رمضان كريم ، وكل عام وكل البشر على الأرض بخير وصحة وسعادة ، فرمضان جعله الله خيرا على الناس جميعا وليس فقط على المسلمين “كما يدعي تجار الدين” ، فكل خلق الله عياله ويحبهم سواسية ، ويحاسب كل منهم على قدر معطياته في الدنيا ، وما أمرنا الله إلا أن نتسابق في الخيرات ، وأن نسعى جميعا لتحقيق السعادة ، ولذلك سوف تجد من يقول لك ، أن الإنسان مخلوق باحث عن السعادة ، وتلك عبارة ممتعة وربما تلقى رواجا في نفوس كثير من البشر ، ولكنها عبارة خداعة في كل معانيها ، لأسباب بسيطة ، أولها .. أنك لو بحثت عن السعادة خارج نفسك فلن تجدها ، فالسعادة تبدأ وتنتهي في نفسك وحدك ، فلا تبحث عنها عند غيرك ، وثانيا .. أن كلمة السعادة نفسها لفظ نسبي وغير مطلق ، فكثير منا يرى السعادة في طرف آخر يستمتع معه فيذوق معان المتعة والهناء والرضا والاكتفاء ، وكثيرون يرون السعادة في الغنى والثراء ، وآخرون يرونها في العزوة والآولاد والأهل ، ومعظمنا يراها في بعض من كل شيء ، ومع ذلك فالسعادة في كل نفس بشرية تختلف في قدورها عن غيرها اختلافا جذريا ، حتى أن البعض قد يجد سعادته في لحظة صفاء مع النفس يرضى فيها بكل معطيات الحياة ، والتي ربما لا يملك منها شيئا ، ولكنه يراها في بسمة طفل أو نظرة شكر أو ضحكة بريئة .

عند هذا الحد ، فقد تفرق دم السعادة بين المعاني والكلمات ، ولا تعريف حقيقي للسعادة يمكن لإنسان أن يعتبره مطلقا يصلح لكل البشر ، إلا أن السعادة الحقيقية دوما لها شروط ، وشروطها الأساسية لا تأتي من خارج النفس الباحثة عن السعادة ولكنها شروط يجب أن تتوافر داخل النفوس ، وانعدام الفرصة لتوافر هذه الشروط هو ما يجعل رحلة البحث عن السعادة شاقة وفاشلة من قبل أن تبدأ ، والتي تبدأ حقيقة في السنوات الأولى لعمر الإنسان بين يدي أمه أو من يربيه ، وتلك هي المعضلة ، فإيجاد السعادة يتعلمها الإنسان في طفولته ، ومن الصعب أن يتعلمها بعد نضوجه وتحمله مسئولية حياته ، حيث يزداد الأمر صعوبة إذا تحمل مسئولية أخرى بشريك حياة وأبناء ، فالفاشل في الحصول على السعادة وحيدا لن يستطيع إيجادها وقنصها مع الآخرين خاصة وهو يزداد حملا يوما بعد يوم ، بل ستتحول رحلة البحث عن السعادة إلى رحلة البحث عن التعاسة والاكتئاب ، لأنه يبحث عن شيء في غير مكانه خارج نفسه ، التي اعتادت قتل السعادة والبكاء على فقدها ، ولكن إذا عرفت حقا حقيقة السعادة ومصادرها ، فسيصبح الأمر جميلا ورائعا ، وستعتاد الحصول عليها وممارسة طقوسها بتلقائية ، فتتحول حياتك لسيمفونية سعادة مليئة بالرضا والهناء وكذلك زاخرة بالمتناقضات والمتاعب المقبولة والمولدة للسعادة أيضا ، ولكن السعادة تتطلب شروطا نفسية أساسية والتي تعتبر الطاقة اللازمة لمصانع السعادة في نفسك لتعمل بكفاءة وهي “التقدير والصبر والرضا” .

فالشرط الأول لإدراك السعادة هو قدرتك على تقدير ثمن السعادة ودفعه مقدما ، “فكل شيء له ثمنه” ، ولا شيء في الحياة بلا مقابل ، فإذا أردت أن تحيا سعيدا فلابد وأن تبذل الجهد لإسعاد غيرك ، وهذا لن يكون إلا إذا تعلمته صغيرا في سنوات عمرك الأولى ، عندما كنت بريئا عفويا ، تحيا بساطة متطلباتك من الحياة ، خاصة لو كنت من أسرة محدودة الدخل أو فقيرة تعرف معان الكد والكدح ، بخلاف الطفل المدلل في أسرة ميسورة الحال ، والذي اعتاد أن يأخذ كل ما تتمناه نفسه ، ولايرى أحدا بجانبه يستحق شيئا سواه ، فاعتاد أن يفعل ما يحلو ، دون حدود أو قيود ، ولذلك لن يصبح يوما قادرا على الوصول للسعادة مطلقا ، لأنه تربى على مخالفة أول قوانين “ناموس” الكون ، وهو أنه “لا شيء بلا مقابل” ، ولا فعل بدون رد فعل ، فهو اعتاد زورا أن يأخذ دون مقابل ، فهو لم يتعود يدفع مقدم السعادة لأحد ولا أن يتعب نفسه للبحث عما يسعد غيره ، وبالتالي فلن تتولد أو تنمو داخله أية قدرة على إيجاد السعادة مطلقا.

الشرط الثاني للسعادة من ناموس الكون يتمثل في الصبر على متاعب الدنيا برضا وتفاؤل ، وهذا يتطلب الإيمان المطلق بصدق المقولة “لا راحة في الدنيا” ، وهي مقولة صادقة ويؤكد أصحاب التراث أنها أحد ثلاثة نواميس مكتوبة على ساق عرش الرحمن ( لا راحة في الدنيا – لا حيلة في الرزق – لا شفاعة في الموت) ، والأولى عبارة حقيقية حتى من واقع فطرة خلق نفوسنا وأجسادنا ، فالطفل المدلل الذي لا يكلف بأي مجهود بدني ينشأ شابا كسولا جسده ضعيف ، في حين سترى أصحاب الأجساد القوية هم فقط من تتعب أجسادهم وتتحمل المشقة بنفوس راضية ومتحمسة ، وكذلك النفوس التي اعتادت الحياة السهلة لن تستطيع تحمل مشاق الحياة ، وسوف تكون أكثر النفوس حزنا واكتئابا وأسرع يأسا ، ولذلك سوف تجد أكثر الناس سعادة ورضا وقدرة على ممارسة الحياة بسعادة أكثرهم تحملا للمشاق النفسية والجسدية ، ولكنك أيضا سوف تجد هؤلاء هم أكثر الناس التزاما بالحدود والقيود ، فقناعتك مبكرا أنه لا راحة في الدنيا ، سيغنيك عن تكرار الشكوى والحزن من متاعب الدنيا ، فالمتاعب لابد منها ، وحياتك ستستمر بمتاعبها شئت أم أبيت ، وبالتالي تبدأ سعادتك الحقيقية عندما تستطيع التمتع بمشاق الحياة وتفاصيل متاعبها ، تماما مثلما يحول المصريون جميع عيوبهم ومشاكلهم إلى نكات يسخرون منها ومن أنفسهم ، وهو ربما شرط صعب على الكثيرين ، ولكنه الحقيقة المؤكدة .

الشرط الثالث للسعادة هو الرضا والقناعة النفسية ، وهو شرط نسبي يتفاوت بين الأشخاص والمجتمعات والمستويات ولكنه في النهاية هو شرط أساسي للقدرة على إيجاد السعادة واستمرارها ، فالنفوس المتنطعة والصعب إرضائها ، لا تجد السعادة مطلقا مهما ادعت أو حتى كذبت على نفسها ، فالاكتفاء والقناعة يعد من أهم شروط الإحساس بالسعادة ، تماما مثل زوج يرى في زوجته كل ما يرضيه ويكفيه ، وآخر دوما يتقلب بين النساء باحثا عن ألوان وأنواع تستهويه حتى يمل منها فيبحث عن غيرها ، فهو لا يكتفي مطلقا بما لديه ، ولا عجب أن نكتشف أنه هو نفسه ذلك الطفل المدلل الذي اعتاد أن يأخذ ما يريد متى يريد ، وبالتالي فقد قدرته على إسعاد غيره ونفسه منذ نعومة أظافره ، ثم فقد قدرته على القناعة والرضا بما قسم الله له ، فمثله لابد وأن يشقى عمره كله .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
