السعادة في رمضان .. (4) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
3 أبريل، 2024
اراء ومقالات, الأسرة والمجتمع, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
433 زيارة

كل عام وكل البشر على الآرض بكل الخير والصحة والسعادة ، فنحن مقبلين على أيام أعياد مباركات على الجميع مسلمين ومسيحيين في أرجاء المعمورة ، أعاد الله أيامه علينا بالأمن والسلام واليمن البركات ، ولكن سامحوني فالنفس لا تستطيع أن تتجاهل أشجانها بداية من تجاوز أيام رمضان لما بعد منتصف الشهر ، وهرولة ما تبقى من الشهر الكريم راحلا بلا هوادة ، فرمضان كما أكرر دوما شهر بركات وصدقات ونفحات ، وتراحم وتقارب ولقاءات ، وهذا العام تحديدا تلتقي فيه كل تراحيل الشتاء وبشائر الربيع ومن الصيف نسمات ، ولا ندعي خيالا فحقا في رمضان .. تسلسل الشياطين ، وتغل أيدي المتعاملين معهم والسحرة ويصابون بالعجز والعطلة ، فتغرد النفوس قبل الطيور طربا لروعة الأمان الكوني الذي لا يستطيع إنكاره مخلوق ، وشهر رمضان هو بحق يمثل للمسلمين التحدي الأكبر ، كأهم وأكبر امتحان للضمير الإنساني والإرادة البشرية في إخلاص العمل والصيام والقيام ، والحرص على فعل الخيرات ، وتنقية النفس من أخطائها الكثيرة التي علقت بها خلال عام سابق .

وفضلا عن رائحة أو بمعنى أدق “عبق رمضان” التي تملأ الشوارع والحواري والدروب والبيوت منذ الأسبوع الأخير من شعبان وحتى نهاية رمضان ، فعادة ما يحمل رمضان معه ذكريات لما كانت عليه أيام رمضان فيما مضى من السنوات والعقود ، وعادة ما تحن النفوس لعبق ذكرياته من الماضي ، والتي تحمل في طياتها أشجانا لا تخلو من بعض الأحزان ، وأشواق لنفوس اعتدنا أنسها واليوم قد فارقتنا ، خاصة عندما تغشانا ذكريات الأيام الأخيرة من رمضان ، والسعي الدءوب لإدراك ليلة القدر عاما بعد عام ، متزامنا مع ذكريات احتفالات البيوت بكحك العيد ، والتي مازالت طقوسا مقدسة في معظم بيوت مصر ، بعيد عن المتفرنجين بسذاجة وخيابة ، وكذلك بعض سكان الأبراج وأجيال الكمبوندات ، الذين لا يعرفون مهرجان كحك العيد ، والذي قبل شيء هو مهرجان تنمية المهارات الشخصية لكل الأطفال ، وأحيانا يكون المهرجان إيذانا بانتقال بعض الأبناء من مرحلة الطفولة إلى مراحل الصبا والشباب .

فمهرجان كحك العيد ، هو تلك المناسبة التي تنتظرها البيوت بنساءها وأطفالها طوال السنة ، حيث تختتم به الأيام الأخيرة من شهر رمضان ، فتستهل البيوت الأسبوع الأخير بسهرات تبدأ من بعد الإفطار وحتى آذان الفجر ، وتتزاحم الصيجان السوداء ، سواء المملوكة للأسرة أو المؤجرة من فرن الفينو ، وتكثر المشاجرات بين الأبناء على من يشارك في رسم الكحك ودوران ماكينة البسكوت والبيتي فور ، ثم صراعات أدوار رحلات تسوية الصيجان في الفرن ، إن لم تكن الأسرة تملك فرنها الخاص ، وتتزعم الأم الكبيرة (الجدة) عمليات الإشراف والتنظيم لصناعة العجين ، مع التدخل العاجل في المهام الأهم ، ولكل نوع من الكحك والبسكوت والبيتي فور والفايش والمنين عجينته الخاصة ، ناهيك عن أنواع البسكوت السادة أو المركبة أو بجوز الهند ، والناعم والطري أو الخشن للخزين ، وكذلك أنواع الكحك الكلاسيكي أو بالملبن أو بالعجوة أو بجوز الهند أو بالمكسرات ، وحدث ولا حرج عن نوعيات البيتي الفور ، والذي ظهر مؤخرا فيما بعد انتهاء الستينات وبداية السبعينات ، ولا تحدثني عن الخمسينات من القرن الماضي ، فتلك أيام قد يراها أبناؤنا تنتمي للعصر الحجري وما قبل التاريخ ، فالتاريخ لديهم يبدأ كما تغني حفيدتي ، في عيد ميلاد “سبونشي بوب” ، وكان ولدي يراه يبدأ في عيد ميلاد “بوجي وطمطم” ، وكنا نراه من قبلهم عند اختراع الراديو ، خاصة وأنت تركب سحابات خيالك ، لتستمتع ببرنامج أحسن القصص في سحور رمضان .

وبعيدا عن التحيز والعشق لرمضان ، يجب أن لا نتجاهل أن رمضان علميا هو موسم الرضا والسعادة السنوي ، فهو موسم الهدوء النفسي الذي يسود أيامه ولياليه ، وذلك كنيجة مباشرة لارتفاع معدلات العطاء دون انتظار المقابل بين الناس ، أو هكذا عودنا والدينا وأهلينا وبيئتنا التي نشأنا فيها ، فرمضان كان وما زال أهم أسباب تدفق هرمونات السعادة (السيروتونين – الأوكسيتوسين) في أجساد كل من يصوم طاعة وخضوعا لله ، ويحرص على الصدقات والفعل الخيرات ومساعدة الناس طمعا في رضا الله ، ورغم انخفاض معدلات المتع نتيجة الصيام عن الشهوات (الأتدروفين – الدوبامين) ، إلا أن تجهيز الإفطار ولمة العائلة وفرحتها بالإفطار سويا كان وما زال يفجر هرمونات السعادة في النفوس والأجساد ، وناهيك عن العودة التدريجية لرفع معدلات خلق الحياء ، حيث تعتاد النفس الخجل من ارتكاب المحرمات وهي صائمة ، لأن من لا يستحي من ارتكاب المحرمات وهو صائم فلا فائدة لصومه ، ويصبح كما يقول رسول الله ، رب صائما حظه من صيامه الجوع والعطش ، ولن يشعر بالسعادة مطلقا مع حرمانه من المتع ، فيكون رمضان شديدا ومرهقا له وعليه ، ولا شك سوف تجد ذلك الإنسان في رمضان سيء الخلق فظا في التعامل مع غيره بحجة الصيام ، نعم يحدث الصيام عدم اتزان في هرمونات بعينها ، خاصة لمن اعتادوا على مشروبات بعينها كالقهوة والشاي ، ولكن هذا يعود لاتزانه في خلال أيام قليلة من بداية الشهر .

ولن يكون الإنسان سعيدا أبدا ، إن لم يجد الطمأنينة والسكون والرضا في بيته ، ولكن السعادة في البيوت لا تأتيك فيجب أن تنتظرها ، فسعادة النفوس يصنعها أهل البيوت ، ويتحمل مسئوليتها المتدرجة كل من يحيا في البيت من الأكبر للأصغر ، فالأب الفاشل في صناعة السعادة هو السبب الرئيسي لنقص السعادة في بيته ، ولاشك أننا في زمننا المعاصر أصبحنا ضحايا لأخطاء كثيرة عبر نشأتنا ، مما يسبب كثيرا من مشكلات وربما معضلات بيننا وبين أهل بيوتنا ، لأننا نسينا أو تناسينا أنواع محددة من الأخلاق ، والتي باختفائها من حياتنا تحولنا إلى أشباه بشر ، وأول هذه الأخلاق ، هو جبر الخواطر التي سقطت سهوا في كثير من بيوتنا ، فلا الرجل علمته أمه معنى جبر الخواطر ، وبالتالي هو لا يعرف سوى الانتقاد والتربص بزوجته وربما أولاده ، ولا الزوجة علمتها أمها معنى جبر الخواطر ، وحسن التغافل ، فهي أفعى جرسية متربصة مراقبة متابعة ، أو كأنها أنثى العنكبوت في موسم التزاوج تنسج خيوط الإيقاع بالمخطئين في البيت ، وعلى رأسهم ذلك المخلوق المتنطع بذكوريته دون وجه حق ، فقط لأن جبر الخواطر والذي هو في أبسط صورة (مراضاة الآخرين) وحسن التغافل والذي نعرفه بمقولة (تكبر دماغك) قد سقطا من قاموس الأخلاق الأسرية .

ثم نقف إجلالا وتعظيما لمالك الملك وفاطر الخلق وهو يعلمنا أهم دعائم الحفاظ على استقرار البيوت ، خاصة عند المنعطفات والمشاكل والمواقف الحادة في البيوت ، والتي تكون سببا في تفكك الأسر ، وهدم البيوت وتشريد الكبار قبل الأطفال ، حيث يقول سبحانه .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }التغابن14، وهنا يحذرنا سبحانه بأننا قد نكتشف أن الزوجة والأولاد قد أصبحوا أعداء في مواقف معينة ومتكررة في حركة الحياة ، فيوصينا الله بالحذر منهم ، ثم يشرح لنا سبحانه ماذا نحن فاعلون حينها ، وحينها هم في موقف العداء ، فبعد الحذر منهم ، أولا .. لابد أن نعفوا .. نتنازل ونترفع عن عقوبة المخطيء مراعاة للود والرحمة بيننا ، وثانيا .. فلابد أن نصفح .. بمعنى أن نتناسى تماما ما حدث وكأنه لم يحدث (نفتح صفحة جديدة) ، وثالثا .. أن نغفر للمخطيء خطأه .. فلا نذكر الخطأ بعدها أبدا ، ولا نعايره به مطلقا ، ولكن لماذا نفعل هذا ونتحمل أعباءه ، وهنا يعدك ربك سبحانه أنك لو فعلت هذا فسوف يكون ربك غفورا رحيما معك في الدنيا والآخرة ، وهنا تأكيدا لقانون الله في محاسبة عباده ، وشرطيه للمغفرة لعباده المذكورين في سورة النور بقوله تعالى .. { .. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }النور22 ، فالله قد جعل غفرانه لذنوب عباده مشروطا بعفوهم وصفحهم عمن يخطيء في حقهم ، فما بالنا بمن هم أهلينا وذوينا .

فلا شك .. أن رمضان هو شهر السعادة ، لأننا نتراحم فيه كما لم نتراحم من قبله ، وفيه تكثر الزكاة والصدقات ، وتفتح فيه البيوت لضيوفها ، وتطعم المساكين وتسد حاجة الفقراء ، وتقضي حاجات الناس وتعالج مرضاهم ، وترحم فقراءهم ، ويعان ضعافهم ، ولاشك أننا مختلفون وأن الله يرزق كل إنسان بواجباته ومهمته في الدنيا على قدر معطياته النفسية والشخصية التي خلقها الله فيه ، وهو ما يسمح لنا أن نقول مثلا .. ، أن لكل منا أكواده المختلفة في تفاعلاته النفسية مع حركة الحياة ، وهو ببساطة ما يعطي للنفوس مظاهر ومعان التنوع والاختلاف ، فيمنح الحياة رونقا جميلا مبنيا على التنوع والتباين والتوافق والتزامن ، بل وأحيانا التضاد والصدام والشجار ثم التوافق واستكمال حركة الحياة ، فكل ما يحدث في حركة الحياة ليس إلا سيمفونية ربانية مقدسة تعزفها أوركسترا مخلوقات الله على أوتار الزمن ، لتردد أرق وأعذب وأشجى مقاطع السيمفونية الربانية في شهر النفحات الربانية “رمضان”، فتستمتع ثم تسعد وتطرب لها النفوس المؤمنة والنفوس التقية الشجية ، فكل عام وكل البشر بكل الخير والصحة والسعادة ، وأعاد الله علينا جميعا أيامه باليمن والبركات … (والله لسة بدري يا شهر الصيام) …
جمال عمر