لا شك أن الاحتفال العالمي لمحرك البحث جوجل على شبكة المعلومات العنكبوتية الإنترنت بأبو الطب "الريس ابن سيناء" هو إحقاق بسيط ومشكور للحق وتصحيح مستحق لذاكرة التاريخ عن صاحب أعظم الألقاب التاريخية في العلم والطب مثل .. إمبراطور الطب .. وأبو الطب .. والشيخ الريس .. فمن هو ابن سيناء ولماذا لم تستطع الدنيا أن تتجاهله وتنساه مثل غيره من عظماء العلم المسلمين عبر التاريخ .. ؟؟
فابن سيناء .. هو "علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا" ، عالم وطبيب مسلم من بخارى، اشتهر بالطب والفلسفة واشتغل بهما ، ولد في قرية في أوزبكستان من أب وأم من أفغانستان سنة 370 هـ (980م) وتوفي في همدان (إيران ) سنة 427 هـ (1037م) ، عُرف باسم الشيخ الرئيس وسماه الغربيون بأمير الأطباء وأبو الطب الحديث في العصور الوسطى ، وقد ألّف أكثر من مئتي (200) كتابا في علوم مختلفة ، العديد منها يركّز على الفلسفة والطب ، ويعد ابن سينا من أول من كتب عن الطبّ في العالم ، وصحح أساليب أبو قراط وجالينوس وأشهر أعماله كتاب القانون في الطب الذي ظل لسبعة قرون متوالية المرجع الرئيسي في علم الطب في العالم ، وبقي كتابه (القانون في الطب) العمدة في تعليم هذا الفنِّ حتى عهد قريب في جميع جامعات أوربا ، ويُعد ابن سينا أوَّل من وصف العديد من الأمراض الخطيرة العضوية والعصبيىة والنفسية .
ولم يكن ابن سيناء هو الطفرة الغريبة بين علماء المسلمين فقط سبقه بقرنين من الزمان أبو "الحواسب" الملقب بـ الخوارزمي {164هـ / 781 م} وهو محمد بن موسى الخوازمي أشهر وأهم علماء الريضيات والحواسب في التاريخ فهو أول من اخترع المصفوفات الخوارزمية (Quarisms) التي ما زالت هي الأساس لكل الحواسب الآلية في العالم والمعروفة باسمه حتى اليوم وما زالوا يلقبونه في الغرب بـ "أبو الحاسوب" ، وهو صاحب علم اللوغاريتمات (Algorithm) ، وهو صاحب الرقم صفر والأرقام العربية وعلاقاتها بالهندية وحساب المثلثات والزوايا ، وأول من وضع أساليب حل المعادلات الرياضية المركبة بدرجاتها المتعددة ، وصاحب جداول النسب المثلثية وصاحب كتاب المختصر في علم الجبر والمقابلة ، والذي تم ترجمته لعشرة لغات لاتينية وما زال الأساس لتدريس الجبر وحساب المثلثات في العالم ، وصاحب أشهر جداول فلكية وصاحب كتاب صورة الأرض .
ولسنا بصدد الحصر لعلماء الحضارة الإسلامية لكثرتهم ، ولكن الغرب لم يستطع طمس آثار وأفضال علماء المسلمين بداية من عهد الأمويين وحتى نهاية عهد العباسيين مثل جابر بن حيان والأسمائي والجاهز والكندي وابن فرناس وابن رشد وابن النفيس والرازي والكيلاني والطبري وابن الهيثم والبوزجاني وابن خلدون "امبراطور الاجتماع في العالم" ، وصاحب أعظم وأحدث نظريات للمجتمعات والدول الحديثة ، وغيرهم كثير في كل فروع العلم من الطب للهندسة للفلك والكيمياء والفيزياء والطيران والفلسفة والرياضيات والحيوان والنبات والجغرافيا والبصريات والموسيقى والأدب والاجتماع والعلوم العسكرية ، فغيروا مجرى التاريخ العلمي للبشرية ونقلوا البشرية من قاع التخلف والجهل لقمم العلم والمعرفة وما زالت مكتشفاتهم تحكم أسس العلم والبحث العلمي في العالم حتى اليوم ، وهو ما يحاول المغرضين والكارهين والحمقى في الغرب طمسه وتجاهله .
بل من العجيب أن يتجاهل الغرب أفضال المسلمين في تطور أجيال الحكم والحرب في الدنيا حتى أنهم يسمون ما يتم استخدامه اليوم بالجيل الرابع أو الخامس ، ويعتبرون الجيل الثالث مؤرخا بالحرب العالمية الثانية ، والجيل الثاني بالحرب العالمية الأولى والجيل الأول بحروب الرومان ، متجاهلين أكثر من ألف سنة سيطر فيها المسلمون على مقادير العالم ، وأضافوا لأجيال الحرب في البشرية أكثر من ثلاثة أجيال رئيسية وأساسية ، ونقلتها من العشوائية إلى التنظيم العلمي والاستراتيجي للجيوش ، بداية بما أضافه رجال مثل عمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد الذي يذكره روميل في مذكراته كأستاذه الأعظم في تنظيم الجيوش وصاحب الأرتال الإدارية والهجوم من العمق والمناورات الاستراتيجية للجيوش ، ثم يتجاهلون إقرار المسلمين لأول وثائق حقوق الإنسان والأسرى في الحروب والتي غيرت من استراتيجيات الحروب تماما ، ثم يتجاهلون ما أضافه صلاح الدين الأيوبي لتكتيكات الحروب واستخدامات التخصصات المقاتلة .
ولكن ما استوقفني كثيرا .. هو ملامح المؤامرة التاريخية على الحضارة البشرية كنتيجة مباشرة لحماقة العنصرية البشرية التي يمارسها البشر ضد أنفسهم وحياتهم على الأرض ، قبل أن تكون ضد أجناسهم البعض ، بداية بغباء الإخوان وتجار الدين عبيد الماسونية ورغباتهم السوداء في دمار دول العرب خاصة مصر وخرابها فقط من منطلق العناد والتربص بمن يحكمها سواهم ، ومرورا بتصريح مدير المخابرات الأمريكية الأسبق جيمس ولسي "سنصنع لهم إسلاما يناسبنا" ، توقفا عند تصريح رئيس الوزراء البريطاني في مجلس العموم في أواخر القرن التاسع عشر بقوله " إذا أردتم القضاء على المسلمين، فعليكم بتمزيق هذا الكتاب ، وكان يمسك بيده بنسخة من القرآن الكريم ، مرورا بمنح اللورد كرومر المندوب السامي في مصر لأرفع وسام ملكي عام 1905م ، لنجاحه في زيادة عدد زوار الموالد لمليون مواطن ، متوقفا عند عبار شهيرة حفظها المصريون " هو انا غلطان في البخاري " ، وأصولها المفجعة بفرض حفظ البخاري بالجلد على المصريين في عهد الفاطميين دون القرآن ، ورغم فضل هذا الكتاب كمرجع قيم للأحاديث إلا أنه زور مفاهيم محددة قليلة ، ولكنها في منتهى الخطورة والتأثير ، لأنه قام بتبديل تسمية الفروض والمناسك والشعائر (الصلاة والصوم والزكاة والحج وذكر الله) كما سماها سبحانه في القرآن إلى مسمى "العبادات" مخالفا للقرآن الكريم ، وهو أكبر وأخطر تزوير تاريخي عقائدي في مفاهيم الإسلام ، وهو ما حول المسلمين من علماء عاملين سادوا الدنيا بعلومهم البحتة إلى دراويش لا قيمة لهم وأهملوا العلم والعمل والكدح لإعمار الأرض ، وتفرغوا للأكذوبة التاريخية المكررة بأنهم أولياء الله وأحبائه .
وتاريخ المؤامرة زاخر بالأحداث التاريخية التي تؤكد أن هناك إصرارا مستمرا على طمس الحضارة لشعوب بعينها ، رغم أن ذلك في النهاية لا يمثل سوى قمة الغباء العنصري البشري الحريص على تدمير البشرية ، ورغم هذا لا يستطيع الغرب تجاهل حقيقة أن المسلمين فقط هم من أنقذوهم من قاع التخلف والعفن والقذارة حيث كانوا أول من علمهم وأجبرهم على الاستحمام بالماء ، واستخدام الماء في النظافة الشخصية ، حتى أن ماري انطوانيت ملكة فرنسا كانوا يتباهون أنها لم يلمس جسدها الماء أربعين سنة كاملة ، ولا يستطيعون تجاهل كتاب ملك انجلترا جورج الثاني لملك المسلمين في الأندلس "عبد الرحمن الناصر" والمحفوظ في المتحف البريطاني ، والذي بدأه بقوله من "خادمكم المطيع جورج ملك انجلترا" يطلب فيه قبول أمراء وأميرات إنجلترا وأوروبا خداما في البلاط الملكي المسلم ليتعلموا العلوم والآداب وشئون إدارة الحكم ، ولا ننسى تصريح المستشار الألماني هلموت كول في أواخر القرن الماضي بقوله عن المسلمين والمصريين تحديدا .. "دعوا المارد نائما ، فلو استيقظ فلن يكون لنا وجود بجواره" ، بل لا ننسى مقولة "جوج بوش" في حفل إفطار البيت الأبيض في رمضان 1992م ، ردا على سؤال أحد المدعوين المسلمين بقوله " لماذا تكيلون بميكالين في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط" ، فقال .. " أنتم المسلمين حكمتم العالم ثمانية قرون بطريقتكم ولم يكن لنا معكم رأى أو وجود ، فدعونا نحكم العالم هذه السنوات القليلة كما نشاء" .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
