انتهى رمضان .. وكل عام وكل البشر بكل الخير والصحة والسعادة .. وبدأت الصراعات المسكنة في الاشتعال في كل بقعة من العالم ، وذلك رغم أن معظم البشر ليسوا بمسلمين ، والمسلمون ليسوا طرفا في الواجهة الكبرى للصراع في العالم خاصة في أوروبا ، ولكن رمضان رغم أنف البشر له قدسية ويفرض حضوره وسكينته على الجميع ، ولكن بعد رمضان بدأت نيران الصراعات تتصاعد في بقع كانت مسكنة ، خاصة على الساحة الروسية الأوكرانية ، وهو ما يزيد من مخاوف اتساع مسرح العمليات العسكرية ، خاصة بعد أن تكشفت حقائق صراعات أخرى ، فضلا عن تحالفات متداخلة بين دول الصراع وكثير من الميليشيات وشركات المرتزقة في أوكرانيا .

ولا شك أن روسيا قد تم التخطيط لاستدراجها لمستنقع أوكرانيا منذ عقود مضت ، ولكن الدب الروسي لم يتحرك إلا عندما استعد جيدا لكثير من السيناريوهات الماسونية المرسومة له ، فأمريكا وباستخدام دول الناتو قد حولوا أوكرانيا خلال العقود الماضية خاصة في السنوات الأخيرة لمركز لصناعة كل أشكال الإرهاب في العالم ، ولا سيما بعدما أطاحوا بالحكومة الموالية لموسكو ، واستطاعوا تنصيب زيلينسكي اليهودي على رأس الحكم في أوكرانيا ، فأصبحت أوكرانيا مركزا لتدريب كل أنواع الميليشات والمرتزقة من كل دول العالم ، ومركزا لتصنيع الأسلحة البيولوجية القذرة ، وذلك تحت إدارة أمريكية في المركز المحصن تحت الأرض لعمليات الناتو في أزوفستال ، وذلك بخلاف تجارة المخدرات والدعارة والرقيق الأبيض والمثلية ، وكل أنواع الانحرافات الماسونية المحظورة في كل دول العالم .

ولم يكن بوتين يجهل كل ذلك بل كان على علم بكل ما يدار في أوكرانيا ، ولكنه خطط جيدا وتحرك بخطوات محسوبة أوجعت الماسونية العالمية ، وكان أشهر وأخطر هذه التحركات هو تخلص البنك المركزي الروسي من سيطرة آل روتشيلد في عام 2017م ، وذلك بعد انتهاء مدة الاتفاقية التي أبرمت عام 1917م بسيطرة آل روتشيلد على البنك المركزي الروسي لمدة (100) مائة عام انتهت في عام 2017م ، وثم كانت الضربة الكبرى بطرد آل روتشيلد من روسيا ، وتقليص علاقاتهم وسيطرتهم على كثير من المؤسسات والشركات الروسية ، وهو ما دفع آل روتشيلد لمساومة بوتين شخصيا ليتخلى عن حكم روسيا في مقابل ثرة خيالية من الأموال ، والتي رفضها بوتين غاضبا ومتوعدا الماسونية بالتصدي لها ، فتلاها محاولة الماسونية نشر وتقنين المثلية في روسيا فواجههت بوتين بقراره بالتصدي للمثلية ما دام حيا ويحكم روسيا ، فما كان من أذناب الماسونية إلا أن توسعوا في تحويل أوكرانيا إلى مركز لكل ألوان الإرهاب والدمار في أوروبا لاستفزاز بوتين وإنهاك روسيا .

وبالتالي فالصورة الاستراتيجية الحقيقية للحرب الدائرة الآن كما يريدون إخفائها ، ما هي إلا جولة صراع بين الماسونية وكل من يتصدى لها ، وفي المواجهة الآن بوتين وإلى جانبه الصين والهند والدول الإسلامية والعربية ، وعلى الجانب الماسوني أمريكا والناتو وبعض الدول مثل استراليا وكندا وتقودهم بريطانيا مهد الماسونية ومركز قيادتها التاريخي ، ودخول بوتين لأوكرانيا ليس إلا تطهيرا لحدوده من تهديدات الماسونية التي استهدفت إضعاف روسيا وإعادة تفكيكها بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي في تسعينات القرن الماضي ، ولاشك أن الصراع الذي اشتعل سيستمر ولن يهدأ قبل أن تكون له نتائج كبيرة وحاسمة ، والتي سوف تغير من النظام العالمي القائم ، وذلك إما بتثبيت أركان النظام العالمي الماسوني الأوحد والمخطط له من قرون ، أو بانهيار وتفكك وهزيمة الماسونية ، وإعادة تشكيل خريطة العالم من جديد ، وهو الأقرب للحدوث .

وبقدر أهمية الحرب الدائرة على أرض أوروبا وأوكرانيا تحديدا في الوقت الحالي ، وبرغم احتمالات تطور الحرب باشتراك دول أوربية أخرى ، وبرغم أن انتصار روسيا أو الناتو على الساحة الأوكرانية قد يحسم الصراع ، إلا أن الصورة الاستراتيجية الأوسع للصراع هي ابعد وأكبر من مما ذلك كثيرا ، فعلى الجاني الآخر من العالم يقبع التنين الصيني منتظرا دوره الحاسم في الصراع ، وليست مسألة تايوان هي الهدف الاستراتيجي للصين كما يحاول البعض إفهامنا ، ولكن الصورة الأكبر تشمل السيطرة والهيمنة والاقتصادية والسياسية قبل العسكرية علىى مقدرات العالم ومستقبله ، ولذلك لا تتوقف الصين عن دعمها الغير مباشر لروسيا ضد الماسونية ، سواء بشراء النفط الروسي أو بإيقاف سلاسل الإمداد بالرقائق الأليكترونية بحجة تفشي فيروس كورونا في شنغهاي ، أو باستيلائها على جزر سليمان ونشر الأسطول الصيني في المحيط الهادي ، أو باستكمال الاتفاق مع السعودية وبعض الدول الكبرى والهامة على تحرير التجارة بينهم من سيطرة الدولار .

ولا شك أن من أكبر مكاسب العالم والتي تساوي أكبر خسارة للماسونية هو بداية التحرر من سيطرة الدولار على التجارة العالمية ، والتي بالفعل بدأت ولن تتراجع مرة أخرى مهما حدث ، وهو ما ينذر بشدة باقتراب انهيار الدولار وهو ما يعني ببساطة تفكك الولايات المتحدة الأمريكية ، لأن كثير من الولايات الأمريكية لا يربطها بالحكومة الفيدرالية الأمريكية سوى قوة الدولار الأمريكي ، والذي على أصبح على حافة السقوط بفقدان أكثر من 50% من قيمته في غضون شهور قليلة قادمة ، وحينها سوف ينفجر الوضع داخل أمريكا التي تطبع الدولار بدون أي رصيد ذهبي يحميه ، واعتماد قوته على كونه العملة الرئيسية للتجارة العالمية ، ومعظم الولايات الأمريكية خاصة في الجنوب تتمنى الاستقلال كدول منفصلة منذ عقود ، خاصة في ظل حكم الحزب الديموقراطي الحالي والذي فشل سياسيا واقتصاديا ، وعلى وشك توريط أمريكا في أكبر أزماتها التاريخية ، وذلك من خلال الحرب الدائرة في أوكرانيا والتي تضطر أمريكا لدعمها بكل ما تملك سياسيا وماديا وعسكريا بالمعدات والنظم والذخائر والميليشيات والمرتزقة على حساب الشعب والخزينة الأمريكية .

وعلى الجاني الأوروبي فالمشهد يزداد سوءا يوما بعد يوم ، فأوروبا ورغم كل ما تعلنه أمريكا وتدفع له بقوة للاستغناء عن النفط والغاز الروسي ، فعلى أرض الواقع ، لا تستطيع أوروبا الاستغناء عنهما مطلقا ، خاصة في ظل التضخم الذي ضرب كل دول أوروبا وبقيم غير مسبوقة تاريخيا ، وهو ما دفع شعوب الدول الأوربية للتظاهر وسوف يدفعها قريبا للثورة على حكامها المنقادين خلف أمريكا كالخراف إلى محرقة بوتين ، كما يقول كثير من الساسة والمحللون في الغرب ، بل وحتى أمريكا نفسها قد اتضح أنها تستورد النفط الروسي سرا بواسطة سفن لدول أخرى وتدفع بالروبل وبالذهب أحيانا ، وكذلك أكثر من نصف دول الاتحاد الأوروبي إن لم تكن معظمها ، أما بريطانيا فهي كقائدة للماسونية تمارس تنفيذ مخططاتها التاريخية بالحفاظ على زيادة اشتعال الصراع عن بعد ، ولكنها من المؤكد سوف تدفع الثمن غاليا فيما هو قادم ، خاصة وأن الصين وروسيا تعيان جيدا أبعاد المخطط ، بل وهناك نوايا مبيتة لدى مستعمرات بريطانية بعينها لإعلان استقلالها عن التاج البريطاني ، وكذلك كثير من المستعمرات الأفريقية قد بدأت في التخلص من سيطرة الأوربيين عليها ، واولها إلغاء مالي لمعاهدة التعاون مع فرنسا ، فالأوضاع الجارية هي أنسب الأحوال للاستقلال والتخلص من استعباد أوروبا ونهبها لثروات شعوب العالم خاصة أفريقيا .

أما عن الدول العربية والمسلمة في الشرق الأوسط ، فقد آن الآوان للتخلص من الهيمنة الغربية ، ولابد لها أن تنحاز وبقوة لما فيه مصالحها ومستقبلها ، ومن المؤكد ليس للجانب الغرب والأمريكي ، خاصة في ظل ما يبديه الرئيس الروسي بوتين من انحياز للمسلمين وتصديه للإساءة الأوربية لرسول الله ، ولذلك شهدنا لأول مرة في التاريخ ولي عهد السعودية يرفض الرد على مكالمات الرئيس الأمريكي ، والإهانات المتتالية لكل زائر أو مبعوث غربي كرئيس وزراء بريطانيا أو وزير خارجية أمريكا أو مدير المخابرات الأمريكية ، ثم الصفعة الكبرى بدعوة الرئيس الصيني لزيارة تاريخية للسعودية ، فضلا عما يدور في الكواليس العربية ، وما كشفته المخابرات المصرية من مخطط المخابرات الأمريكية لاغتيال ولي العهد السعودي ثم الرئيس المصري ثم العاهل الكويتي والإماراتي ، ولذلك من المستبعد عودة العلاقات العربية بالمعسكر الغربي لما كانت عليه مطلقا .

ولا عجب أن يفاجئنا تورط إسرائيل في الصراع الأوكراني ، بعدما اتضح تواجد جنرالات من إسرائيل مع بعض من القوات الخاصة الإسرائيلية تحارب ضمن القوات الأوكرانية وليس لحماية العاصمة الأوكرانية فقط ، بل ضمن كتيبة مرتزقة أوزوف التي تحمى مركز عمليات ومختبرات الناتو تحت أرض مصنع أزوفستال في ماريوبول ، ولذلك لا عجب أن يهاجم بوتين ووزير خارجيته إسرائيل بمنتهى القوة والحدة ، واتهامها بتزوير التاريخ ووصفهم بالنازية المتظرفة خاصة في عملياتهم داخل فلسطين كدولة محتلة تقتل وتهجر الشعب الفلسطيني وتستولي على أراضيه ، واستيلائهم على مرتفعات الجولان السوية ، وهو ما يفجر كل يوم حالات الهلع والرعب اليهودي من احتمالات انتصار روسيا ، والذي يعني انهيار الحماية الأمريكية والغربية مما يعني نهاية إسرائيل الحتمية .

أخيرا .. يتبقى لنا استعراض الموقف الروسي والصيني واستراتيجيته الحقيقية من الصراع الجاري ، خاصة بعد فشل العقوبات الغربية الأمريكية في هز اقتصاد روسيا كما هو مخطط ، وبالتالي احتمالات مستقبل تطورات الصراع في أوروبا والعالم ، وباالتالي مستقبل خريطة العالم في العقود القادمة ، وتأثيراته على مصر والشرق الأوسط ، ولكن دوما لا ننسى أنها قدور مقدرة ، فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
جمال عمر
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر