الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (8) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
19 أكتوبر، 2025
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, المقالات والرأي
534 زيارة

توقفنا سابقا عند حقيقة أن الشفرة الإلهية للاتزان الكوني في خلق الله .. والتي تحافظ على استمرارية الحياة حتى أجلها المقدر لها من الخالق العظيم ، فلولا وجود ذلك الاتزان الكوني لفسدت السماوات والأرض ، خاصة لو علمنا أن حياتنا التي نظن أنها أهم ما في الكون ، ليست إلا مجرد حالة (زمكانية) محدودة .. وكأنها فقط .. رحلة واحدة للحياة متزامنة مع آلاف الحيوات مثلها ، وسبقتها آلاف الحيوات ، وسوف يعقبها آلاف أو ملايين الرحلات لحياة مخلوقات مكلفة (مثلنا) تعمر كون الله الواسع ، وكيفما يشاء الخالق العظيم ، وعلمنا أننا كنفوس لا نموت ولا نفنى ولكننا ننتقل من حالة لأخرى ، ومن حياة لحيوات أخرى متكررة ومتعاقبة ، بل وأننا كنفوس نسافر عبر الزمن يوميا أشهرها عند النوم ، ولكننا لا نرى ولا نتذكر إلا ما شاء الله لنا أن نعلمه ونتذكره ، وتلك حكمة الخالق العظيم لتحقيق الاتزان النفسي للإنسان في حياته ، خاصة وأن قدرات عقولنا لا تحتمل التعامل مع أكثر مما قدره الله لنا ، ولذلك فالغالبية العظمى ممن يبحثون قد يدخلون مستويات أعلى من قدرات الإنسان .. فيفقدون حياتهم أو على الأقل عقولهم .

ونتوقف اليوم عند الاتزان الإلهي بين البشر كما قدره الخالق العظيم ، ولعل أشهر العلاقات بين البشر والتي تقوم على الاتزان هي علاقة الذكر بالأنثى ، وبداية فإن الله قد جعل هناك اتزانا مقدسا ما بين الرجل وزوجته ، وهذا الاتزان يتحدد وجوده (ميلاده) مع أول لحظة في لقاء الرجل والمرأة ، وهذا الاتزان تختلف مسمياته تبعا لثقافة وفكر ودرجة تعليم كلا الزوجين وكذلك تطور اللغة عبر الزمن ، ففي عصرنا هذا يسمونه (الكيميا) ، وهي مشاعر تتواجد محسوسة ومتبادلة ما بين أي اثنين يلتقيا في العالم ، ويتوقف عليها شكل وتطور العلاقة بينهما ، ولذلك وبغض النظر عن الشكل المثالي الذي فرضه الله لشكل العلاقة ما بين الرجل وزوجته ، فإن لكل علاقة تفاصيلها الدقيقة ، والتي تجعل من كل علاقة لزوجين حالة متفردة لا تتكرر مطلقا ، لأنها بداية هي علاقات تعامل نفوس في وضع خاص جدا ، وهذه التوازن يظهر علاماته للآخرين ، فمثلا هناك نفوس ترتاح وتستقر عندما يكون الزمام في يد المرأة ، وهناك من يخدع نفسه بأنه المسيطر والحقيقة أنه جعجاع ، ولا يجرؤ على مخالفة زوجته في أي شيء ، وهناك صاحب العقل الواعي ، والذي يسيطر دون إعلان أو حتى محاولات إثبات رجولته وسيطرته . فالكيميا بين أي زوجين هي علاقة خاصة جدا ، لا يمكن تنميطها أو حصرها في شكل محدد .

ونتيجة لشكل حالة الاتزان الأسرية بين الرجل وزوجته ، تكون شكل التنشأة للأبناء وقناعاتهم الأولية التي يبنى عليها جميع أخلاقياتهم المكتسبة ، ومنها أشكال التعامل مع الجنس الآخر ، فالبنت التي عاشت في كنف أسرة تسيطرالمرأة تماما على مقاليد الأسرة ، تختلف كثيرا عن البنت التي تتمتع أسرتها بسيطرة الأب واحترام وجوده وكلمته ، فالأولى قد لا يملأ عينها رجلا ، ولن تقبل أن تكون زوجة لرجل قوي أو مسيطر بالفطرة ، والبنت التي نشأت في أسرة سوية للأب فيها قدرته وهيبته ، لن تستقيم حياتها مع رجل مازوخي (يستمتع بخضوعه للمرأة) ، ولذلك يجب أن نراعي التوافق عند الزواج ، وهو ما نسميه بالكفاءة النفسية ، فقد تعشق البنت الصورة الخارجية المبهرة للشاب ، وكذلك الشاب قد تأسره أنوثة وجمال البنت ، ولكن بعد إتمام الزواج بفترة قصيرة قد لا تتعدى أيام ، قد يفاجئونا بطلب الانفصال أو بداية مشاكل لا حصر لها ، وذلك لانعدام (الاتزان النفسي) الكفاءة النفسية بينهما ، وباختصار أنها اكتشفت أنه مخالف لصورة الرجل الذي تحلم بوجوده في حياتها ، وبالتالي فهو أيضا وجدها مخالفة لصورة الأنثى التي يحلم بوجودها في حياته ، وهنا قد تستحيل العشرة بينهما ، إلا لو كان أحدهما مخطيء في مفاهيمه ولديه الشجاعة والاستعداد لتغييرها وقبول التعامل وفق مفاهيم مختلفة .

لاشك أنه من المستحيل أن تتطابق المفاهيم النفسية لأي شخصين على ظهر الكرة الأرضية ، فالمفاهيم النفسية تتشكل تبعا لعوامل غير محدودة ، بل وفيها عوامل غالبا ما يخفيها صاحبها عن العالم ولا يبوح بها لمخلوق ، وأحيانا تكون دوافع غريبة وغير منطقية ، ولكنها النفوس وعجائب تكوينها ، وأحيانا تكون الدوافع لتكوين المفاهيم النفسية عبر حياة الإنسان قادمة له من خارج عالمنا تماما ، وتلك حالات نادرة وخاصة جدا ، ولها قيمها وأساليب علاجاتها ، خاصة لو كانت الولد أو البنت قد وقعوا ضحية لمردة أو شياطين من الجن في طفولتهم ، أو يكون الأشخاص شديدي التأثر بشخصياتهم في أبعاد زمكانية أخرى ، وتلك حالات نادرة حيث من المفترض وجود فاصل زمكاني قائم لا تراه عيوننا ، ولكننا قد نلاحظه جيدا ، عندما نستيقظ ونحن لدينا حالة من السعادة المفرطة دون سبب منطقي معروف ، أو العكس لو استيقظنا ولدينا حالة حزن أو اكتئاب غير مبرر منطقيا ، وعندها نكون متأثرين بأحداث تعرضنا لها في أبعاد أخرى ، وهو ما قد يرفضه كثير من البشر ، ظنا منهم أن حياتنا التي نحياها هنا هي الوحيدة وهي لمرة واحدة فقط ، وبعدها سوف نظل منتظرين يوم الحساب في القبور ، كما خدعونا منذ نعومة أظافرنا ، وهو ما استنكره الخالق العظيم ووصفنا بالجهل واتباع الظنون بقوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، وبالتالي لا نستطيع أن نقبله اليوم في زمن النانو متر والنانو ثانية ، خاصة بعد اكتشافنا أن كل المخلوقات وحركاتها وتأثيراتها وآثارها إلى يوم القيامة .. هي درجات ومستويات وكثافات مختلفة من الفوتونات .

ولا شك أن حالة الاتزان الكوني في علاقات البشر ببعضهم البعض هي حالة فطرية ، ومتأثرة تماما بمنظومة الكون بما فيها مواقع وحركة النجوم والمتأثرة بالحركة الأكبر للمجرات ، فمنظومة الكون كلها مترابطة ومتزامنة بقوة ودقة متناهية ، ولا سبيل لاختراقها أو التأثير عليها ، ولذلك فكل فعل لابد وأن يكون له رد فعل مساوي له ومضاد له ، وذلك لتعيد الاتزان الذي حاول الفعل اختراقه أو مخالفته ، ولذلك فمن قمة الغباء أن يحاول الإنسان اختراف أو مخالفة نظم الخالق وقوانينه استجابة لأهوائه ورغباته ووسوسة الشياطين أو تقليدا لغيره من االبشر ، ظنا منه أن ذلك لن يرتد عليه بالسوء ، حتى ولو كان التصرف ضعيفا ومحدودا ، فابنتك التي تستمتع بعرض مفاتن جسدها في ملابس وبنطلون ضيق ، وابنك الذي يتنطع ويخرج من بيتك مرتديا شورت يظهر ساقيه كنوع من الحرية ، لا يعلمون أنهم ببتجاوزهم لحدود الاتزان الكوني المفروضة من الله ، هم يفتحون على أنفسهم أبواب اللعنة الكونية متمثلة في تحويلهم إلى محطات استقبال لفوتونات أمراض ومصائب وفشل لا حيلة لهم معها ، وأخطرها أمراض النفوس قبل الأجساد ، والتي تدمر الإنسان وتسلمه لهلاكه وخسارته لدينه ودنياه دون أن يدري .

ولا عجب لو علمنا .. أن الخالق العظيم ، لا يصيب عباده العاصين مباشرة بالعقاب لحظيا ، وذلك لأن قوانين خلقهم تحمل قدرات التدمير كما تحمل قدرات النمو والتطور ، والإنسان هو من يختار ما سوف يحدث له ، وكل ذلك خاضع لقوانين خلقه العلمية البحتة والدقيقة ، ولكن للأسف لا يعلم ابن آدم منها إلا قشور ، وبل يجهلها تماما عندما يفرق كثيرا ما بين الحرام شرعا ويظن أن تحريمه لا علاقة له بالعلم الدقيق ، فيفرق بين الحرام وبين الخطأ العلمي ، مع أن الحقيقة أن ما حرمه الله هو في الحقيقة قد حرمه لمخالفته أدق القوانين العلمية المبني عليها خلق وتكوين الإنسان ولذلك ترك الله ابن آدم يفعل ما يشاء ، وسوف يعرف يوما ما أنه قد دمر نفسه بيديه وجهله بعد فوات الآوان ، تماما مثل عقاب من يعتاد السهر ويحترفه سنوات عمره ، فيعاني من تزايد الغباء وضعف الذاكرة وضعف التحمل عنده ، وقد لا ينتبه لما يحدث له ، حتى يسقط ضحية السرطان أو الزهايمر أو الفشل الكلوي أو الكبدي أو العصبي فيكون عبرة لمن يريد أن يعتبر ، ورغم ذلك فمن الصعب أن يقتنع بذلك كثير من الناس خاصة بين الشعوب العشوائية كالمصريين للاسف .

أخيرا .. لابد أن ندرك .. ثم نوقن بأن منظومة خلق الإنسان هي أحد المنظومات الدقيقة من منظومة خلق الكون كاملا ، وأن هذا الكون له شفرته الخاصة والموحدة في جميع مخلوقاته ، ولا حيلة لمخلوق لتغيير هذه الشفرة ، أو اختراقها ، ولكن أقصى ما يمكن لبشر أن يفعله هو الإضرار بنفسه ومن حوله ، فيتلقى العقاب السريع في حياته من فشل ومرض وشقاء وخسارة ، وهو لا يغني ولا يمنع العقاب في الآخرة لو مات مصرا على خطأه دون أن يتوب ويستغفر ، لعل الله يغفر له ما قدمت يداه ، ولعله يستطيع في رحلة أخرى أو قادمة أن يصلح ما أفسده ، فالنفوس تتعلم وتحمل دوما ميراثا تاريخيا نفسيا لا يزول ولا يتلاشى لمجرد مغادرة الجسد للوفاة ، ولكن يتزايد الميراث التاريخي للنفس عبر رحلاته المتتالية في الدنيا ، وعبر الأبعاد الزمنية المختلفة ، وهو ما سوف نتعرض له لاحقا …
جمال عمر