صمتا قليلا .. لعلنا …. بقلم : جمال عمر


صمتا قليلا .. رأسي الصاخبة .. بآلاف الأخبار والمعلومات المتدفقة بمعدلات أصابت عقلي بالشلل ونفسي بالوجوم فما لهذا خلقنا الله على الأرض ، فربما قد طال بقاؤنا في الدنيا لزمن لا يتناسب مع قدراتنا المحدودة ، فربما نحن من أجيال غير مؤهلة لهذا القدر من الاستيعاب ، وقد مضى زماننا وأصبحنا نلعب في الوقت الضائع ، وربما حقيقة .. أن ما يحدث هو كثير ومخيف .. ومعظم البشر قد أصابها بلادة التأقلم ، والتي لم تتوافق مع طبيعة بعض النفوس ، وفي جميع الأحوال فقد فشلت نفسي الضعيفة أن تتقبل هذا الكم من أخبار موت الفجعة للبشر في كل مكان ، ويتناقلها الناس عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي كأنهم يتحدثون عن موت حشرات أو هوام لا قيمة لها سوى ما سوف تكلفهم من وقت للحديث عنها .

فجأة وبلا مقدمات يموت العشرات أو المئات ويصاب الآلاف من الآمنين ، بعمل تخريبي أو إنتقامي أو عملا من إجراءات إدارة الأزمات بالأزمات التي احترفها البشر في العقود الأخيرة ، وتصعد لبنان لقمة أخبار الحوادث والكوارث في دقائق معدودة بعد تفجير ما يقارب ثلاثة آلاف طن من "نترات الأمونيوم" في ميناء بيروت ، ودون الدخول في تفاصيل ومسببات قد لا يعرف حقيقتها أحد لعقود قادمة ، فما حدث هو كارثة إنسانية بكل المقاييس ، وأحد النتائج المنطقية لضعف الدولة وتفكك قواها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، ولا شك أن ما حدث في لبنان قد لا يراد به لبنان تحديدا ، بقدر ما يبدو أنه قنبلة دخان كبيرة للتعمية على كوارث تنفذ تحت سمع وبصر دول المنطقة العربية ، وحكامها الغارقين في الحفاظ على الحكم وشهواته وسطوته ، وإجراءات التعامل مع فيروس العام "كورونا" والذي فيما يبدو لن يسمح من أطلقه أن تكون نهايته قريبة ، فما زال لم يحقق الأهداف المخططة كاملة .

ولا شك أن معظم المعارضين لنظريات المؤامرات هم بعضا من كلاب الحراسة لهذه المؤامرات مع قليل من الأغبياء الذين يخالفون من أجل الاختلاف فقط ، خاصة بعد أن تبجحت الماسونية في السنوات الأخيرة ، وسربت لكل المغفلين والمستهدفين بعضا مما تريده منهم علنا ، فترامب لم يستحي أن يصف حكام الخليج بالأغبياء ، ولم يستحي أن يعلن عزمه نهب ما يريده من ثرواتهم وأموالهم بالبلطجة رغما عن أنوفهم ، وقد فعل ولم يعارضوا بل خضعوا وأطاعوا واستكانوا ، فللقوة سطوتها على رقاب الضعفاء "والقوي لا يأكل أحدا لقمته" ، وحقيقة لم أقرأ في التاريخ الحديث أن دولة واجهت كل هذه المؤامرات المتباينة والمتزامنة من جميع الاتجاهات مثل مصر ، فقوى الماسونية تحاول حصار مصر بكل ما أوتيت من قدرات وإمكانيات سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وفكرية .

ويعد الحصار الفكري والثقافي هو أخطر أنواع المؤامرات التي تستهدف هدم الشعوب وهزيمتها من داخلها على المدى البعيد ، خاصة وأن المؤامرات دوما تستهدف فئة الأطفال والشباب ، فهم رجال ونساء المستقبل ، وإفسادهم صغارا يهدم مستقبل الأمم قبل أن يأتي زمنه ، فتحت شعارات الحرية والرفاهية والمتعة نرى بأعيننا اليوم بيننا شبابا وفتيات مدمرة نفسيا ، لا تعرف معنى للجد والاجتهاد والعمل ، بقدر ما هي حريصة على أنواع المتع في الدنيا ، خاصة الفتيات اللاتي تربين لا يعنيهن سوى مشاعرهن وأحاسيسهن المرهفة وأحلامهن الوردية ورغبات نفوسهن الضائعة ما بين الموضة والعبث والجنس والغناء والخلاعة والوقاحة والبذاءة والتدني باسم الحرية ، وتمتليء صفحات التواصل الاجتماعي بعهر غير مسبوق ، وصل أسوأه للسجون باحتراف التحريض على الفسق والبغاء ، وما زال بعضه يبارز المجتمع بصوره العارية وابداعات إظهار الجمال والرقة يقابلها خناثة أو عهر شباب يتبجح بحقوقه في العلاقات المحرمة ، فسقط الحياء وانتحرت الأخلاق بأيدي أباء وأمهات تربوا على إطلاق العنان لشهوات النفوس تحت مظلات فوضى الحرية والتربية الحديثة .

نعم … النفوس تتعرض لما هو أكبر من قدرات استيعابها ، ولذلك نجد الغالبية فقد القدرة على التمييز بين الحق والباطل ، والبيض والأسود ، حتى أن الوالد والوالدة لا يشعرون بخطأ في خروج ابنهم الشاب "رجل الغد" بملابس ضيقة وبنطلون ساقط يظهر ملابسه الداخليه أو شورت يصف جمال سيقانه وقميصا أو تيشيرتا من بقايا قميص نوم أخته أو والدته ، ورأسه مرسومة أو منعكشة كالخروف أو الحمار أو ديك البرابر ، وكله باسم التقدم والموضة ، وكذلك ابنتهم التي اعتادت أن تغادر البيت يوميا بملابس تصف مفاتن جسدها بالتفصيل الممل ، وتسير ضاربة رجلا برجل في تعمد ورقة لتهتز في عنف كل مفاتنها دون رقيب أو حسيب ، وكيف يشعرون والأم نفسها تخرج بنفس مستوى الملابس دون حياء أو شعور بالخجل من عرض مفاتن جسدها ، والجميع يجهل أو يتناسى أن هذا هو ما تم التوصية به في بروتوكولات حكماء صهيون منذ قرون ، بضرورة جعل الرجال والنساء مشغولون دوما بالجنس ، وإثارة شهوات الشباب باسم الحرية والموضة والتقدم ، كوسيلة فعالة لهدم الأمم بإفساد الأجيال وتشتيتها ، ورغم أننا جميعا نعرف هذا ، ولكننا مغيبون في مفرمة الحياة وننفذ حرفيا ما تم تخطيطه لهدم أممنا وديننا وأخلاقنا بلا وعي .

نعم .. نتعرض لشتى ألوان التشتيت سواء بأيدينا أو بأيدي المتآمرين حولنا ، ولكن هذا ليس عذرا أن نتغافل عما يحاك لنا ، فلم ترحم الحياة ولا البشر شعوبا كشعوب العراق وسوريا واليمن وليبيا والصومال أو غيرها عندما سقطت بلادهم ضحية الفوضى والتقسيم وتشريد البشر ، لم ينصفهم تاريخهم ولا أحلامهم ولا فساد شبابهم باسم الحرية والتقدم ، بل كان معولا لهدم بلادهم وتشتيت شملهم باسم شعارات الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية ، لأنهم لم يتعلموا الدرس جيدا ، وبهرتهم خداع أضواء الغرب باسم التقدم والحرية ، فلم يلحظوا مثلا أن الحرية الوحيدة المكفولة في الغرب هي حرية تدمير نفسك كشخص ، ولا قيمة ولا وجود لك إن لم تكن تكد وتجتهد وتعمل ليل نهار لتوفر لنفسك سبل العيش ولا مجال للخطأ أو التراخي ، ولا رأي لشخص في الغرب فيمن يحكمه ولكنها مسرحيات الديموقراطية الهزلية ، وإلا فلماذا تظل "ميريكل" على قمة حكم ألمانيا (18 عاما) وعلى قمة الاتحاد الأوروبي (24 عاما) ، ولماذا يتحدد ترامب كرئيس لأمريكا رقم (46) منذ أكثر من (30 عاما) ، ولماذا لا يصل للمناصب العليا في أوروبا إلا فئة بعينها من أحفاد فريدريك الثالث ملك ألمانيا اليهودي ، ووالتي تعد ملكة انجلترا الحالية من أهم وأكبر أحفاده ، وما زالوا يحكمون أوروبا وأمريكا حتى أن أوباما الأسود اللون والرئيس رقم 45 لأمريكا هو ابن أخت بوش الأب وهم من سلالة الدم الأزرق "الأنجلوساكسوني".

وعجبا لم تنتبه المرأة العربية والمسلمة تحديدا أنها أكبر قيمة وكرامة بأخلاقيات بلادها من كل نساء الغرب والشرق ، وسقطت نساءنا وبناتنا باسم الحرية في مستنقعات الفواحش والمهانة تقليدا ، وهم لا يعلمون أن المرأة في الغرب مجرد سلعة لا قيمة لها إلا بجسدها أو عملها كمسخرة للنظم الذكورية الشاملة ، رغم ما يدعونه من مساواة وحرية ، حتى أن المرأة لا ميراث لها مطلقا في معظم قوانين الغرب ، ومعدلات التحرش في أوروبا بلغت تسعة من كل عشرة إناث ، وجرائم الاغتصاب بلغت في أمريكا أكثر من 76% من الإناث تعرضن لها ما بين سن الرابعة عشرة والخمسين ، ونسبة الأشخاص الذين يعرفون أباءهم أقل من 3% ، ونسب الأم العزباء تجاوزت 92% من الأمهات التي تتحمل التربية وحدها أو تلقي بأبنائها في دور اليتامي والملاجيء ، وتمزقت العائلات والروابط وأصبحت المرأة هي الطرف الضعيف المهان والمطحون ولا تملك سوى حرية تدمير نفسها من أجل توفير سبل العيش ، فيعوضون هذا بمزيد من بريق الموضة والتقاليع والبهرجة والعلاقات المفتوحة والتي تؤدي في النهاية لارتفاع معدلات الجريمة بكل صورها والانتحار بين الفتيات والشباب .

ولا شك أن الجهل هو أهم أسلحة المؤامرة التي تساعد على تفشي الفساد والانحراف باسم الحرية ، ويساعده كثيرا فشل المؤسسات الدينية في صناعة فكر ديني منقح وصحيح ومتناسب ومقنع للشباب يدفعه للالتزام ، بل سقط الكثيرون ضحية جماعات الدعاة من صناعة المخابرات البريطانية عبر قرون طويلة مضت كان آخرها الأجيال الحديثة بداية من القرضاوي ثم عمرو خالد ومعز مسعود ومصطفى حسني وشحاتة وغيرهم ، وهم أبطال مؤامرة "سنصنع لهم إسلاما يناسبنا" والتي أفصح عنها تحديا .. مدير المخابرات البريطانية منذ سنوات قليلة ورددها هنري كيسنجر مرارا ، وتتباهى بها أروقة المخابرات الغربية ، فهم لم يتركوا مجالا إلا وعبثوا فيه فأفسدوه ، حتى مشايخنا الكرام وعلماؤنا الأفاضل الذين يتباهون بانتماءهم للفرق والجماعات ، فهذا صوفي وهذا شيعي وهذا سني أو إخواني أو سلفي ، رغم علمهم جميعا أن الإنتماء للفرق والجماعات هو شرك صريح نهى الله ورسوله عنه ، ورغم علمهم جميعا حقيقة انتماء هذه الفرق والجماعات جميعا للماسونية العالمية التي تديرها أجهزة المخابرات في الغرب وتحمي رجالها وعملائها في كل دولة .

وما بين فشل دعاة الدين وتأمر عملاء الغرب باسم الدين ، وبين مفرمة الحياة ومصاعبها وجهل الشعوب وانزلاقها في مستنقعات الشهوات والمتع هرولة خلف ميديا الإعلام الموجهة ، تتوه الشعوب وتتخبط فتفقد هويتها ويسهل قيادها ودفعها لتخريب بلادها ، وهو درس استوعبه هذا الشعب جيدا ، وخرج منه أكثر وعيا وفهما لما يحاك له ، ولكنه ما زال مستسلما مستمتعا ورافضا في نفس الوقت لبعض تداعات فساد الأخلاق المتفشي في بينهم ، وما أكثر المتناقضات في حياة البشر والتي رغم انتقادها كثيرا إلا أن هذه المتناقضات هي نفسها السبب في الحفاظ على تماسك المصريين كأمة واحدة رغم ما يحيط بها من تهديدات ومخاطر ، وهو أيضا ما يجعل مصر هي صمام الأمان للمنطقة وحجر الزاوية في الشرق الأوسط ، الذي يحاولون تفكيكه وتدميره وتشريد شعوبه ، ولن تكون لبنان هي آخر الأحزان والكوارث التي تحل بأمة فرطت في قيمها ودينها وأخلاقها ، وعادى بعضها بعضا باسم الدين والحرية والديموقراطية ، فهل آن لنا أن نفيق ونراجع ضمائرنا وعقولنا ونصحح مفاهيمنا ونوايانا ونفوسنا ، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم … والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *