السياسة الدولية .. والضلال الفاجر (2) … بقلم : جمال عمر

استعرضنا من قبل بعضا من ممارسات السياسة بفجر الضلال البشري بواسطة أمريكا والغرب على معظم دول العالم أو بعض القوى الآسيوية على الأقليات ، وهو ما جعل من العالم منقسم لفئتين واضحتا المعالم ، فالفئة الأولى وتمثل فئة الصياد الفاجر بكل ما تحمل الكلمة من معان انعدام الضمير والشرف والأخلاق ، والفئة الثانية وتمثل الغالبية العظمى والتي تمثل الفريسة المستهدفة ، وبينهما بعض الدول التي تسعى لتجنيب نفسها السقوط وسط الفرائس بالمهادنة والخضوع وتمثيل دور المشجع والداعم لكل ما يفعله الصيادون من نهب ودمار ، والبعض سعيد باستخدام الصيادون له للإيقاع بغيرهم ، وهؤلاء ينتهي بهم الأمر فرائس رخيصة بعد أن ينتهي دورهم المرسوم لهم بواسطة الصياد ، وأمثال هؤلاء كثيرون خاصة في منظقتنا الإقليمية مثل قطر وتركيا وإيران .

ولكن إذا أردنا التمييز بين ما نراه ونسمعه وبين الحقائق المجردة ، فلابد أن نفهم كيف تدار السياسة الدولية منذ قرون بعيدة ، والتي لا يفهمها إلا القليل ، ويعجز عن فهمها بوضوح الغالبية العظمى من الشعوب خاصة الشباب محدودي الخبرة والفهم وضحايا الفكر السطحي ، وعبيد شبكات التواصل والفضائيات ، فالسياسة إذا أردنا تقسيمها لمستويات رئيسية ، فسوق نراها في أربعة مستويات أساسية بتفرعاتها المتباينة طبقا للزمان والمكان والأهداف ، وقد تختلط بعض المستويات ببعضها فتنتج مستويات فرعية يظن البعض أنها أصيلة أو رئيسية ، ثم يكتشف بعدها أنها لست إلا حالة زمانية مكانية مرتبطة بنوعيات بعض الأحداث .

المستوى الأول هو المستوى الأدنى للسياسة ، وهو ما نسميه بالمستوى الإعلامي المعلن ، وهذا هو مستوى (الهري) والذي لا عائد منه ولا فائدة ، إلا فيما هو مستهدف منه ، فهو مستوى كاذب بنسبة تزيد عن 90% مما يعرض فيه ، فكل ما يتم تداوله إعلاميا قد تم حسابه وتقديره كسيناريوهات سياسية محبوكة بما فيها من ردود أفعال سياسية وإعلامية وشعبية ، بل ومحسوب نتائجها التي سوف تؤدي إليها كل الأفعال وردود الأفعال المجتمعية والدولية ، وكل هذا في إطار الوصول للأهداف الحقيقية المخفية في المستوى الرابع أو الحقيقي ، ويستخدم كل من يتعامل مع هذا المستوى من عامة الشعوب استخداما مرسوما بدقة ، خاصة وأنه يعتمد على ردود الأفعال المجتمعية لرجل الشارع ، متفاعلين مع من يوجههم من الإعلام وشبكات التواصل ، ولعلنا قد جربنا الغرق في هذا المستوى مرارا وتكرارا ، مثل ممارسة ردود الأفعال والتفاعلات المختلفة في أزمات عديدة مثل مشكلة تيران وصنافير ، والتي ما زال هناك من يظن أنه كان يدافع عن حقوق شعب بوطنية وعلم وفهم لما يدور ، ولا يدري حتى اليوم أنه كان مستخدما باحترافية للوصول لهدف تكتيكي بعينه ، ولا يبقى له سوى أن نقول له .. “نشكركم على حسن الآداء” .

ومثال ربما يكون أكثر وضوحا ، مثل كم اللعنات التي استقبلها المشير طنطاوي (رحمه الله وغفر له) بسبب أنه سلم مصر لجماعة إرهابية في ظروف حالكة وخطيرة ، وعذرا لمن لعنه حينها ، فهو لم يكن يعرف أن المشير طنطاوي لم يكن يفعل سوى دوره المرسوم له بدقة ، في مخطط استعادة مصر لنفسها وكيانها المختطف بواسطة قوى الماسونية العالمية وبأيدي جماعاتها من تجار الدين ، وهو ما تم التخطيط له عبر قرون طويلة ، ثم فجأة أفشلت مصر كامل المخطط في تحقيق هدفه الأكبر والأخطر ، حتى أنهم لم يستطيعوا إخفاء فجيعتهم فيما خسروه على أيدي المصريين في يونيو 2013م ، ومثال آخر ربما يوضح استخدام الإعلام والبشر في المستوى الإعلامي بحرفية ، وهو موضوع سد النهضة ، والذي ما زال يحمل في طياته الكثير من الأسرار وهناك ما لا يجوز الحديث عنه علانية ، ولكن يكفي أن نذكر أن عامة المصريين ورجال الإعلام ووالسياسة كانوا ينادون بسرعة ضرب السد لإنهاء المشكلة ، ثم اتضح أن ضرب هذا السد  كان أسوأ ما كانت مصر سوف تتورط فيه لو حدث واستجابت مصر لعمليات دفعها لضربه ، لدرجة أن أمريكا والغرب قد صرحوا علنا بحق وضرورة ضرب مصر لسد النهضة ، “فتقاعصت مصر” كما قال البعض وأشاعت قنوات إخوان الماسونية ، وكما ردد هذا فئات كثيرة من عامة الناس عبر صفحات التواصل ووسائل الإعلام ، فهل حقيقة كان ضرب السد عملا صحيحا وفي صالح مصر ، أم كان مستنقعا مستهدفا من كل المتربصين بمصر ؟؟؟

أما المستوى الثاني للسياسة فهو ما نسمية بالمستوى الرسمي ، وفي هذا المستوى بالذات تكون الرؤى ضبابية إلى حد كبير ، ففي هذا المستوى هناك تعاملات الدول الرسمية والتي لا تخلو من بعض الوضوح فيما يمارس في الغرف المغلقة وغير مسموح إعلانه للعامة ، بل يتم صياغة ما سوف يتم إعلانه لوسائل الإعلام بدقة محسوبة ، وذلك من أجل تحقيق الأهداف الأكثر قيمة وأهمية ، حتى لو كان المعلن يخفي الحقيقة كاملة أو بعضا منها ، مثل عدم إعلان جنسيات وأعداد ضباط المخابرات الأجنبية الذين تم القبض عليهم في مراكز عمليات الإرهاب في سيناء خاصة في مركز العمليات الرئيسي لهم في جبل الحلال منذ سنوات ، وكيف تم إدارة هذا الملف تحديدا في حينه وما هي المكاسب التي حققتها مصر من إدارة هذا الملف بحرفية عالية ، تتعدى ردود الأفعال المباشرة والتلقائية الغير محسوبة ، ومثال آخر رأيناه في التحول المفاجيء للموقف الأمريكي الرسمي من سد النهضة بعد زيارة مدير المخابرات المصري ووزير الخارجية لأمريكا ، وبعد اجتماع مغلق ، قالوا عنه أنه قد تم تبادل وجهات النظر ، بينما تقول بعض المسربات أنه قد تم عرض تسجيلات كاملة لرجال المخابرات الأمريكية والإسرائيلية العاملين في وزارة الري الأثيوبية منذ سنوات ، وهو ما تم على أساسه التفاوض بوضوح ونتج عنه التصريحات الأمريكية التي لم تكن متوقعة أو مخططة .

أما المستوى الثالث فهو ما نسميه بالمستوى الاستراتيجي ، وهذا المستوى تكمن فيه الأهداف الاستراتيجية المتداولة فقط بين التحالفات وغير مسموح بتداولها خارج التحالفات ، مثل تقاسم نفط العراق بين أمريكا والدول الغربية ، وكيفية إدارته والسيطرة عليه ، والذي من أجله يمكن تقسيم العراق لكيانات بعينها تخدم عمليات اقتسام الثروة النفطية بين الدول المعنية مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ، ومنها سوف نلاحظ تنازل فرنسا عن كثير من حقوقها في النفط العراقي مقابل سكوت الغرب عما تفعله في نهب ثروات مالي من الماس ، حيث تعد فرنسا التي لا تملك في أراضيها منجما واحدا هي المصدر الأول للماس في العالم ، ولكنها تستولي عليه وتصدره من مناجم مالي ، التي تحرص على السيطرة عليها لأطول فترة ممكنة بكل الوسائل الممكنة والغير ممكنة ، ومثال آخر .. حدث مؤخرا عندما تدخلت أمريكا لتلغي استكمال صفقة الغواصات الفرنسية لاستراليا ، وما يعلن للعامة في هذا الموضوع قد يكون مخالفا تماما لحقيقة الموضوع وأهدافه الاستراتيجية ، والتي يتناولها المحللون الآن في العالم ، وفي هذا المستوى الاستراتيجي سوف ترى بعض المناوشات بين كيانات عظمى بعينها ، وأحداثا لها أهداف معلنة في المستويين الإعلامي والرسمي ، ولكن حقيقتها تعرفها من نتائجها اللاحقة ، مثل رحيل أمريكا عن أفغانستان ، والسقوط المفاجيء لأكبر شركات العقارات الصينية والتي اهتزت معها بورصات العالم .

وأخيرا يوجد ما نسميه بالمستوى الحقيقي أو السري ، وفيه تكمن الأهداف الحقيقية لكل ما يحدث في العالم منذ قرون طويلة مضت ، عندما سيطر النورانيون وتلاميذ الماسونية على دول أوروبا كاملة ، وتديرها وتوجهها لأهداف يسمونها عليا وسرية ، ويديرون الدول والكيانات وأجهزة مخابراتها لتحقيق أهدافها الكبرى والغير معلنة ، ولا نعرف عنها سوى بعض رجالها أمثال عائلة روتشيلد وروكفلر ، وهم فقط من يقبل بابا الفاتيكان أياديهم وأرجلهم خضوعا وتعظيما في كل مناسبة أو زيارة ، فهم من وضعوه في مكانه ، وهذا المستوى له اجتماعات سنوية سواء في بيلدربيرج الألمانية أو بوهيما الأمريكية أو أماكن أخرى سرية ، وغير مصرح بالتصوير ولا معرفة الحاضرين أو ما يدور داخل هذه الاجتماعات ، ولكنها اجتماعات لها أعلى درجات التأمين في العالم ، ويحضرها ملكة انجلترا وملوك أوروبا ويرأسها رئيس حكومة مالطة العسكرية ، وهي دولة بلا شعب أو أرض ومقرها روما ، وهي عضو في الأمم المتحدة ، ولها جيش صغير مكون من أفضل العسكريين من الدول الأوربية ، ولا تستطيع رصد ما يحدث حقيقة إلا لو تابعت العلاقات المتشابكة بين من يديرون الدول الغربية وأمريكا ، فتكتشف مثلا أن المستشارة الألمانية ميريكل ، ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة تريزا ماي ، ورئيسة ليتوانيا داليا سكايتي تجمعهما صورة واحدة يقال أنها في المدرسة الداخلية منذ عقود ، ثم تكتشف أن العائلة الحاكمة البريطانية من أصول ألمانية ، ةالأغرب أن كل من يحكم أو يتولى مناصب قيادية في أوروبا ينتمون لسلسلة عائلات “أنجلوساكسونية” مترابطة ، ويحدد من قبلها بعقود ، وكذلك جميع من حكموا أمريكا ينتمون لعائلة واحدة بما فيهم أوباما الأسود فهو ابن أخت بوش الأب ، وابن عمة بوش الإبن .

ولذلك لا نتعجب كثيرا عندما نجد اليوم كثير من القساوسة في أوروبا وأمريكا يصرخون بأن هناك مؤامرة كونية على كل البشر ، ثم يمتنع أكثر من 35% من الشعب الأمريكي عن تلقي اللقاح ، ويتم التعتيم الكامل على مظاهرات وانتفاض الشعوب في أوروبا ضد اللقاح ، وهو ما نراه في أسقاط جميع الاجراءات الاحترازية في مبارايات كرة القدم وغيرها منذ شهور ، ثم الاختلافات والاتهامات المتبادلة بين كبار المؤسسات الدوائية الدولية حول اللقاح وحقيقة فيروس كورونا ، مرورا بإعدام أمريكا لما يقرب 2 مليار جرعة من اللقاح ، وأخيرا .. لا تتعجب كثيرا عندما ترى مصر الدولة الإقليمية في الشرق الأوسط والتي كانت على حافة الحرب الأهلية والإفلاس والتقسيم منذ سنوات ، وهي اليوم ترسم خطوطا حمراء لا تستطيع أية دولة حتى ولو كانت عظمى أن تتجاوزها أو تناصر أية دولة أخرى لتجاوزها ، بل و تحصل “مصر” على كل ما تحلم به من منظومات التسليح الحديثة ، ولا تملك أمريكا مثلا سوى أن تلوح بأملها أن تراعي مصر بعضا من حقوق الإرهابيين المسجونين تحت مسمى “حقوق الإنسان” ، بتصريحات هم يعرفون كم سيكون الرد عليها موجعا لهم ، وهم معذورون أيضا فهؤلاء المساجين كانوا وما زالوا رجالهم الذين ربوهم بمهمة تخريب وتفكيك مصر لصالحهم ، واستمرار سجن هؤلاء دون تدخلهم ولو بتصريحات ، سوف يدمر مصداقيتهم كدول عظمى مع كل عملائهم حول العالم .

 

أخيرا .. تبقى تباينات وتداخلات مستويات السياسة في إطار هذه المستويات الأربعة (الإعلامية – الرسمية – الاستراتيجية – الحقيقية السرية) ، وتتداخل هذه المستويات حتى تكاد تختلط الأمور على الجميع ، ولكن دوما هناك أحداثا توضح وتترك علامات تدل عليها ، والتي قد تمر مرور الكرام على الغالبية العظمى خاصة الشباب ، كما يبقى لنا أن نستعرض بعضا أو ملامحا للأسباب التي جعلت من مصر هي الحصان الأسود في سباق الحضارة القادم ، ولماذا في هذا التوقيت تحديدا ، وما هو المنتظر خلال السنوات والعقود القادمة وهو ما سوف نستكمله لاحقا ..

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *