أهلا رمضان … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
21 مارس، 2023
اراء ومقالات, الأسرة والمجتمع, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
535 زيارة

ساعات قليلة ويبدأ رمضان … وما أدراك ما رمضان .. خاصة لدى كبار السن أمثالنا .. والذين عاشوا رمضان بمختلف صوره بداية من البساطة وحدود الكفاف مرورا بالكفاية ثم الرفاهية إلى الاكتفاء ، من فانوس رمضان الذي كنا نصنعه بأيدينا من علب الصلصة أو المربى الفارغة ، إلى الفانوس العبقري من دكان الاسطى لملوم السمكري بزجاجه الملون ، ولا يزعجك فيه سوى نيران شمعته التي تلسعك فتقذف به بعيدا فيتحول لأشلاء ، فتبكيه حزينا باقي أيام رمضان ، وهو أيضا رمضان الذي أذكر واجباتي اليومية فيه ما بين المدرسة صباحا ، ثم متسوقا لشراء طلبات المنزل طبقا لتعليمات الوالدة رحمها الله ، منتقلا إلى سطح بيتنا الكبير ، لتجهيز الفرن لاستقبال صواني الإفطار اليومية ، مرورا بالراديو وما أدراك ما هو الراديو الموبيليا الموروث عن جدي ، والذي لابد من تشغيله قبل المغرب بساعة على الأقل ، حتى ندرك قرآن المغرب ثم الآذان ، وبعدها الفوازير المسموعة بصوت آمال فهمي ، ثم ألف ليلة وليلة وصوت زوزو حمدي الحكيم وهو يقول “مولاي” ، ثم آذان العشاء وصلاة التراويح ثم قرآن الثامنة ونشرة الثامنة والنصف ، ، والمسحراتي وبرامج السهرة والتي تختتم بحلقات “أحسن القصص” على السحور ، ثم قرآن الفجر وآذانه ، فقد للراديو قيمة عظيمة في حياة كثير من الناس .

رمضان .. وما أدراك ما رمضان ، ولا أقول ما اعتدنا قوله ، بأنها كانت أوقات الزمن الجميل ، وهذا الجو من الصعبنيات البشرية المعتادة ، بل إن الحقيقة تؤكد أنها كانت أياما صعبة وشديدة بكل مشاكلها ، ومصاعبها نظرا لبدائية ألوان الحياة فيها ، بلا أية كماليات مثل التي نرتع فيها اليوم ، ولكن مقارنة بسيطة بينها وبين أيامنا هذه تؤكد لكل عاقل ، أن لكل زمن جماله وقبحه ، مميزاته وعيوبه ، ومن مميزات البساطة والحياة حينها أن قدراتنا على التحمل والتعامل مع مصاعب ذلك الزمان كانت مرتفعة ، بما فيها من متع الشعور بالقدرة وتزايد الإمكانيات الشخصية يوما بعد يوم ، بينما نرى اليوم شبابا فاقدا للقدرة على تحمل حتى مشكلات بيوتهم ، ومشتتين ومصابين بالملل والزهق والإحباط والاكتئاب ، فقط لأنهم قد اعتادوا على تعاطي الرفاهيات التي قتلت قدراتهم على التمتع بلاتغلب على مصاعب الحياة ، والحقيقة أنه ليس بذنبهم ، ولكنها جرائمنا نحن الأباء حين ظننا أن عملية توفير كل شيء ، وتجنيب الأبناء أية معاناة مررنا بها ، سوف يكون في صالحهم ، ولكن الحقيقة أن ذلك خلق منهم أجيالا ضعيفة واهنة ومشتتة .

رمضان .. ذلك الشهر الذي تعلمت فيه أول دروس الدين في المسجد الصغير في الدور الأرضي للعمار التي كنا نسكن دورها الثاني ، وشاهدت فيه التليفزيون لأول مرة عند جارتنا في الدور الثالث ، وكان سببا في دخول التليفزيون لبيتنا للمرة الأولى في رمضان التالي ، وهو أيضا رمضان حيث كانت قوافل الثقافة الجماهيرية تذيع لنا في كل خميس فيلما دينيا أو تاريخيا في قاعتها بقصر الثقافة في النادي الرياضي القريب ، وهو رمضان الذي خسرت فيه أول ربع جنيه لدى نصاب الثلاثة ورقات ، وكنت حينها دون التاسعة في الرابعة الابتدائي ، وكنت مكلف بشراء دجاجة (فرخة) بسبعة عشرة قرشا من السوق ، عندما وجدت نصاب الثلاثة ورقات على ناصية السوق ، فلعبت معه بنصف قرش وكسبت ، ثم بقرش وقرشين وكسبت ، حتى وقعت في الفخ ، ولعبت بالخمسة وعشرين قرشا كاملة ، وخسرت كل شيء ، وطردني النصاب وهددني ، فانفجرت فيه واستغثت بالمارة ، وبالطبع لم أتركه حتى أعاد لي الربع جنيه بمساعدة المارة حولي ، وكان درسا قاسيا ، فلم أقامر بعدها في حياتي ، ولم أقف أمام لعبة قمار بعدها حتى يومنا هذا .

هو أيضا رمضان .. والذي في العاشر منه في عام 1973م ، وفي الثانية ظهرا عبرنا قناة السويس ، ورفعنا علم مصر فوق سيناء وهزمنا اليهود ، ولم نكن نصدق أننا نجحنا وانتصرنا ، وكانت فرحة العمر ، وكان أسعد رمضان مر علينا في عمرنا الصغير ، وعرفنا ساعتها معنى النصر والكرامة والثأر من اليهود ، وهو رمضان نفسه وبعدها بسنوات تسلمنا سيناء كاملة من اليهود ، ودخلنا سيناء لتطهيرها من الألغام ومخلفات الحرب ، وإنشاء معسكرات لقواتنا ، ووفي رمضان كنا نعمل طوال اليوم في درجة حرارة تقترب من الخمسين ، وأقصى أحلامنا كوب من الماء المثلج على الإفطار ، والذي كنا نفوز به أحيانا لو أسعدنا الحظ يوما بالإفطار في أقرب مدينة على مسافة 60 كم ، ولا أنسى أننا كنا نبلل القماش والفوط ونضعها بين رؤوسنا وغطاء الرأس ، حتى تمتص الحرارة والتي كانت تجف خلال دقائق لنعيد إغراقها بالمياه مرة أخرى ، وهو رمضان الذي تعلمنا فيه أروع معان الأخاء والفداء والانتماء ، فما أروع الإفطار اليومي مع الجنود في رمضان ، والذي يثري معان رباط الدم والأخوة ، وأنت تتقاسم اللقمة وشربة الماء مع الجنود ، وتصلي بهم ومعهم ، وتقضي السهرة بينهم ، وتعرف كل شيء عن كل فرد فيهم أكثر من أهلك وأبنائك .

رمضان .. وما أدارك ما رمضان .. وأصوات الآذان والصلاة والقرآن تهز النفوس قبل الأسماع ، وهو ما تحول اليوم لمظاهرات فضائية للمسلسلات والمسابقات والمقالب وبرامج الوقاحة البشرية ، التي تتنافس في نشر الفضائح واستباحة أسرار الناس والفنانين والمشاهير ، في مخطط ممنهج لإفساد أخلاق البشر ، وتدمير كل حسنات الشهر الكريم ، رمضان ولقاء الأسرة اليومي حول مائدتي الإفطار والسحور ، ولقاءات العائلة المتكررة والمتبادلة طوال الشهر ، والتي تحولت اليوم إلى لقاءات لو تمت ، فسوف تصبح فارغة لا معنى لها ، لانشغال الغالبية العظمى مع تليفونه محموله ، أو غارقين في مشاهدة كوارث الفضائيات ، هو رمضان .. الذي كان يجمع أطفال الحي الواحد والعائلات بفوانيسهم في مداخل البيوت أو أركان الشارع ، والذي تحول إلى ساعات طويلة من النوم لكثير من أبنائنا ، بحجة أنهم صائمون ، وهو رمضان الذي كنا نتنافس في ختم قراءة القرآن أكثر من مرة ، وهو ما زال موجودا بين كثير من الأسر .

هو رمضان الذي قالوا لنا عنه ، أن الله فرضه لنشعر بحرمان الفقير فترق القلوب ، وتنتشر الخيرات فيه ، ثم اكتشفنا أن ذلك ليس هو الحكمة من فرض الصيام ، ولكن الحكمة فيه في قوله تعالى “لعلكم تتقون” ، ومعناها الحقيقي والأكبر يكمن في حث من الله تعالى لابن آدم للاستقامة .. ” فلعلك وأنت صائم عن الحلال تستحي أن تفعل الحرام ، فإذا اعتدت على ترك الحرام شهرا ، فلعلك تتعود على الاستقامة في باقي العام ” ، وذلك قوله تعالى .. “لعلكم تتقون” ، وهو رمضان الذي تعودنا فيه أن ننتظر يوم العيد لنظفر بالعيدية ، والذي تحول لمخاوف حقيقية لنا اليوم من تزايد العيدية التي سوف ندفعها كل عام عن الذي سبقه ، ومخاوف من نسيان أحد ، فما عاد أحد يعطينا العيدية ، بل أصبحت واجبا علينا لا هروب منه مطلقا ، ولكن العيدية على الجانب الآخر هي قمة المتعة أن ترى فرحة أبناءك وأحفادك ومن ترعاهم وهم يأخذون منك العيدية .

أخير كل عام وكل البشر بكل الخير والصحة والسعادة ، ودعاء لله عز وجل أن يجعل رمضان خيرا وبركة وسعادة على كل خلقه ، وأن يمنحنا القدرة على إسعاد خلقه ، ويجازينا خير الجزاء ويعفو عنا ويعافينا حميعا ويهدينا لما يحبه سبحانه ويرضاه ، دمتم بفضل الله وركمه ورحمته …. وطل ماعم وأنتم بخير ..
جمال عمر