مبدئيا .. لابد أن تذكر أننا بشر ، وأننا كـ (بني آدم) نعد أبناء سلالة آخر المستخلفين على الأرض (آدم) ، ولابد أن لا ننسى أننا في الأصل خلقنا من فئة الإنس ، التي معناها .. الود والتآلف والرحمة ، وهو ما منح لقب (إنسان) معان الإنسانية بكل رقيها ، ثم أخيرا .. لابد أن نتذكر سواسية في الله ، لأنه لا يوجد بشر ولا حتى كائن على الأرض قد كان له الخيار أو الحق في أن يختار والديه ، ولا نوعه ذكرا أو أنثى ، ولا شكل ولا طبيعة جسده ولا قدراته ، ولا يوم مولده ولا يوم وفاته ، ولا أياً من معطياته في الدنيا ، فكل ما يملكه ابن آدم هو معطيات هو مجبر عليها .. وهي فقط ليختبره الله فيها ، ومن هذا المنطلق فكل من يتخيل أو يظن أنه أفضل من غيره ، فقد سقط ضحية الغباء (عدم الفهم) ، ولو صدق هذا وأصبح يقينا يتصرف تبعا له ، فقد أصبح أسيرا للحماقة (رفض الفهم) وكبر النفس بلا وجه حق ، وهو ما يستوجب غضب الخالق العظيم وسخطه ، فيستحق عقابه ووعده سبحانه له بالخزي والذل في الدنيا قبل عذاب يوم الحساب .

وليتنا كبشر نتذكر هذا دوما ، وما أبريء نفسي ، إن النفس لأمارة بالسوء ، وهو ما يجعلنا جميعا ننزلق أحيانا لمستنقع الكبر ، وبعضنا يغرق فيه بجهله وحماقة نفسه ، حتى أن بعضنا ينظر للفقير والمسكين على أنه أقل منه ولا يستحق ما أنعم الله عليه به مثله ، ولا يجوز احترامه ، ولا يجوز مساواته بالأغنياء والسادة وأبناء الأسر العريقة ، وأصحاب المناصب ، وينسى أن الفارق في أصل الخلق معدوما ، وكل ما هو فيه ليس أكثر من تقدير العزيز الحكيم ومجرد معطيات ليختبره فيها ويحاسبه عليها ، والأخطر من ذلك أن يصبح هذا فكرا متفشيا في مجتمع بعينه ، والكارثة أن يكون هذا هو فكر مجتمعات كاملة مثلما نراه اليوم فجا وصارخا في أخلاقيات قادة وزعماء وشعوب في الغرب وأمريكا على وجه العموم واليهود على وجه الخصوص ، وهو ما فضحته تداعيات الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا .

وهكذا سقط القناع وظهرت حقائق الغرب فاضحة وحقيرة ، وبأيدي بوتين الروسي ، ليرى العالم أجمع ، كم هو الغرب أحمق وحقير الفكر وعنصري الأخلاق والدين ، وكم هو جبان رعديد لا يعرف معنى الشرف والشجاعة والمروءة ولا الشهامة ففوجئنا بوزراء وساسة يتحدثون عن حرمة قتل المواطن الغربي ومهاجمة بلاده ، لأنه فقط .. أوروبي ويتميز بأنه أشقر البشرة وملون العينين (بقولونها باللفظ والحروف) ، بل وصلت الوقاحة والعنصرية ، أن يقولوا أن أطفال الغرب لا يجوز تعريضهم للقتل ، فهم ليسوا مثل أطفال الشرق الأغبياء أبناء الجهلة المتخلفين والإرهابيين ، لنكتشف علنا أنه لا وجود لأبسط معان الإنسانية ، ولتذهب حقوق الإنسان للجحيم ، ولتسقط كل معان الرقي والتقدم الإنساني ، ولا وجود لمفاهيم الكرامة والشهامة والمروءة الإنسانية المزعومة .

بل أبسط من هذا .. ، أنهم في الأمس القريب صدعونا بعدم إقحام السياسة في الرياضة ، ووقعوا عقوبات على لاعبين وأندية لإظهارهم تعاطف مع أطفال فلسطين أو بورما ، ولكنهم اليوم تعاطفا مع المواطن الغربي السوبر إنسان ، لا مانع من فعله ، بل وتمنع روسيا من كافة الرياضات ، ويسحب من بوتين رئاسته الشرفية لاتحاد الجودو ، ويحظر اشتراك روسيا في أي رياضة دولية ، وكأن العالم قد أصابه الزهايمر ، ونسي ما كانوا منذ أيام يتشدقون به ويطبقونه على غيرهم ، فهم قد فقدوا الحياء والمصداقية ، والسبب لديهم بسيط وواضح ، فالدولة المعتدى عليها غربية أوروبية شقراء ، والأهم أن رئيسها يهودي من عائلة يهودية ، فهم الجنس السامي ، وباقي البشر مجرد حيوانات خلقهم الله على صورة البشر لخدمة اليهود ، وهذا ما يعلمه اليهود لأطفالهم في المدارس منذ نعومة أظفارهم .

قد لا يعنينا كثيرا من ينتصر في الحرب الدائرة اليوم ، إلا أن هذه الحرب قد كشفت بجلاء حجم الجبن والتخاذل والرعب الذي سببه بوتين لكل الغرب ، فبوتين رجل المخابرات القوي والمحنك والجريء أذل الغرب بكل معان الكلمة ، وهم يستحقون أضعاف هذا ، فهم قد نكثوا كل العهود والاتفاقيات ، وهم قد دمروا الشرق وقتلوا شعوبه من أجل ثراءهم ورفاهيتهم ، كما أنهم قد تجاهلوا تعهدهم من قبل بعدم ضم أية دولة من الاتحاد السوفيتي السابق للاتحاد الأوروبي ، وعدم نشر صواريخ تهدد روسيا ، ولكنهم قاموا بضم (14) أربعة عشرة دولة للاتحاد الأوروبي والناتو ، ونشروا الصواريخ الأمريكية والأوروبية على الحدود الروسية ، وعندما تجرأت روسيا على ضم شبه جزيرة القرم الروسية ، فرضوا عليها العقوبات وضيقوا عليها الخناق سياسيا واقتصاديا ، فهم لا يريدون أحدا في العالم يرفع رأسه ، أو يكون له سيادة أو كرامة أو احترام بجانب الغرب عامة أو يهدد السيطرة الماسونية على وجه الخصوص .

بل رأينا أسوأ أشكال ازدواج المعايير ، في تزايد فرض العقوبات على روسيا يوميا ، ولكن بما لا يمس مصالحهم من روسيا مطلقا ، فهم لا يفرضون عقوبات على البنوك التي تتعامل معهم في استيرادهم للغاز والنفط الروسي لبلادهم ، ويدعون مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة للانعقاد ثلاث مرات في أسبوع واحد ، لنجدة اليهودي “زيلينسكي” ، وشعبه الملحد الموالي لليهود ، بينما ملايين الأطفال والنساء قتلت في الشرق الأوسط والأقصى ،وأقربهم أكثر من مليوني وسوري ، وملايين من ليبيا واليمن والسودان والصومال وأفغانستان وبورما ، ولكننا لم نرى هذا الهلع والتسابق المسعور لنجدة ضحايا الإنسانية التي يتشدقون بها الآن ، ويتسابقون في إرسال الأسلحة لشعب أوكرانيا ، بينما شعوب فلسطين والعراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال والسودان يفرض عليها حظر السلاح ، وهم يذبحون كل يوم ولكن بأيدي الغرب وأذنابهم ، ويصنعون الإرهابيين لتصفية هذه الشعوب ونهب ثرواتها ، ، وهو ما يفرض علينا اليوم أن نعيد حساباتنا جيدا ، ونعي جيدا كيف ومع من نتعامل في هذا العالم .

فالمشكلة لم تعد مصالح تتصالح ، كما كنا نخدع بعضنا بعضا لتهوين التحديات والمصاعب ، بل تجلت الأمور بوضوح ، وأصبحنا نعلم جيدا أنها مشكلة عنصرية أجناس ، وفكر ويقين متأصل في نفوس شعوب ودول ترى نفسها أفضل وأرقى وأهم ، وأنهم أحق وأولى بالحياة ، وأحق بثروات شعوب أخرى ، ولو على جثث هذه الشعوب ، وتلك حقيقة ظهرت بفجاجة خلال إدارة الأزمة التي نتجت عن الحرب الروسية الكورية ، وإن كنا من قبل نعلمها جيدا ، ونغض عنها الطرف ونتجاهل أدلة وجودها ، ويطمس العملاء والخونة في بلادنا معالمها ، وساعدهم كثيرا سيطرتهم على كل وسائل وقدرات الإعلام ، وساعدهم أكثر حقيقة التخلف الذي نعيشه ونمارسه ، بداية من ضلالات مفاهيم الدين ، التي حولتنا لدراويش لا قيمة لنا ، وذلك لتزويرنا مفهوم العبادة ، بعد أن ادعينا كذبا وزورا أن العبادة هي آداء مناسك وشعائر الخضوع لله ، وتجاهلنا أن الله قد وضح لنا مفهوم العبادة الحقيقي ، بأنه إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، واليوم ندفع ثمن تركنا للعلم والبحث بعد ساد المسلمون الأوائل العالم بالعلم ، ونحن نستحق ما نحن فيه لأننا تجاهلنا أن القرآن العظيم يحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف آية في العلوم البحتة وعلوم الخلق تمثل أكثر من 50% من كتاب الله ،وقد أنزلها الله لنعمر بها الأرض ، وهي المهمة التي خلقنا الله من أجلها ، ولو كنا قد اهتممنا بآيات العلم في القرآن العظيم ، لكنا اليوم ما زلنا سادة العالم بالتطور والتفوق العلمي والتكنولوجي .

وهو ما يفرض علينا اليوم أن نفيق من سباتنا ، وأن ننفض عن حاضرنا ما أصابه من تخلف ، وهذا لن يحدث إلا لو نقحنا وطورنا ميراثنا الديني المأفون ، وخلصناه من عوار الفقه المتفشي في كتب التراث ، والذي نتج عنه فرق وجماعات الإرهاب والتخلف والدروشة ، بل ونتج عنه في أبسط صوره فقه ملوث بعاهات فكرية ندرسها لأبناءنا في المدارس الأزهرية ، مثل فقه أبي شجاع ، وكفانا عتها وتخلفا مثل نكاح العجوز والبهيمة ، وجواز قتل تارك الصلاة والملحدين دون الرجوع لولي الأمر ، وجواز أكل لحم من نقتله مع عدم جواز طهي لحمه لحرمة اللحم البشري ، فهل هذا علم يدرس لمشايخ المستقبل ؟؟ ، والأخطر أن الله حرم الفرق والجماعات ونهانا عن الانتماء لها ، وبل جعل الانتماء لها شركا صريحا بالله فقال تعالى في سورة الروم .. {… وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }21 ، 32 ، والآيات معناها أن كل من انتمى لجماعة أو فرقة .. شيعة أو سنة أو صوفية أو سلفية أو إخوانية فهو مشرك بالله بصريح الآيات ، فكيف يزخر الأزهر بالمنتمين لهذه الفرق التي بلغ عددها أكثر من سبعين فرقة وجماعة ، وتحت سمع وبصر ومباركة مشايخنا حماة الدين وحراس العقيدة ، ثم نتساءل لماذا زعماء الإرهاب ومفتيهم مثل القرضاوي من خريجي الأزهر وعضوا في كبار العلماء ، أما كفانا غرقا فيما أورثنا التخلف والدروشة بل والشرك بالله ، بل وأوصل كثيرا من الشباب للإلحاد ، بسبب فشل الفكر والخطاب الديني في هداية نفوسهم ، وكفانا كذبا وادعاءا أن تنقيح الميراث الديني سوف يهدم الدين ، لأنه لن يهدم سوى مكاسب ومناصب من يرون أنفسهم وكلاء الله على الأرض ، فالله لم يخلق له وكيلا ولا متحدثا باسمه على الأرض .

أخيرا .. ندعوا الله أن لا نقع في سواد القلب ، ولا كبر النفوس وغباءها ، والذي يسمح لنا أن نتمنى الشر لإنسان على كوكب الأرض ، فكلهم أبناء آدم ، فما ينقص من نفس إلا وهو نقص من نفوس كل البشر ، وما يصيب إنسانا ما هو إلا مصاب لكل البشر في كل مكان ، وليس معنى وضوح حقيقة حقارة وكبر وعنصرية نفوس الغرب ، أن نتدنى لحقارة نفوسهم ونصبح مثلهم ، وذلك فقط .. لأننا نظن أننا عباد الرحمن وخلقه ، وسبحانه أمرنا أن نكون رحماء فيما بيننا كبشر ، وشرط الإيمان بحب غيرنا ومحبة الخير له كما نحبه لأنفسنا ، وألا نرد السوء بالسوء مثل الحيوانات ، لأننا بشر وخلقنا مسلمين نعلم البشرية معان الرقي والإنسانية ، فليس من سمو ورقي الأخلاق أن ننزلق لنرد السوء بالسوء ، ولا نغير فطرة النفوس من أجل الانتقام ولا التشفي في بشر أو مخلوق لله على أرضه ، وسوف نعلمهم أن يحترموننا عندما نعود سادة بالعلم وإعمار الدنيا ، وسبحان من خلق ابن آدم فأحسن خلقه وكرمه على كثير من خلقه ، ليكون خليفة له سبحانه على الأرض ، فيعمرها بالعلم والعمل والتعاون والأخلاق الكريمة .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
