لا شك أن الإنسان هو أكثر مخلوقات الله على الأرض احترافا للجدل كما يقول عنه خالقه .. {.. وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً }الكهف54 ، فابن آدم وهو المخلوق المستخلف على الأرض لإعمارها قد احترف الجدال والبهتان والضلال كنتيجة مباشرة لسوء استخدام (الإبداع) وهي الرغبة الدائمة للإتيان بالجديد ، وهي هبة الله الفطرية له والتي منحه إياها لتعينه على (إعمار الأرض كخليفة لله عليها) ، وتلك هي مهمة العبودية الجليلة التي استحق عليها (سجود – استغفار – حفظ – دعاء – دعم) الملائكة .
والغريب أن الإنسان قد زور كل المفاهيم الأساسية لحياته على الأرض وهو (يعرف) ولكنه (لا يدرك) أنه يدمر نفسه ومستقبله ويفسد مهمته التي خلقه الله من أجلها ، فالفارق كبير بين المعرفة والإدراك ، وهو السبب في أن الطبيب استشاري الأمراض الصدرية الذي ينصح دوما مرضاه بالتوقف عن التدخين ولكنه هو يظل عمره كله ومدخن شره ، ، فالعلم بالأشياء أو المعلومات ينقسم لمستويين رئيسيين ، الأول هو المستوى العقلي والذي ينقسم لدرجات أربعة بداية من درجة الجهل بالمعلومة إلى درجة معرفة المعلومة ثم إلى درجة فهم المعلومة وأخيرا درجة إدراك المعلومة ، لينتقل العلم بعدها للمستوى الأرقى والأهم وهو مستوى اليقين والذي ينقسم إلى درجات ثلاثة بداية من درجة علم اليقين والذي تصل إليها نفوس بعض العلماء في الدنيا أو تصل إليها كل نفوس البشر في لحظة الموت ، ثم تليها رقيا درجة حق اليقين والتي لا يصل إليها في الدنيا إلا الأنبياء والرسل وبعض الصالحين والحكماء ، وأخيرا درجة عين اليقين والتي لا يصل إليها البشر إلا عند ربهم في الآخرة بعد أن تنكشف لهم حقائق الأشياء ، وهي التي وصل إليها رسول الله خاتم الأنبياء في حياته في رحلة الإسراء والمعراج حيث .. (رأى من آيات ربه الكبرى) ، وتلك هي درجات مستوى اليقين الثلاثة التي ذكرها سبحانه في كتابه العزيز .
ويسقط الإنسان دوما في الضلال والبهتان عندما يفقد قدرته على الوصول لدرجات الفهم الإدراك لما ورثه من قيم وثوابت الحياة خاصة فيما يخص المعتقدات التي نسميها دينية ، وبالتالي يتخذ قراراته بناء على ضلالات ، بل ويجبر نفسه ومن حوله على الإيمان بأكاذيب وضلالات على أنها مقدسة ، ولأن الضلالات غالبا ما توافق بعض الشهوات فيستعذب البشر استمرار الضلال وتقديسه بمعاونة وساوس الشياطين التي تتردد في نفسه ليل نهار وهو لا يدري بل وربما ينكرها في إطار الكبر والاعتداد بالنفس ، حتى أن معظم البشر مقتنعون أنه لا شياطين ولا وساوس له في النفس حتى ولو صلوا ليل نهار بسورة الناس وردد آلاف المرات قوله تعالى { قل أعوذ برب الناس ، ملك الناس ، إله الناس ، من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس} .
ولعل أبرز المفاهيم التي استعذب الإنسان تزويرها هي معنى الدين ، فالدين باختصار هو قناعتك ومعتقداتك الشخصية التي تتصرف تبعا لها بتلقائية فتحدد مواصفات سلوكيات حياتك ، فلو كانت قناعاتك متوافقة مع أوامر الله ونواهيه المطلقة ، فأنت على دين الله أيا كان مسمى دينك أو ملتك { ولله في خلقه شئون } ، وبالتالي فكثرة إلتزامك بأداء المناسك والشعائر في أي دين أو ملة معناها الوحيد أنك تحاول جاهدا لتصحيح قناعات نفسك لتستقيم سلوكياتك ، ولكنها لا تعني مطلقا أنك من أولياء الله ولا من خاصته أو وكلاءه على الأرض ، خاصة لو فضحتك المواقف والآراء فأثبتت أنك لست سويا بل منحرفا أو فاسدا نفسيا ومجتمعيا ، وبالتالي فلو لم تصحح المناسك والشعائر قناعاتك الفاسدة فلا فائدة منها عليك ، ولا قيمة ولا اعتبار لك في الدنيا ولا في الآخرة ، حتى ولو منحتك المناسك ومظاهرها سمعة بين الجهلاء والعامة والمغيبين بأنك متدين أو من أهل الله الذي تدعي إيمانك به وتقربك إليه ، ولكن معنى الدين عند ألبشر بمختلف أجناسهم هو وسيلة السيطرة والهيمنة من أصحاب القداسة والنيافة والحضرة على العامة لا أكثر .
وثاني المفاهيم التي تم تزويرها بتعمد وإمعان هو معنى العبادات ، فالعبادات التي أفهموها للناس هي المناسك والشعائر .. والتي هي وسيلة التقرب إلى الله وهي الضمان لدخول الجنة والفوز برضا الله في الدنيا والآخرة ، وهذا المفهوم هو قمة الضلال والبهتان ، لأن حقيقة العبادة هي .. (أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها) .. وهي إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، والتي ادعينا كذبا وزورا على الله أن العبادات هي (الصلاة – الزكاة – الصوم – الحج – ذكر الله) وهي التي سماها الخالق سبحانه في كل الكتب السماوية بالمناسك والشعائر ، ولكن الماسونية كعادتها زورت لنا مفهوم العبادات وصدقناها حتى نستريح وننعم بالكسل والمتع بعيدا عن الكد والكدح فتركنا إعمار الدنيا وتحول المسلمون لدراويش يدعون كذبا أنهم أصحاب الجنة بأداء المناسك والشعائر والإكثار م ترديد المنطوقات كالشهادة والصلاة على رسول الله ، وما أكثر هذه الأكاذيب على الفيسبوك والتويتر ، فمثلا .. من قال (لا إله إلا الله) ولو بلسانه فسوف يدخل الجنة في النهاية ، ومهما فعل فإنه لن يخلد في الجحيم أو النار بل هي فقط (أيام معدودة) وسوف يخرجه الله من النار إلى الجنة لأنه قال بلسانه ولو مرة واحدة (لا إله إلا الله) ، ويبدو أن أصحاب هذا الادعاء الكاذب تجاهلوا قول الله تعالى … {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة 81 ، 82 ، بل ووصل الحال لاستغلال الجهل لدى العامة بنشر أحاديث كاذبة عن دخول الجنة لمجرد ترديد الصلاة على الرسول ألف مرة .
بل يبدو أن الجهل أو انعدام الفهم قد تفشى بين البشر عامة فلم يدركوا أن قمة إعجاز الله في خلقه للبشر أن كل البشر مسلمهم وكافرهم وملحدهم وصابئهم يؤدون مهمة الإعمار للأرض (التي خلقهم الله من أجلها) بفطرتهم ولا حيلة لهم في هذا لأن المهمة متوافقة مع طبيعة خلق نفوسهم وأجسامهم ، فالكل يبني ويتزوج وينجب ويربي ويستخلف من بعده أجيالا وهو الهدف من خلق البشر ، وتلم هي حقيقة المهمة التي خلقهم الله من أجلها ، ولا عجب لو علمنا أن المسلمين رغم وجود القرآن (غير محرفا مثل ما سبقه) قد هجروه وامتنعوا عن فهمه ، واكتفوا بتفاسير ومفاهيم علماء ماتوا منذ قرون بعيدة ، واكتفوا بملايين الكتب تفسر لهم فقط آيات الفروض والحدود والمعاملات والتي لا تمثل سوى 3% من آيات القرآن ، وأهملوا وتركوا تعمدا أكثر من 45% من آيات القرآن والتي تضع الحدود لكل العلوم البحتة وعلوم الخلق والكون ، وهي الآيات التي أنزلها لهم ربهم لتعينهم على تنفيذ مهمتهم السامية والجليلة (إعمار الأرض) .
ولا شك أننا كبشر زورنا مفاهيم كل الرسالات السماوية لتتوافق مع أهوائنا وشهواتنا ، ثم فرغناها من مضامينها الحقيقية ، وقد احترفنا كبشر تزوير المتون الأصلية لكل الكتب التي سبقت القرآن ، وعندما فشلنا في تزوير حروف وآيات القرآن أستكملنا الجريمة بتزوير المفاهيم الأساسية التي وردت في القرآن ، وذلك بعد تعمدنا إغلاق أبواب الفهم والتدبر والتفكر في القرآن وحصرها على علماء رحلوا عن الدنيا قبل أكثر من ألف سنة ، وتعمدنا حصار عقولنا ونفوسنا عند مستويات فهمهم وتدبرهم ، رغم أننا نردد دوما أن القرآن سوف يظل يكشف أسراره يوما بعد يوم إلى يوم القيامة ، وكيف يكشفها دون أن نتدبره أو نتفكر فيه ونعقله ؟؟؟
ولسنا في مجال حروب كلامية وجدلية عن تحريف الكتاب المقدس من عدمه لأن هذا الموضوع قد تم حسمه بالنسخ المنقحة والبديلة حتى أصدر المجلس الوطني للكنائس عام 1989م مراجعة واسعة النطاق للنسخة القياسية المنقحة تسمى النسخة الجديدة القياسية المنقحة (NRSV)، وهي آخر ما تم الاتفاق عليه بعد حذف أكثر من 500 آية وكلمة كانت تحدث لغطا وتعد مخالفة للقيم العامة والمنطقية للبشر كما رأى علماء المجلس الوطني للكنائس ، ولو اقتربنا قليلا من الكتاب المقدس لنعرضه على العقل والمنطق والعلم ، لفجعنا بما لا يقبله عقل بشر {وليسامحني أهل المسيحية واليهودية} لو تعرضنا لبعض معتقداتهم التي يجب أن يراجعوها جيدا بالمنطق والعقل ، خاصة ونحن اليوم نحيا الألفية السابعة وربما الأخيرة في مسيرة البشر على الأرض ، ولذلك لا احترام ولا اعتبار إلا للعقل الذي منحنا الله إياه ، ليكون أول وأهم مهامه هي الاستدلال على وجود الله وفهم قوانين وناموس خلقه في الحياة .
ومن هذا المنطلق فمن غير المعقول ولا المقبول نفسا أو عقلا مثلا .. أن يكون كل البشر هم أبناء قابيل (القاتل لأخيه) ، و (الزاني باخته) ، (هذا لو كان لقابيل وهابيل وجودا) ، فيكون كل البشر أبناء الخطيئة المركبة (القتل والزنا) وننسى أبسط المعلومات التي يذكرها نفس (الكتاب المقدس) بأن آدم أنجب (120) بطنا وفي كل بطن (ذكر وأنثى) فأولاده وبناته بلغوا (240) نفسا ، ولكن يبدو أن هذا الادعاء الباطل والكاذب كان الأساس العقائدي لأكذوبة أكبر وأخطر كما يقول الكتاب المقدس .. أن آدم أخطأ خطيئته الكبرى ونحن حملناها ، كما أننا جميعا أبناء الخطايا (الزنا والقتل) ، فلابد أن يرسل الله من يكفر خطايا العالم ، فاليهود يؤمنون أنهم شعب الله المختار وكل البشر غيرهم حيوانات خلقهم الله على صورة البشر لخدمة اليهود ، وأن المسيح لم يرسل بعد حتى الآن ، ولن ينزل إلا في آخر الزمان ليكفر الخطايا وينصر اليهود ، والنصارى يؤمنون أن الله ضحى بابنه الوحيد ليكفر خطايا العالم ، وهو باختصار ما يثير تساؤل أهم وهو .. هل (الخالق القادر العظيم) .. قد عجز أن يغفر خطايا العالم بكلمة منه وهو سبحانه من خلق الكون كله بكلمة منه ، وهو كما يقولون في مطلع الإناجيل (في البدء كان الكلمة) ، فهل هذا مقبولا اليوم ونحن نعلم وندرك أن الأرض وما عليها وكل البشر لا يساوون ذرة رمل في كونه العظيم الذي خلقه بكلمة واحدة (كن) ، أم هم وما يدعونه من ضلال مصداق لقوله سبحانه "وما قدروا الله حق قدره" .
ولن نخوض كثيرا في كوارث الإنجيل الجنسية وتدنيه بما لا يليق بحديث البشر فما بالنا بالله وجلاله ، ولكن لابد وأن ننكر ونرفض سقوط مؤلفي الأناجيل وتدني مستواهم العقلي والفكري والأدبي ، حتى أنهم قد تخيلوا أن الله لابد وأن يكون مثل البشر في كل شيء ولابد أن يكون له صاحبة وولدا ، تقليدا للعقيدة الرومانية القديمة ، ثم يجعلونه سبحانه مثل البشر يشتهي ويتمنى ويحزن ويبكي ويضحك ويغضب ثم ينزل ليلا ليتشاجر مع داوود ، ويكاد داوود أن يهزمه لولا أن الرب لجأ لخدعة غير مشروعة في القتال (فهل هذا يليق بالرب الخالق العظيم والقادر على كل شيء) ، ثم لماذا يكون (الرب) دوما حقودا وكارها لبعض خلقه فيأمر اليهود بإبادة أعدائهم والتمثيل بجثثهم وحرق دورهم وزروعهم وقتل أبناءهم وسبي نساءهم ، بل والأغرب أن تجد أن جميع الرسل والأنبياء في الكتاب المقدس هم أصحاب خطايا كبرى حتى أنهم يكذبون ويخدعون ، وأحدهم زنا ببناته وآخر زنا بزوجة ابنه ، وآخر يشرب الخمر حتى يثمل ويتخبط ويسقط بين رعاياه ، وأخر يلوط في صبي ، ناهينا عن وصف ركيك ومتدني لعمليات جنسية كاملة في الكتاب المقدس ، وهو ما يفرض سؤالا منطقيا وهو .. (كيف يكون هذا كتاب دين مقدس وهو معدوم الفضيلة والأخلاق) ، (وكيف يكون مقدسا وهو مليء بالجنس والكراهية والتشفي والحقد والخطايا حتى للرسل والأنبياء) ، فلا عجب لو أصبح أتباعه اليوم في الغرب يستبيحون الزنا والشذوذ ويبيحونه ويعتبرونه حرية شخصية ورقيا نفسيا من أساسيات تركيبة مجتمعاتهم النفسية .
وفي نفس الإطار لن يكون عجيبا أن نجد أصحاب الفرق والجماعات في الإسلام أشد تطرفا وإرهابا وإجراما وشذوذا من المجرمين والمختلين نفسيا ، ولكنه تحت مظلة الدين ، وهم في نفس الوقت يدعون أنهم خاصة الله وأوليائه ، بل ومنهم من يدعون أن الله اصطفاهم وطهرهم عن سائر خلقه ورفع عنهم التكليف مثل مشايخ ورؤساء الفرق الصوفية ، ولسنا بعيدين عن كثير من مشايخنا الأفاضل الذين يعلمون جيدا أن الانتماء لفرقة أو جماعة هو شرك بالله بصريح قرار الله في سورة الروم في الآيات 31 ، 32 ، { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } ، ورغم هذا لا يستحون أن يعلنوا انتماءاتهم للفرق الصوفية والسنية والشيعية أو السلفية والإخوانية ، بل وأحدهم يعلن للعامة أنه وكيل الله في الأرض ، وكأنهم قد اخترعوا أديانا جديدة مليئة بالفرق والجماعات والملل والنحل ، وبالتالي فهؤلاء لن يصححوا الخطاب الديني ولن يمسوا شيئا يهدد امبراطورياتهم المقدسة ، بل إنهم لا يستحون من استخدام كل السبل لينكلوا بكل من يقترب منهم أو يمس أخطائهم وضلالاتهم .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
