الحرب والعنصرية .. وبهتان البشر … بقلم جمال عمر

مبدئيا .. لابد أن تذكر أننا بشر ، وأننا كـ (بني آدم) نعد أبناء سلالة آخر المستخلفين على الأرض (آدم) ، ولابد أن لا ننسى أننا في الأصل خلقنا من فئة الإنس ، التي معناها .. الود والتآلف والرحمة ، وهو ما منح لقب (إنسان) معان الإنسانية بكل رقيها ، ثم أخيرا .. لابد أن نتذكر سواسية في الله ، لأنه لا يوجد بشر ولا حتى كائن على الأرض قد كان له الخيار أو الحق في أن يختار والديه ، ولا نوعه ذكرا أو أنثى ، ولا شكل ولا طبيعة جسده ولا قدراته ، ولا يوم مولده ولا يوم وفاته ، ولا أياً من معطياته في الدنيا ، فكل ما يملكه ابن آدم هو معطيات هو مجبر عليها .. وهي فقط ليختبره الله فيها ، ومن هذا المنطلق فكل من يتخيل أو يظن أنه أفضل من غيره ، فقد سقط ضحية الغباء (عدم الفهم) ، ولو صدق هذا وأصبح يقينا يتصرف تبعا له ، فقد أصبح أسيرا للحماقة (رفض الفهم) وكبر النفس بلا وجه حق ، وهو ما يستوجب غضب الخالق العظيم وسخطه ، فيستحق عقابه ووعده سبحانه له بالخزي والذل في الدنيا قبل عذاب يوم الحساب .

 

وليتنا كبشر نتذكر هذا دوما ، وما أبريء نفسي ، إن النفس لأمارة بالسوء ، وهو ما يجعلنا جميعا ننزلق أحيانا لمستنقع الكبر ، وبعضنا يغرق فيه بجهله وحماقة نفسه ، حتى أن بعضنا ينظر للفقير والمسكين على أنه أقل منه ولا يستحق ما أنعم الله عليه به مثله ، ولا يجوز احترامه ، ولا يجوز مساواته بالأغنياء والسادة وأبناء الأسر العريقة ، وأصحاب المناصب ، وينسى أن الفارق في أصل الخلق معدوما ، وكل ما هو فيه ليس أكثر من تقدير العزيز الحكيم ومجرد معطيات ليختبره فيها ويحاسبه عليها ، والأخطر من ذلك أن يصبح هذا فكرا متفشيا في مجتمع بعينه ، والكارثة أن يكون هذا هو فكر مجتمعات كاملة مثلما نراه اليوم فجا وصارخا في أخلاقيات قادة وزعماء وشعوب في الغرب وأمريكا على وجه العموم واليهود على وجه الخصوص ، وهو ما فضحته تداعيات الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا .

وهكذا سقط القناع وظهرت حقائق الغرب فاضحة وحقيرة ، وبأيدي بوتين الروسي ، ليرى العالم أجمع ، كم هو الغرب أحمق وحقير الفكر وعنصري الأخلاق والدين ، وكم هو جبان رعديد لا يعرف معنى الشرف والشجاعة والمروءة ولا الشهامة  ففوجئنا بوزراء وساسة يتحدثون عن حرمة قتل المواطن الغربي ومهاجمة بلاده ، لأنه فقط  .. أوروبي ويتميز بأنه أشقر البشرة وملون العينين (بقولونها باللفظ والحروف) ، بل وصلت الوقاحة والعنصرية ، أن يقولوا أن أطفال الغرب لا يجوز تعريضهم للقتل ، فهم ليسوا مثل أطفال الشرق الأغبياء أبناء الجهلة المتخلفين والإرهابيين ، لنكتشف علنا أنه لا وجود لأبسط معان الإنسانية ، ولتذهب حقوق الإنسان للجحيم ، ولتسقط كل معان الرقي والتقدم الإنساني ، ولا وجود لمفاهيم الكرامة والشهامة والمروءة الإنسانية المزعومة .

بل أبسط من هذا .. ، أنهم في الأمس القريب صدعونا بعدم إقحام السياسة في الرياضة ، ووقعوا عقوبات على لاعبين وأندية لإظهارهم تعاطف مع أطفال فلسطين أو بورما ، ولكنهم اليوم تعاطفا مع المواطن الغربي السوبر إنسان ، لا مانع من فعله ، بل وتمنع روسيا من كافة الرياضات ، ويسحب من بوتين رئاسته الشرفية لاتحاد الجودو ، ويحظر اشتراك روسيا في أي رياضة دولية ، وكأن العالم قد أصابه الزهايمر ، ونسي ما كانوا منذ أيام يتشدقون به ويطبقونه على غيرهم ، فهم قد فقدوا الحياء والمصداقية ، والسبب لديهم بسيط وواضح ، فالدولة المعتدى عليها غربية أوروبية شقراء ، والأهم أن رئيسها يهودي من عائلة يهودية ، فهم الجنس السامي ، وباقي البشر مجرد حيوانات خلقهم الله على صورة البشر لخدمة اليهود ، وهذا ما يعلمه اليهود لأطفالهم في المدارس منذ نعومة أظفارهم .

قد لا يعنينا كثيرا من ينتصر في الحرب الدائرة اليوم ، إلا أن هذه الحرب قد كشفت بجلاء حجم الجبن والتخاذل والرعب الذي سببه بوتين لكل الغرب ، فبوتين رجل المخابرات القوي والمحنك والجريء أذل الغرب بكل معان الكلمة ، وهم يستحقون أضعاف هذا ، فهم قد نكثوا كل العهود والاتفاقيات ، وهم قد دمروا الشرق وقتلوا شعوبه من أجل ثراءهم ورفاهيتهم ، كما أنهم قد تجاهلوا تعهدهم من قبل بعدم ضم أية دولة من الاتحاد السوفيتي السابق للاتحاد الأوروبي ، وعدم نشر صواريخ تهدد روسيا ، ولكنهم قاموا بضم (14) أربعة عشرة دولة للاتحاد الأوروبي والناتو ، ونشروا الصواريخ الأمريكية والأوروبية على الحدود الروسية ، وعندما تجرأت روسيا على ضم شبه جزيرة القرم الروسية ، فرضوا عليها العقوبات وضيقوا عليها الخناق سياسيا واقتصاديا ، فهم لا يريدون أحدا في العالم يرفع رأسه ، أو يكون له سيادة أو كرامة أو احترام بجانب الغرب عامة أو يهدد السيطرة الماسونية على وجه الخصوص .

بل رأينا أسوأ أشكال ازدواج المعايير ، في تزايد فرض العقوبات على روسيا يوميا ، ولكن بما لا يمس مصالحهم من روسيا مطلقا ، فهم لا يفرضون عقوبات على البنوك التي تتعامل معهم في استيرادهم للغاز والنفط الروسي لبلادهم ، ويدعون مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة للانعقاد ثلاث مرات في أسبوع واحد ، لنجدة اليهودي “زيلينسكي” ، وشعبه الملحد الموالي لليهود ، بينما ملايين الأطفال والنساء قتلت في الشرق الأوسط والأقصى ،وأقربهم أكثر من مليوني وسوري ، وملايين من ليبيا واليمن والسودان والصومال وأفغانستان وبورما ، ولكننا لم نرى هذا الهلع والتسابق المسعور لنجدة ضحايا الإنسانية التي يتشدقون بها الآن ، ويتسابقون في إرسال الأسلحة لشعب أوكرانيا ، بينما شعوب فلسطين والعراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال والسودان يفرض عليها حظر السلاح ، وهم يذبحون كل يوم ولكن بأيدي الغرب وأذنابهم ، ويصنعون الإرهابيين لتصفية هذه الشعوب ونهب ثرواتها ، ، وهو ما يفرض علينا اليوم أن نعيد حساباتنا جيدا ، ونعي جيدا كيف ومع من نتعامل في هذا العالم .

فالمشكلة لم تعد مصالح تتصالح ، كما كنا نخدع بعضنا بعضا لتهوين التحديات والمصاعب ، بل تجلت الأمور بوضوح ، وأصبحنا نعلم جيدا أنها مشكلة عنصرية أجناس ، وفكر ويقين متأصل في نفوس شعوب ودول ترى نفسها أفضل وأرقى وأهم ، وأنهم أحق وأولى بالحياة ، وأحق بثروات شعوب أخرى ، ولو على جثث هذه الشعوب ، وتلك حقيقة ظهرت بفجاجة خلال إدارة الأزمة التي نتجت عن الحرب الروسية الكورية ، وإن كنا من قبل نعلمها جيدا ، ونغض عنها الطرف ونتجاهل أدلة وجودها ، ويطمس العملاء والخونة في بلادنا معالمها ، وساعدهم كثيرا سيطرتهم على كل وسائل وقدرات الإعلام ، وساعدهم أكثر حقيقة التخلف الذي نعيشه ونمارسه ، بداية من ضلالات مفاهيم الدين ، التي حولتنا لدراويش لا قيمة لنا ، وذلك لتزويرنا مفهوم العبادة ، بعد أن ادعينا كذبا وزورا أن العبادة هي آداء مناسك وشعائر الخضوع لله ، وتجاهلنا أن الله قد وضح لنا مفهوم العبادة الحقيقي ، بأنه إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، واليوم ندفع ثمن تركنا للعلم والبحث بعد ساد المسلمون الأوائل العالم بالعلم ، ونحن نستحق ما نحن فيه لأننا تجاهلنا أن القرآن العظيم يحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف آية في العلوم البحتة وعلوم الخلق تمثل أكثر من 50% من كتاب الله ،وقد أنزلها الله لنعمر بها الأرض ، وهي المهمة التي خلقنا الله من أجلها ، ولو كنا قد اهتممنا بآيات العلم في القرآن العظيم ، لكنا اليوم ما زلنا سادة العالم بالتطور والتفوق العلمي والتكنولوجي .

وهو ما يفرض علينا اليوم أن نفيق من سباتنا ، وأن ننفض عن حاضرنا ما أصابه من تخلف ، وهذا لن يحدث إلا لو نقحنا وطورنا ميراثنا الديني المأفون ، وخلصناه من عوار الفقه المتفشي في كتب التراث ، والذي نتج عنه فرق وجماعات الإرهاب والتخلف والدروشة ، بل ونتج عنه في أبسط صوره فقه ملوث بعاهات فكرية ندرسها لأبناءنا في المدارس الأزهرية ، مثل فقه أبي شجاع ، وكفانا عتها وتخلفا مثل نكاح العجوز والبهيمة ، وجواز قتل تارك الصلاة والملحدين دون الرجوع لولي الأمر ، وجواز أكل لحم من نقتله مع عدم جواز طهي لحمه لحرمة اللحم البشري ، فهل هذا علم يدرس لمشايخ المستقبل ؟؟ ، والأخطر أن الله حرم الفرق والجماعات ونهانا عن الانتماء لها ، وبل جعل الانتماء لها شركا صريحا بالله فقال تعالى في سورة الروم .. {… وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }21 ، 32 ، والآيات معناها أن كل من انتمى لجماعة أو فرقة .. شيعة أو سنة أو صوفية أو سلفية أو إخوانية فهو مشرك بالله بصريح الآيات ، فكيف يزخر الأزهر بالمنتمين لهذه الفرق التي بلغ عددها أكثر من سبعين فرقة وجماعة ، وتحت سمع وبصر ومباركة مشايخنا حماة الدين وحراس العقيدة ، ثم نتساءل لماذا زعماء الإرهاب ومفتيهم مثل القرضاوي من خريجي الأزهر وعضوا في كبار العلماء ، أما كفانا غرقا فيما أورثنا التخلف والدروشة بل والشرك بالله ، بل وأوصل كثيرا من الشباب للإلحاد ، بسبب فشل الفكر والخطاب الديني في هداية نفوسهم ، وكفانا كذبا وادعاءا أن تنقيح الميراث الديني سوف يهدم الدين ، لأنه لن يهدم سوى مكاسب ومناصب من يرون أنفسهم وكلاء الله على الأرض ، فالله لم يخلق له وكيلا ولا متحدثا باسمه على الأرض .

أخيرا .. ندعوا الله أن لا نقع في سواد القلب ، ولا كبر النفوس وغباءها ، والذي يسمح لنا أن نتمنى الشر لإنسان على كوكب الأرض ، فكلهم أبناء آدم ، فما ينقص من نفس إلا وهو نقص من نفوس كل البشر ، وما يصيب إنسانا ما هو إلا مصاب لكل البشر في كل مكان ، وليس معنى وضوح حقيقة حقارة وكبر وعنصرية نفوس الغرب ، أن نتدنى لحقارة نفوسهم ونصبح مثلهم ، وذلك فقط .. لأننا نظن أننا عباد الرحمن وخلقه ، وسبحانه أمرنا أن نكون رحماء فيما بيننا كبشر ، وشرط الإيمان بحب غيرنا ومحبة الخير له كما نحبه لأنفسنا ، وألا نرد السوء بالسوء مثل الحيوانات ، لأننا بشر وخلقنا مسلمين نعلم البشرية معان الرقي والإنسانية ، فليس من سمو ورقي الأخلاق أن ننزلق لنرد السوء بالسوء ، ولا نغير فطرة النفوس من أجل الانتقام ولا التشفي في بشر أو مخلوق لله على أرضه ، وسوف نعلمهم أن يحترموننا عندما نعود سادة بالعلم وإعمار الدنيا ، وسبحان من خلق ابن آدم فأحسن خلقه وكرمه على كثير من خلقه ، ليكون خليفة له سبحانه على الأرض ، فيعمرها بالعلم والعمل والتعاون والأخلاق الكريمة .

فندعو لله للبشر جميها أن يهديهم سواء السبيل ، ويهدي المسلمين أن يفيقوا من ثباتهم ويفهموا آيات كتابهم العزيز ، ليكونوا خيرا على الدنيا وخيرا على عباده جميعا ، ولا ننسى أن كل البشر ملحدهم وصابئهم ومسلمهم ومؤمنهم ، كلهم أسماهم سبحانه (عباد الله) ، لأن البعادة لا علاقة لها بالإيمان ومناسك الخضوع ، ومن لا يصدق هذا فليقرأ قوله تعالى .. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17 ، لأن العبادة في كتاب الله وقرآنه العظيم هي إعمار الأرض ، وتلك المهمة جعلها الله فطرة في النفوس ينفذها الكافر والمؤمن ليحيا على الأرض ، فما كان الله ليخلق عامرا للأرض فيكون لخ الخيار في أن يعمرها أو لا يعمرها ، فجعلها فطرة نفوس ، ولذلك من يخالف الفطرة ويتعمد الإفساد ، فقد أعلن الحرب على الله ، فيفرض الله له أشد العقاب والخزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة وهو قوله تعالى .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، … والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ...

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *