البشر .. وعشق الضلال … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
30 سبتمبر، 2021
اراء ومقالات, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, سياسة دولية واخبار العالم
1,030 زيارة

لا شك أن الإنسان يميل دوما للخروج من رتابة حياته الروتينية ولو للخيال ، وينقسم البشر في هذا لقسمين كبيرين ، الأول يجيد الخروج من رتابة واقعه إلى واقع آخر مؤقت أو افتراضي مليء بالمتعة والرفاهية يجد فيه بعض العزاء والتخلص من بعض الرتابة والملل ، ولا علاقة لهذا بالمستوى المادي ، فكثير من رجالنا ونساءنا وشبابنا يهرب من واقعه إلى المقاهي والكافيهات أو نوادي البلاي ستايشن ، أو حتى صفحات التواصل الاجتماعي ، حيث يجد فيها خلاصه من رتابة حياته ، أما القسم الثاني فهو عاشق للخيال والأساطير وما فوق الخيال ، وهذا القسم يمثله أكثر من نصف البشر ، وأبطاله غالبا من أصحاب الخيال الواسع والتحليق في عالم الغيبيات والغموض ، وعلى رأسهم الغالبية العظمى من المتدينين من مختلف الفئات المسيحية أو اليهودية أو المسلمة بمختلف فرقهم وجماعاتهم ، أو حتى الملاحدة وعابدي البقر والشمس والفئران والماء والصابئين ، ويضاف لهذه الفئة مجموعة ليست بالقليلة وأصحابها يعشقون الخرافات الخيالية في كل شيء .

وبعيدا عن التقسيم النوعي للبشر سوف نجد كم الأساطير في حياة البشر يتنامى بشكل غير طبيعي ، خاصة في السنوات الأخيرة بعدما انفجر في وجه البشر طوفان المعلومات اليومية التي تصل لمعظم البشر يوميا عبر السماوات المفتوحة ، ومن كل مكان في العالم ، مما يصيب العقل البشري بالصدمة والتوقف والاستسلام ثم الهروب بحثا عما يريح هذا العقل ولو قليلا بقصص وخرافات لا علاقة لها بالواقع أو طبيعة الحياة ، والأمثلة كثيرة ومفجعة ، فمثلا أفلام الأكشن والانيميشن والأبطال الأسطوريين ، ومنها لما هو شائع ومتفشي بيننا مثل صراعات تشجيع كرة القدم والتي لا يكسب منها المشجع شيئا ملموسا ، سوى بعض المتعة المتراكمة بفوز فريقه مع كثير من الإحباط والحزن لهزيمته مع إهدار مروع لوقته وجهده وفكره ، وما يستتبعه من الغرق في عالم خيالي بأحلام فوز فريقه ، والتي لا يناله منها شيئا حقيقيا إلا كثيرا من الانفعالات المستهلكة لطاقة الإنسان وقدراته ، ولا يختلف الغالبية العظمى من المتدينون كثيرا عن هذا النمط ، فهم يعيشون حالات من المظلومية والحزن على ضياع الدين وسقوط الأخلاق مع خصام متزايد مع واقع الحياة والدنيا ، وتستطيع أن تراهم مثلا .. بعد خطبة الجمعة من أحد الأئمة الذين يشعلون المسجد صراخا بالتهديد والوعيد ونيران الجحيم والويل والثبور وعظائم الأمور في الدنيا والآخرة .

ولذلك لا عجب أن بعض الجماعات والفرق الإرهابية (باسم الدين) تنجح في إقناع بعض الشباب بتفجير نفسه في عملية إرهابية ، وجميعهم موقنون أن ينصرون دين الله وجزاءهم هو الحور العين اللائي ينتظرونهم في محل التفجير ، وفي داخل المدارس الإسرائيلية ييربون الأطفال على الإيمان بأن اليهود هم فقط البشر ، وهم خاصة الله وأحبابه ، وباقي البشر ليسوا أكثر من حيونات خلقهم الله على صورة البشر ليكونوا عونا لبني إسرائيل ، بل ومن المخزي مثلا .. أن يتباهى المجتمع اليهودي بأن وزيرة الخارجية الإسرائيلية الملقبة بوزيرة الجنس ” تسيبي ليفني” كانت تجاهد بجسدها للسيطرة على نظرائها خاصة العرب ، انطلاقا من فتاوى الحاخامات بأن زنا اليهوديات مع غير اليهود لا يعتبر زنا في الشريعة اليهودية ، وليس هذا ببعيد عما يرضعه الصغار في الكنائس ، وقناعاتهم أنهم المسيحيين هم فقط عيال الرب وأحبابه ، وغيرهم لن يغفر له ، ومن لا يؤمن بإلوهية المسيح فهو كافر ولن يدخل الجنة مهما فعل ، ولا يختلف هذا كثيرا بين عابدي البقر والملاحدة ، ومن يرون الدين مجرد (أفيون الشعوب) ، فكل فئة من البشر ترى نفسها صاحبة الحظوة والفهم والتميز ، وما عداها هم أقل ولا يفهمون شيئا ، ومصيرهم مظلم ، بل وصل الحال بأننا نرى هذا واضحا في نفوس الأفراد ، فكثير من الناس يرى في نفسه الذات المنزهة والواعية وصاحبة الحق المطلق ، وكل ما سواه أغبياء أو حمقى ، أو أقل من مستوى استحقاقهم لحقوق مثل حقوق نفسه المتميزة ، وترى هذا واضحا في تغريدات وبوستات صفحات التواصل لكثير من الشباب والبنات والنساء ، بل تراه أكثر وضوحا لو تورطت في نقاش مع بعض الشباب فيفجعك أنهم يحولونه لجدال عقيم خلاصته أنهم رافضون لكل شيء حتى لأنفسهم أحيانا كنتيجة منطقية لتربية الضلال .

ولكن ما يحدث هذا ليس بغريبا مطلقا ولكنه استكمالا للعشق البشري لضلالات الهروب من الواقع ، فهو ميراث متراكم منذ بدء الخليقة ، وهو ما أدركه إبليس مبكرا ، فبعد طوفان نوح كان من الصعب أن تغوي بشرا للشرك أو الكفر بالله ، وهم ما زالوا في تبعات هلاك معظم البشر بسب كفرهم ، وهنا وجد إبليس ضالته المنشودة في دفع البشر للإتجاه الآخر ، وهو التصوف ، فأنشأ إبليس أول فرقة صوفية وسميت في حينها بصوفية الكبالا (القبالة) والتي ما زالت متفشية بمسمياتها المختلفة حتى اليوم ، ودرجاتها هي نفسها درجات الفرق الصوفية إلى يومنا هذا ، بداية من التفكر في الذات العليا لله ، وهو عين الكفر ، ثم الدرجة الأعلى بالذوبان في الذات العليا لله ، ثم الدرجة الثالثة والتي لا تصل إليها إلا بتجلى الذات العليا لله ، فتختار أحد المتصوفين المخلصين ليكون وكيله على الأرض ، وهذا تحديدا ما يتمتع به مشايخ الطرق الصوفية أصحاب العهد الموروث إلى يومنا هذا ، ولم تقتصر الصوفية على المسلمين لأنهم توارثوها عبر الرسالات السابقة لهم (اليهودية – المسيحية ) مع اختلاف المسميات ، وفي الصوفية بكل فرقها اليهودية أو المسيحية أو المسلمة تسمع أساطيرا تفوق الخيال وتتجاوز عنان سماوات الفجر البشري إلى خيالات شياطين الإنس والجن ، فتسمع أن أحدهم قال لأتباعه ما تحت الجبة إلا الله (يقصد نفسه) ، ويتعلل أتباعه بأن الله قد حل في جسده ، وترى أحد قادة الإخوان يقول وهو مريض (اللهم اقبضني إخوانيا واحشرني في زمرة الإخوان) ، والشيعة يحتفلون بمقتل الحسين بطقوس دموية يرفضها العقل والمنطق ، وفي المسيحية استطاعوا أن ينشروا أسطورة لا علاقة لها بالمنطق ولا العقل ، ولم تذكرها التوراة ولا الإنجيل ، وتمثلت في أكذوبة كبرى وهي .. (أن الله بجلاله وقدرته عندما أراد أن يغفر خطيئة آدم الأولى التي حملها لكل أبناء آدم من بعده ، قرر أن يتخذ لنفسه ولدا من أنثى بشرية ، ثم يضحى بهذا الإبن الوحيد ليقتله نفس البشر الخطاءون ، فيكون ذلك تكفيرا لذنوب البشر الذين يتحملون خطيئة آدم الكبرى) ، وهي أسطورة ضلالية مهينة لكل معان الألوهية والربوبية ولا يقبلها بشر على نفسه ، فكيف بالله رب العالمين ، الذي خلق الكون وما فيه بكلمة ، ولكنه في “خيالهم المريض” لم يستطع أن يغفر بكلمة فقرر أن يغفر للبشر خطيئتهم بالسماح لهم بارتكاب خطيئة أفظع منها .

ولا فارق بين مسلم ومسيحي ويهودي وملحد أو مشرك ، ولا أبيض ولا أسود ولا أصفر ، ولا رجلا ولا امرأة ، فجميعهم بشر يعشقون بهتان نفوسهم وضلالات الأساطير ، أما أبسط بهتان نفوسهم فكل إنسان منا يعلم يقينا أنه لم يكن له اختيار في والديه ولا بيئته ولا جسده ولا يوم مولده ولا يوم وفاته ولا دينه وملته التي يتبعها ، ومع ذلك يتعصبون ويكرهون ويعادون من يخالفهم الملة والدين والمعتقدات ، وأما عشق ضلالات الأساطير فقد بلغت مداه لدى المسلمين ، عندما نكتشف أن أسطورة آلهة الخصوبة “عشتاروت” الرومانية التي دفنت عشيقها الإنسي حيا لخيانته لها مع إنسية وسلطت عليه الثعبان الشجاع الأقرع ليلدغه إلى يوم الحساب ، قد انتقلت بتفاصيلها للمعتقدات المسلمة ، ليصبح الثعبان الشجاع الأقرع هو نفسه من يلدغ المسلمين الذين أهملوا الصلاة في قبورهم ، ومنها نشأت فكرة نعيم القبور وعذاب القبور وحياة القبور ، رغم أن الله لم يذكر هذا مطلقا في كتابه العزيز ، بل على العكس أوضح عكس ذلك تماما ، وشرح تفصيليا ما سوف يحدث للنفوس بعد أن تذوق الموت ، وأوضح في أكثر من ثلاثمائة آية في القرآن العظيم ، أن أصل الإنسان هو (النفس) ، وأكد أن النفس لا تموت ، ولكنها تذوق آلام خروج الروح من الجسد ، وأن النفس لا علاقة لها بالجسد ولا الروح ، إلا أن النفس تستخدم الجسد الحي (فيه روح) إلى أجل مسمى (مؤقت) ، فإذا فقد الجسد الروح التي تحييه فإنه يموت ويتحلل إلى تراب ، وبموت الجسد تفقد النفس وسيلة التعامل مع الحياة ، ويتوفى الله النفس من أجل إعادة إنشائها في نشأة أخرى ، مماثلة للتي خرج منها ، ولكن بمعطيات مختلفة ، وذلك لاختباره باختبارات أخرى مختلفة بمعطيات مختلفة .

ولكن المسلمون في كتبهم وتفسيراتهم المتعاقبة تجاهلوا تماما ما صرح به الله في قرآنه العظيم واتبعوا أساطير ابتدعوها ، وادعوا لها أكاذيبا ومؤيدات من أحاديث وروايات ، وصنعوا منها ضلالات مقدسة مليئة بالأساطير ، أساسها حياة القبور ونعيمها وعذابها ، ولست أدري من أين أتوا بضلالات عذاب القبر ونعيمه وهي لم تكن معروفة في الرسالات التي سبقتهم والتي من المفروض أن رئالتهم مكملة لهذه الرسالات وصولا لدين الله الواحد، فلا وجود ولا اعتقاد في الديانة المسيحية بعذاب القبر ، فالعذاب الفعلي الحقيقي يكون بعد القيامة والدينونة العامة (إنجيل يوحنا 5: 28,29)، وأن روح انسان تنتقل مؤقتا إلى الجحيم إذا كان الميت من الأشرار ، أما إذا كان الميت من الأبرار فان روحه تنتقل للفردوس ، وينبغي هنا التمييز بين الجحيم وجهنم ، أما اليهودية أصحاب التوراة التشريع الأكبر قبل القرآن العظيم ، فلم يذكر “عذاب القبر”, أو “ضربات القبر” كما يدعي البعض , في “العهد القديم”, المصدر الأول للتشريع في اليهودية , ولا في المصدرين الآخرين ؛ المِشنَا والتلمود ، ولم يذكر عن أي نبي أو رسول أنه تحدث أو أشار أو لمح لعذاب القبر مطلقا في أي رسالة سماوية .

و هكذا .. بالاستسلام لضلالات النفوس وإغلاق العقول والأفهام ، ينتقل ابن آدم سريعا لمرحلة التعصب للدين والجنس والعرق وغيرها من معطياته ، وكأن ابن آدم قد اختار شيئا منها ، فيتآمر النورانيون على العالم أجمع منذ قرون طويلة مضت ، ويتآمر اليهود على كل من هم ليسوا يهودا ، ويتعصب المسيحييون على كل من يخالفهم دينهم ، ويتعصب المسلمون ضد كل من هو ليس مسلما ، بل وتتعصب الفرق والجماعات المسلمة ضد كل مسلم لا ينتمي لفرقهم وجماعاتهم ، فتتحول الدنيا لغابة ، ورغم ما يدعونه في العلن من حقوق الإنسان والرقي الإنساني والحريات والديموقراطية خاصة في الغرب وأمريكا ، فإننا نكتشف أن كل هذا مجرد دخان للتمويه وإخفاء الحقائق ، ومجرد هراء إعلامي يستخدمونه ضد من يضمرون له العداء ويتآمرون عليه ، فقمة احتقار النساء واستخدامهن أسوأ استخدام هو في الغرب وأمريكا وبعض أمم آسيا ، وقمة احتقار قيم الحياة والإنسانية هي في الغرب وأمريكا وآسيا ضد كل من يخالفهم أو يرونه تهديدا لهم ، وليس معتقل جونتنامو ببعيد ولا أغلق أبوابه ، وتدمير أفغانستان وتحويلها لمزرعة مخدرات وتدمير ونهب العراق وسوريا وليبيا حتى بلغ عدد القتلى والضحايا في عشر سنوات أكثر من عشرة ملايين شخص بخلاف أضعافهم من المشردين باسم الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان .

وينسى ابن آدم دوما أن ما تزرعه يداه سوف يجنيه هو وأبناءه من بعده ، فلا تدري قوى الماسونية التي تدير العالم اليوم كما يظنون أن الجماعات والإرهابية التي تربيها أمريكا والغرب في الشرق لابد وأن يذوقوا مرارها قريبا في بلادهم وبأيدي أبناءهم ، والذين ربوهم على التعصب والكذب والخيانة والتآمر ، ولابد سيمارسونه ضد أنفسهم ، ولذلك لا تتعجب عندما تجد أن جرائم الاغتصاب والقتل والسرقة في أمريكا والغرب قد قفزت في السنوات الأخيرة بعد اجتياح أفغانستان والشرق الأوسط بأكثر من عشرة أضعاف معدلاتها السابقة ، ولا تتعجب عندما ترى الشباب في البلاد المسلمة يهرب من كل ما يردده رجال الدين ويرفضون منطقهم وما يقولونه جملة وتفصيلا ، فالعقول لم تعد تقبل بتصديق الضلالات المقدسة ، وهو ما ينذر بكثير من الشرور وتفشي الإلحاد والكفر بين فئات بعينها ، كمرحلة انتقالية للوصول للحقائق ، ولا عجب فالضلال لا أساس له ولا مستقبل له بين البشر ، وما نزرعه نجنيه دوما ، وابن آدم يزرع هلاكه بيديه كنتيجة منطقية لضلالات نفسه وعشقه لخيالات البهتان والزور ، وظنه أنه يستطيع أن يجد سعادته بعيدا عن ناموس الخالق العظيم ، الذي خلق ويعلم ضعف الإنسان ، فوضع له كتالوج استخدامه لنفسه ، ووضع له في نفسه وجسده محددات حقيقية تدمر النفس والجسد ذاتيا لو خالف كتالوج الخالق العظيم في حركة حياته وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر