الكتاب والقرآن والفرقان …. بقلم : جمال عمر


لا مجال للشك .. أن بني آدم جميعا أصلهم واحد ، وربهم خالقهم ورازقهم واحد ، وبالتالي فلا شك أن دينه سبحانه واحد لا اختلاف ولا تبديل ولا تعديل له منذ بدء الخليقة وإلى يوم القيامة ، وبالتالي فمن المنطقي أن نرى التدرج في رسالات الله إلى خلقه بداية من أدريس ومرور بصحف إبراهيم ثم توراة وصحف موسى ومزامير داوود وإنجيل عيسى وأخيرا قرآن محمد ، وبعيدا عن التعصب الأعمى والأحمق ، فالتدرج واضح ومرصود من رسالة لأخرى حتى اكتمل الدستور الإلهي للبشر بالقرآن العظيم ، وليس عجيبا أن يقول القرآن وحده بهذا التدرج في وحدانية الله ودينه ، فالتوراة الأصلية قد تم أخفاءها منذ قرون طويلة ، وكذلك الإنجيل الأصلي الذي أنزله الله على عيسى ، والكل يعرف أن اليهود قد ألفوا بدائل متعددة للكتابين التوراة والإنجيل ، فلم يبقى سوى "القرآن العظيم" سليما صحيحا ولا يقبل التغيير ولا التزوير ولا التبديل ، رغم الكم الهائل من تزوير مفاهيمه الأساسية والحجم المهول للضلالات المقدسة في الإسلام ، وكذا الحروب المتزايدة على الإسلام والقرآن .

ولا شك أيضا أن المولى سبحانه وتعالى كان رحيما ببني آدم ، ولذلك تدرج معهم في علومه وأحكامه عبر تاريخ البشرية حتى يتوافق الميراث التاريخي لبني آدم مع كم ونوعية التكليفات التي  يأمر بها الله بني آدم تدريجيا عبر رسله ورسالاته ، ولا شك أيضا أن المولى سبحانه وتعالى قد جاء بالقرآن ليكون الدستور الكامل للحياة بعدما اكتمل الميراث التاريخي للبشر وأصبحوا مستعدين نفسيا لاستقبال وطاعة قوانين الخالق المتكاملة للحياة على الأرض ، فالقرآن كما يجب أن نعلم هو الجزء الأكبر من "كتاب الله الخاتم" الذي نسميه مجازا بالقرآن ، ويحتوي "كتاب الله" على جزأين رئيسيين هما القرآن العظيم والفرقان ، والفرقان الذي أنزل مع القرآن هو آخر التعديلات على أحكام فرقان موسى والذي كان دليل الأحكام والحدود والعقوبات التي أنزلت على نبي الله موسى ، وإلى جانب القرآن والفرقان تفضل سبحانه وتعالى على البشرية بسبعة آيات هي ليست من الكتاب .. بل هي السبع المثان والتي يقول عنها سبحانه في قرآنه العظيم .. {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }الحجر87 وهي سورة الفاتحة أو أم الكتاب الشافية الكافية الواقية صاحبة العشرون اسما .

ولا تعد الفاتحة من القرآن ، ولا من الفرقان ، ولكنها فاتحة الكتاب ، وأنزلها سبحانه من اللوح المخفوظ تحت العرش ، ولابد أن نعرف أن ما جاء بالكتاب له مصدران أساسين ، المصدر الأول وهو اللوح المخفوظ ، ويختص هذا المصدر بعلوم القرآن الخمسة الأساسية وهي {العلوم البحتة وعلوم الخلق – علوم التوحيد والعقيدة – الغيب والحكمة – الترغيب والترهيب (الجنة والنار) ، ثم الإمام المبين ومنه يصدر ثلاثة أنواع من العلم ، الأول هو تاريخ البشر والقصص القرآني ، وثانيهما هو الفرقان والذي يحتوي على نوعين من العلوم (الفروض والحدود – الأخلاق والمعاملات) واللذان يحددان أحكام وحدود الله في حركة حياة خلقه ، والفرقان كانت بداية نزوله على نبي الله موسى ، ثم جاء تصحيحه وتطوير أحكامه بآيات جديدة نسخت أو حلت محل آيات التوراة التي نسيها الناس ، وتلك حقيقة الناسخ والمنسوخ فالقرآن بآيات تعديل أحكام التورة قد نسخ آيات من التوراة وحل محل آيات أخرى نسيها الناس ، ولا صحة مطلقا أن القرآن ينسخ قرآنا ، ومن قال بهذا يتعمد التشكيك في الله وكتابه الخاتم ،و من ابتدعها هم اليهود وأتباعهم ، فعدل سبحانه أحكاما بعينها بالفرقان المعدل والجديد ضمن كتاب الله إلى آخر الأنبياء والرسل محمد ، مثل تعديل حكم الزنا على المحصن من الرجم في التوراة إلى الجلد في القرآن ، ومثل تخفيف بعض الأحكام على اليهود والتي شددوها على أنفسهم وقد أشار الله لها بقوله تعالى .. {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الأعراف157 .

ولم ينزل الله الكتاب على خاتم المرسلين "محمد" مرة واحدة ، بل نزل آيات متتابعات مرتلا ومتدرجا تبعا للأحداث ، والقرآن العظيم مصدره هو اللوح المحفوظ ..{ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ، فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } البروج 21 ، 22 ،  وذلك بخلاف الإمام المبين الذي هو مصدر القصص والأحكام  لقوله تعالى … {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }يس12 ، ومكانه في السماء الدنيا ، وقد أنزل الله القرآن لعظيم من اللوح المحفوظ إلى الإمام المبين  في السماء الدنيا في ليلة مباركة يقول عنها سبحانه وتعالى .. {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ }القدر1 ، وقوله تعالى .. {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ }الدخان3 ، ثم توالى نزول آيات القرآن العظيم تبعا للأحداث حتى اكتمل ، فأعاد جبريل مراجعته على رسول الله مرتين ، ليؤكد على ترتيب آياته وسورة ، وتكفل سبحانه بحفظ ذكره ، وهو ما يعني حروفه وكلماته وآياته المقروءة والمسموعة ، فلا تبديل لكلمات الله ولا تبديل لآياته ، { .. لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }يونس64 ، وتختلف نوعية آيات القرآن العظيم الواردة من اللوح المحفوظ اختلافا كبيرا عن الآيات الواردة من الإمام المبين ، فالأولى آيات علوم بحتة تمثل قوانين ناموس الخالق في الكون ، والثانية تمثل تسجيلا لتاريخ البشر وتعاملاتهم وتطورها عبر الزمن ، وأحكام الله فيها .

ويتحدى سبحانه وتعالى البشر جميعا أن يأتوا بسورة من مثله أو عشر سور مفتريات أو حتى بضع آيات ، ثم يقول لهم في النهاية ، {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }البقرة24 ، ورغم أن القرآن عبر أربعة عشرة قرنا مضت قد أثبت للمنكرين والكافرين صدقه بلا أدنى شك ، حتى أنهم وجدوا فيه علوم بحتة لم يعرفها بشر إلا مؤخرا ، إلا أن الغالبية كما يقول عنهم سبحانه ، { .. فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }الأنعام33 ، فكثير من الناس يجادل وينكر ليس تكذيبا أو عدم تصديق ولكنه جحود واعتزاز بالإثم الذي وجدوا عليه آباءهم ، ولا عجب في هذا ، فالمسلمين أنفسهم هجروا القرآن وأغلقوا عقولهم وصدقوا الضلالات وجعلوها مقدسة ، يؤمنون بها ويكذبون القرآن وهو بين أيديهم ، وكفاهم أنهم انقسموا لبضعا وسبعين فرقة وجماعة وهم يعلمون أن الانتماء للفرق والجماعات شرك صريح بالله نهى الله عنه صراحة بقوله تعالى … { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32} ، ومع ذلك ما أكثر المشايخ الأزهريين المنتين للفرق والجماعات بمختلف تنوعاتها .

فالبشر هم البشر ، فكل البشر عبر الزمان زوروا كلام الله وكتبه ، وما طالته أيديهم زوروه وأخفوه وألفوا بدلا منه ، حتى إذا منحهم الله دستورا كاملا ، وتعهد بخفظ كلماته وآياته ، انقلبوا شياطين ومردة وأغلقوا أبواب الفهم والتدبر ، وزوروا مفاهيميه الأساسية والرئيسية ، وحولوه لضلالات مقدسة ، وكفاهم أنهم استمرأوا أكبر تزوير للدين في تاريخ الإسلام ، عندما قبلوا تزوير مفهوم العبادة ، وادعوا كذبا أن العبادة هي في الفروض والمناسك ثم أضاف بعضهم العمل على استحياء ، رغم أن الله ما سمى الفروض ولا المناسك بالعبادات في كتابه العزيز مطلقا ، بل أسمها مناسك وقال فيها ، {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ }الحج67 ، وأنكروا وطمسوا معنى العبادة الأصلي ، والذي هو أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، والتي استحققنا عليها (سجود – دعاء – استغفار – حفظ) الملائكة ، وهي المهمة التي عنونها رب العزة قبل خلق آدم بقوله تعالى .. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ..}البقرة30 ، ثم وضح طبيعتها صراحة على لسان نبيه هود بقوله تعالى .. { .. ُهوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ }هود61 بمعنى كلفكم بمهمة إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، وهي المهمة التي كفر بسببها إبليس ، واقسم لله بعزته ليغوين بني آدم أجمعين .. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82  ، فزور لابن آدم معنى العبادة ، وصدقه الغالبية بأنها مجرد مناسك وقروض ، فقط من أجل أن يثبت فشل ابن آدم في أداء المهمة ، وتبعه كثير من أصحاب القرآن ومن يدعون أنهم أهله وهم ألد أعدائه ، بمفاهيمهم المضللة وفهمهم المغلق المزور .

وليت أمور الضلال توقفت عند تزوير المهمة ، بل تجاوزتها لمعظم المفاهيم الرئيسية للدين ، بداية من معنى الدين نفسه ، والذي حصروه في أداء الفروض والمناسك وإقامة الشعائر والتحدث بالفقه والسيرة والسنة ، وبخلاف هذا فقد جعلوه دنيويا ، لا علاقة له بالدين ، مع أن آيات العلوم البحتة في القرآن تقترب من 3000 آية تعادل نصف القرآن وتزيد عن خمسة عشرة ضعفا لآيات الفروض والحدود ، بينما آيات الفروض والحدود أو ما نعرفه باسم "الفقه" لا تزيد عن 200 آية فقط ، ولكنهم زورا وبهتانا أسموها العلم الشرعي ليكون مقدسا ، رغم أن الفقه هو العلم الوحيد في القرآن المتغير تبعا لتغير الزمان والمكان والبشر ، وقد تم تزوير معنى الدين الحقيقي الذي يعني مجمل قناعات الإنسان التي يتصرف تبعا لها في حركة حياته ، فكل مخلوق لديه دينه ، فإذا توافقت قناعات أي إنسان مع ما يأمر به الله ، فهو عند الله مسلما  أيا كانت ملته وانتماءه ، ولو عدنا للفروض التي أسموها كذبا بالعبادات لوجدنا أن الله ذكر في كل منها أسباب فرضها ، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وذكر الله أشد نهيا عن الفحشاء والمنكر ، والصيام لإخضاع وخشوع النفس ، والزكاة لتطهير النفوس وتزكيتها ، وبالتالي فالمناسك في مجملها قد فرضها الله من أجل الحفاظ على استقامة الإنسان في حركة حياته من أجل حسن آداء مهمة العبودية "العبادة" ، والتي هي إعمار الأرض كخليفة لله عليها .

وليس عجيبا أن تشتعل الحروب دفاعا عن الدين قديما وحديثا ، وليس غريبا أن تختفي الأهداف الدينية الحقيقية خلف كل الشعارات البراقة ، ولكن السؤال الأهم .. وأخص به المسلمين …عن أي دين يدافعون ، الدين الذي قسمهم بضعا وسبعين فرقة وجماعة ، أم الدين الذي جعلهم يكفر بعضهم بعضا ، ويقتل بعضهم بعضا ، أم الدين الذي لم يتبق منه سوى قشور ومظاهر وبعض شعائر ، أم الدين الذي باسمه .. يرتكبون كل أنواع الكبائر والفواحش  .. بشعارات التقدم والتطور ، أم الدين الذي هجروا قرآنه ، وأغلقوا تدبره وقصروه على من ماتوا منذ أكثر من ألف سنة باسم "التراث الموروث" ، ومرة أخرى .. سادتي الأفاضل .. عن أي دين تتشدقون ، وهو لم يبق منه إلا ضلالاتكم المقدسة التي زورت المفاهيم الأساسية لدين الله وفرقتكم فرقا وجماعات متناحرة ، وجعلتكم كغثاء السيل ولا قيمة لكم ، فعذرا سادتي .. ورجاء .. عودوا لكتاب الله .. وتدبروه واتركوا المجال لمن يتدبره ولا تهاجموا أحدا ولا تعتدوا ولا تتهموا ، وتعلموا فقه الخلاف بالمنطق والبرهان ، والثقة في الله ، فلستم أعلم من الله بدينه .. { قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ .. }البقرة140 ، ولستم أحرص على الدين من المولى سبحانه وتعالى .. {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }الحجرات16، وسبحان من حما دينه وقرآنه منكم ومن غيركم ، لعلنا يوما نجد بين أيدينا فهما راقيا عظيما نعلي به نفوسنا لتستحق دين الله ، لو كنا مسلمين ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *