلا أنني في كل مرة كنت أدخل لساحة البيت العتيق واواجهه ، إلا ويتكرر معي نفس إحساس الطفل المستغيث بمحراب أحضان أمه ، تنهمر الدموع سيلا بلا توقف وينطلق اللسان بالتهليل والتكبير والتلبية ، وفجأة تنطلق ضحات هيستيرية طفولية من رؤية رجل يحاول اللحاق بطاقيته التي سقطت منه بين أرجل الطائفين ، فالنفس حينها تعود لطفولتها غاية في الرقة سريعة التأثر متحررة من كل قيود الحياة وتعقيداتها .

وحدثني ولا حرج عن يوم عرفة ، فلم أكن في حياتي أتخيل أنني سوف أقف بين يدي ربي في مشهد مهيب مثل يوم عرفة ، فمنذ الصباح ودرجة الحرارة متزايدة بشدة ، حتى تجاوزت الخامسة والأربعين قبل آذان الظهر ، وفجأة ودون مقدمات تغيب الشمس ويهتز المكان أرضا وسماء بصوت الرعد المتتالي ، ممزوج بالبرق الخاطف للأبصار ، ثم ينهمر المطر سيولا بلا توقف ، وترتفع صرخات الحجيج رجالا ونساءا بالدعاء والاستغفار والتكبير والتهليل والتلبية ، والعويل والبكاء مختلطا بصوت البرق والرعد وسيول المطر المنهمر ، حقا كان مشهدا ربانيا استمر إلى حدود الساعة أو أكثر قليلا ، ثم تعود الشمس فتشرق على استحياء ، منكسرة الأشعة حنونة الملمس ، ويلف المكان كله سكينة وجوا عاطرا مهيبا حتى انتهاء النهار ، وليس هذا إحساسا فرديا ولكنه كان حالة عامة اكتنفت كل الحجيج ، وقد كانت هذه إطلالة الرحمة في يوم عرفة والتي لا تنسى ما حيينا .

ولن أتحدث كثيرا عن “منى” بكسر الميم ، فمجرد رؤيتي لصورها اليوم ، لا أملك دموع عيني ، ولا أعرف إجابة لماذا تبكي عيوني كلما رأيت صور خيام تجمعات الحجيج في “منى” ، و”منى” هي مشعر رمي الجمرات خلال أيام العيد ، حيث نرحل إليها في نهاية يوم وقفة عرفة مرورا بالمزدلفة التي تصلي بها المغرب والعشاء جمعا ، لتصل إلى “منى” قبل فجر يوم العيد ، لتبدأ برمي الجمرة الكبرى بعد شروق شمس أول أيام العيد ، ثم تتكرر الجمرات في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة ، ويمكن اختصارها طبقا للمشاعر ويمكن أن ينوب عنك أحدا غيرك ، ولكن منى لها وقارا وسكينة تفرض نفسها على النفس ، فهي آخر المشاعر قبل طواف الإفاضة ثم الوداع ، ولكنك حقا لن تملك نفسك وأنت تودع المشاعر ، كأنك طفل تاه في الزحام وتركته أمه .

ولا تلوموني لما أجتره من ذكريات الحج ، فهو المكان الذي أدركت فيه أنني إنسان ، احترم واحب وأجل كل إنسان على الأرض ويحب له ما يحبه لنفسه ، ففي الحج تدرك معنى قوله تعالى .. { .. رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ .. }آل عمران191 ، ولن أخوض كثيرا في اختلاف آراء البشر حول معتقدات بعضهم بعضا ، فالإنسان بفطرته كثير الجدال .. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً }الكهف54 ، فالاختلاف هو مجرد معطيات الاختبار ، ليعلم الإنسان عقله وقلبه ويبحث عن الحقائق ، والتي لا يملك أن يجبر أحدا عليها ، ولكن حسبه نفسه ولا يملك إلا أن يقول ويدعو غيره بالحكمة والموعظة الحسنة ، وليس من الحكمة أن تكون جاهلا فظا غليظا متعصبا أحمقا وتدعوني لدين تقول عنه أنه دين الحق والخير والرحمة ، وليس من الحكمة أن تكون فاسد الأخلاق في تعاملك مع أهلك وذويك ، ثم تدعوني أن أكون مثلك وعلى دينك ، ولنا في الله المثل الأعلى ، حيث اختار رسله بعنايته بل وصنعهم على عينه سبحانه مثلما قال لموسى ، وجعلهم رحمة بخلقه مثلما قال لخاتم رسله .. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }الأنبياء107 ، فكان رسول الله مثالا للرحمة بخلق الله طوال حياته ، وما رد الإساءة بإساءة مطلقا ، بل دعا لقومه بالمغفرة عندما ضربوه وكذبوه وطاردوه بقوله “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون” ، ولنا في رسول الله قدوة حسنة .. {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }الأحزاب21 .

أخيرا .. أخي الإنسان … كل عام وأنت إنسان ، تعرف معنى الإنسانية ، وتعطي أنسانيتك حقها ، وتعامل غيرك من البشر كما تستحق أنت أن يعاملك الله ، فالله يعاملنا كما يعامل بعضنا بعضا ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
جمال عمر