لا جدال في أن البشر جميعا يشتركون في صفات فطرية محددة أهمها عشق التميز والتمايز والتفاخر والإعجاب والثناء من الغير على النجاح والتفوق ، حتى ولو لم نفعل شيئا نستحق عليه هذا الثناء ، وهو ما حذر الخالق العظيم منه عباده ، بل ووعد فاعله بعذاب عظيم في قوله تعالى .. {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }آل عمران188 ، أما لو كان الفعل سيئا يستوجب اللوم والحساب فنجد البشر يحترفون الهروب من تحمل أية مسئوليات خاصة لو كانت المسئولية عن أخطاء مخفية ، فلا أحد من البشر على استعداد لتحمل نتاج أخطائه إلا من رحم ربي ، ولذلك نعاني كمصريين من احترافنا جميعا أساليب النقد والاعتراض على الغير والجدال العقيم في محاولات للهروب من المسئولية بشتى الصور والأعذار ، وهو ما نفعله ببساطة عند التعرض لسلبيات شبابنا ، رغم أنهم ليسوا سوى النتاج الحقيقي والمنطقي لتربيتنا لهم .
وتعتبر الدولة أو الحكومة في الفكر البشري عامة والمصري على وجه الخصوص هي دوما أكبر وأهم وأقرب المتهمين عند وجود أخطاء أخلاقية فادحة من عامة الشعب خاصة من شبابنا ، فمثلا .. تفشي بين أجيال الوالدين السابقة حرصهم على توفير كل ما يحلم به الأبناء من منطلق الرغبة في عدم تعرض الأبناء للمعاناة في تحقيق رغباتهم وشهواتهم ، وعدم تكليفهم بأية واجبات أو مسئوليات بحجة أنه (بسلامته) يذاكر ويتعلم ، ورغم أن هذا السلوك التربوي الخطير كان وما زال فاشلا ومرفوضا .. علميا ودينيا ، إلا أنه تفشى في المجتمع المصري عبر أجيال مضت ، فنتج عنه أجيال تالية مدللة متواكلة كسولة (أنتوخة) لا تتحمل المسئولية ولا يعتمد عليها حتى في بناء مستقبلها ، وهو ما نتج عنه الارتفاع التدريجي عبر عقود ثلاثة ماضية لنسب البطالة وإدمان المخدرات و الطلاق وتشرد الأطفال وتفشي الأمراض الاجتماعية والفساد والانتحار والإلحاد وغيرها .. ، ولكننا أبدا لم ولا نعترف بأنها نتاج أخطائنا ، بل دوما نحمل الحكومة والمدرسة والإعلام مسئولية كل النتائج الفاشلة لتربيتنا لأبنائنا الكرام ، وكأننا نتكلم من العالم الآخر وأبناءنا تربيهم الدولة في مراعي للأغنام أو ملاجيء للأيتام .
ويبدو أننا نتناسي أو ربما نجهل أن النفس البشرية وما منحها الله من جسد لتحيا به على الأرض قد خلقهما الله بقوانين خلق دقيقة ومحددة ، أهمها أننا كبشر لا تزداد قدراتنا إلا بتحمل الأعباء ، ولا نطور أنفسنا وإمكانياتنا إلا تحت الضغط المتواصل وفي الأزمات ، فأجسام أبطال ألعاب القوى مثلا .. لا تصل لمستوياتها التي تبهرنا إلا بعناء ومشقة وجهد كبير ومستمر لسنوات ، والنفوس القوية صاحبة الشخصيات المتميزة و المؤثرة في الدنيا لا تأتي من تربية ناعمة وحنونة ومدللة ، بل من تربية حازمة وواعية ، والعقول العبقرية لا تبدع إلا في الأزمات وهو ما رأيناه في المكتشفات العلمية الكبيرة التي لم تحدث إلا في خضم الحروب والأزمات الإنسانية الكبرى لأن (الحاجة أم الاختراع) ، فلا تنتظر من ولدك المدلل والمرفه واللاهي دوما أن يبدع عقله أو تكون له شخصية متميزة أو حتى جسدا قويا ، بل سيصير مسخا بشريا جسدا ونفسا وعقلا كنتاج منطقي لتدليلك لهذا الإنسان ، وتحويلك له من بشر لحيوان مدلل لا يعرف سوى شهواته ورغباته كما عودته وعلمته ففشلت في تربيته ، ورغم أنك لم تكن تريد هذا لكنك فعلته بتعمد جاهل ، وأجرمت في حق الله أولا عليك ثم في حقه وحق نفسك وحقوق البشرية جميعا .
وعجبا نتناسى أننا في مصر والمنطقة العربية فقط ، نعتبر أنفسنا مسئولين باستمرار عن تحقيق رغبات أبناءنا في كل شيء ، رغم أن معظم المجتمعات في العالم حولنا تعتبر الأبناء مسئولين عن أنفسهم عند سن السادسة عشرة ، ويجب عليهم عند بلوغها تحمل مسئولياتهم أنفسهم كاملة ، رغم أننا كمسلمين لدينا في تاريخنا وقرآننا قيم التربية التي تجعل من الأبناء مسئولين عن أنفسهم بمجرد الوصول لسن البلوغ أو سن التكليف ، ولكننا كالعادة لا نقتنع ولا نؤمن بقيم الدين أو العلم ، ولكن بقيم الأهواء والشهوات وعواطف الأمهات الرعناء ، ولا نأخذ من غيرنا سوى سلبياته ، مثل سكوتنا واستمراءنا مثلا .. لتفشي ملابس ومظاهر الشواذ والمنحرفين في الغرب بين أبناءنا وبناتنا ، فلا يرى الأب أو الأم عيبا في خروج الولد بملابس شاذة وضيقة ، وخروج البنت شبه عارية بملابس تحدد وتفصل كل مفاتن جسدها رغم علمه يقينا أنه مسئول أمام الله عن نشر الفاحشة والتحريض عليها برضاه وسكوته على فحش ملابس بناته وأولاده ، ولكن كالعادة (فالله غفور رحيم) ، وهم (شباب صغير) ، و (بلاش تعقدها) ، ولكن .. سوف تجده حانقا هائجا ومتهما للحكومة والمدرسة والإعلام بكل نقيصة لو نتج عن ملابس أبنائه جرائم اجتماعية طالته ، متجاهلا أنه ساهم بل صنع بيديه وجهله وحماقته وسكوته وتساهله في كل ما يلم بأبنائه من مصائب في حياتهم بداية من التسيب والفساد ومرورا بالاغتصاب وإدمان المخدرات واحتراف الدعارة وارتكاب الجرائم ونهاية بالإلحاد والانتحار .
ولا شك .. ولا مجال للجدال .. في أن المنتحر الذي أقدم على إنهاء حياته البائسة بيديه هو شخص ساءت تربيته وفشلت تماما ، فلم يتعلم في عمره معنى الثقة في الله ولا اللجوء إليه ، ولا الصبر ولا تحمل مسئولية نفسه ، ولا حتى الخوف من حساب الله على أماناته التي أولها حياته وجسده ، وهو ما تكراره لابد وأن ينذر بضرورة سرعة التوقف والدراسة لتحديد السلبيات وعلاجها بحياد وأمانة ، خاصة وأن ظواهر الانتحار قد سبقتها مقدمات من مظاهر الفساد التي تفشت في المجتمع خاصة بين الشباب والتي على رأسها فساد الأخلاق ، واستمراء العهر النفسي ، وسقوط الحياء واستباحة عرض المفاتن التي تثير الشهوات بحجج وأعذار مواكبة الموضة وتطور وتقدم الغرب البريء من هذا العهر .
ففي زخم التربية وتنشئة النفوس البشرية لابد ألا ننكر كبشر .. أن هناك متعة للنفس البشرية أن تظهر محاسنها لغيرها ، ولكن عندما تكون هذه المحاسن هي مفاتن أنثوية تثير الشهوات وتنشر العهر في النفوس ، وتشغلها عن أعمالها وتدفعها لارتكاب الفواحش واحتراف الجرائم الاجتماعية ، فيجب أن نتوقف حينها عند ما وصل له (الغرب) بالعلم ، لأن مفاهيم الدين في نفوس الناس صورية مظهرية لا يقين فيها أو قد تم تزويرها تماما ، ففي الغرب لا يسمح بدخول أي شخص لأماكن العمل إلا بملابس محتشمة لا تظهر أية مفاتن وغالبا هي زي محدد ، حتى لا تثير الشهوات فتؤثر سلبا على معدلات التركيز والاستيعاب ، وبالتالي على أداء العمال والموظفين ، بل هناك ملابس محظورة في المدارس والحرم الجامعي داخل قاعات العلم ، حتى لا ينشغل الطلاب والمعلمون بغير العلم ، ولكننا كمسلمين أو مسيحيين لا نجد عيبا أو حراما في أن نرى بناتنا أشباه عاريات في شوارعنا ودور العمل والتعليم بل وفي دور العبادة من أبواب التسهيل أو تقليد الغرب للتقدم والتطور كما نظن وندعي كذبا ، أو كما يهوى ويتعمد دعاة الإفساد والرذيلة ومحترفيها أن يخدعونا .
ومسألة أخرى قد تهم الغالبية ، وهي معضلة استيعاب الطلاب لدروسهم خلال مراحل التعليم ، فالوالدين من منطلق الحرص على مستقبل أبناءهم يتمنون لو يدخلون ليؤدوا الامتحانات بدلا من الأبناء ، متخيلين زورا وبهتانا أن هذا من واجباتهم من دوافع الحب والاهتمام والمسئولية ، ويتناسون أن الطفل يتم تربيته ليعتمد على نفسه تدريجيا عبر سنوات عمره ، وبالتالي فعلم النفس الاجتماعي وميراث الأديان يؤكدان أن الأبناء قادرين على استيعاب العلم بقراءته والبحث عن أجوبة لأسئلته دون مساعدة أحد ، وهو ما نقتله فيهم مبكرا بالدروس الخصوصية بداية من المراحل الابتدائية وحتى الجامعة ، ومما لا شك فيه أن أبناءنا وبناتنا قادرون على النجاح والفهم والتفوق في جميع مراحل التعليم دون دروس خصوصية لمجرد قدرتهم على القراءة الصحيحة التي يتعلمونها منذ نعومة أظافرهم ، ولكن لن يفعلوا هذا لو وجدوا من يكفل لهم التدليل وإرضاعهم العلم والتكفل بحل كل مشاكلهم طوال حياتهم دون عناء منهم ، فنحن من نقتل وندمر قدرات أبناءنا بخوفنا الزائد والغير مبرر عليهم ، وممارسة فرض الولاية والعناية عليهم ، دون أن نعلمهم الاعتماد على النفس منذ نعومة أظفارهم تدريجيا .
ولا شك أن .. معضلات عادات التربية السيئة المتوارثة نتيجة لتزوير المفاهيم .. هي أبرز كوارثنا الفكرية والنفسية التي نعاني من نتائجها المباشرة ، حيث أفرزت أجيال مهترئة في كل نواحي حياتها وقدراتها ، جعلتنا اليوم نشكو من فشل متزايد ومتفاقم بشراسة في كل نواحي الحياة التي تعتمد على أخلاقيات البشر وقدراتهم النفسية والعلمية ، خاصة في زخم مؤامرات إسقاط كل القيم والمثل العليا ومن يراهم العامة قدوات مقدسة لهم ، سواء لافتتضاح ضلالهم وبهتان عقائدهم كتجار الدين من الفرق والجماعات أو لعقم وجمود فكرهم كالمشايخ والقساوسة وفقدهم القدرة على المواكبة والتأثير ، وهو ما نتج عنه اهتزاز الشخصية المصرية بعنف خلال السنوات الأخيرة في أعقاب هجمات الفوضى الخلاقة للغرب على دول الشرق الأوسط للسيطرة على مقدراتهم .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر


