الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (8) …. بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند حقيقة أن الشفرة الإلهية للاتزان الكوني في خلق الله .. والتي تحافظ على استمرارية الحياة حتى أجلها المقدر لها من الخالق العظيم ، فلولا وجود ذلك الاتزان الكوني لفسدت السماوات والأرض ، خاصة لو علمنا أن حياتنا التي نظن أنها أهم ما في الكون ، ليست إلا مجرد حالة (زمكانية) محدودة .. وكأنها فقط .. رحلة واحدة للحياة متزامنة مع آلاف الحيوات مثلها ، وسبقتها آلاف الحيوات ، وسوف يعقبها آلاف أو ملايين الرحلات لحياة مخلوقات مكلفة (مثلنا) تعمر كون الله الواسع ، وكيفما يشاء الخالق العظيم ، وعلمنا أننا كنفوس لا نموت ولا نفنى ولكننا ننتقل من حالة لأخرى ، ومن حياة لحيوات أخرى متكررة ومتعاقبة ، بل وأننا كنفوس نسافر عبر الزمن يوميا أشهرها عند النوم ، ولكننا لا نرى ولا نتذكر إلا ما شاء الله لنا أن نعلمه ونتذكره ، وتلك حكمة الخالق العظيم لتحقيق الاتزان النفسي للإنسان في حياته ، خاصة وأن قدرات عقولنا لا تحتمل التعامل مع أكثر مما قدره الله لنا ، ولذلك فالغالبية العظمى ممن يبحثون قد يدخلون مستويات أعلى من قدرات الإنسان .. فيفقدون حياتهم أو على الأقل عقولهم .

ونتوقف اليوم عند الاتزان الإلهي بين البشر كما قدره الخالق العظيم ، ولعل أشهر العلاقات بين البشر والتي تقوم على الاتزان هي علاقة الذكر بالأنثى ، وبداية فإن الله قد جعل هناك اتزانا مقدسا ما بين الرجل وزوجته ، وهذا الاتزان يتحدد وجوده (ميلاده) مع أول لحظة في لقاء الرجل والمرأة ، وهذا الاتزان تختلف مسمياته تبعا لثقافة وفكر ودرجة تعليم كلا الزوجين وكذلك تطور اللغة عبر الزمن ، ففي عصرنا هذا يسمونه (الكيميا) ، وهي مشاعر تتواجد محسوسة ومتبادلة ما بين أي اثنين يلتقيا في العالم ، ويتوقف عليها شكل وتطور العلاقة بينهما ، ولذلك وبغض النظر عن الشكل المثالي الذي فرضه الله لشكل العلاقة ما بين الرجل وزوجته ، فإن لكل علاقة تفاصيلها الدقيقة ، والتي تجعل من كل علاقة لزوجين حالة متفردة لا تتكرر مطلقا ، لأنها بداية هي علاقات تعامل نفوس في وضع خاص جدا ، وهذه التوازن يظهر علاماته للآخرين ، فمثلا هناك نفوس ترتاح وتستقر عندما يكون الزمام في يد المرأة ، وهناك من يخدع نفسه بأنه المسيطر والحقيقة أنه جعجاع ، ولا يجرؤ على مخالفة زوجته في أي شيء ، وهناك صاحب العقل الواعي ، والذي يسيطر دون إعلان أو حتى محاولات إثبات رجولته وسيطرته . فالكيميا بين أي زوجين هي علاقة خاصة جدا ، لا يمكن تنميطها أو حصرها في شكل محدد .

ونتيجة لشكل حالة الاتزان الأسرية بين الرجل وزوجته ، تكون شكل التنشأة للأبناء وقناعاتهم الأولية التي يبنى عليها جميع أخلاقياتهم المكتسبة ، ومنها أشكال التعامل مع الجنس الآخر ، فالبنت التي عاشت في كنف أسرة تسيطرالمرأة تماما على مقاليد الأسرة ، تختلف كثيرا عن البنت التي تتمتع أسرتها بسيطرة الأب واحترام وجوده وكلمته ، فالأولى قد لا يملأ عينها رجلا ، ولن تقبل أن تكون زوجة لرجل قوي أو مسيطر بالفطرة ، والبنت التي نشأت في أسرة سوية للأب فيها قدرته وهيبته ، لن تستقيم حياتها مع رجل مازوخي (يستمتع بخضوعه للمرأة) ، ولذلك يجب أن نراعي التوافق عند الزواج ، وهو ما نسميه بالكفاءة النفسية ، فقد تعشق البنت الصورة الخارجية المبهرة للشاب ، وكذلك الشاب قد تأسره أنوثة وجمال البنت ، ولكن بعد إتمام الزواج بفترة قصيرة قد لا تتعدى أيام ، قد يفاجئونا بطلب الانفصال أو بداية مشاكل لا حصر لها ، وذلك لانعدام (الاتزان النفسي) الكفاءة النفسية بينهما ، وباختصار أنها اكتشفت أنه مخالف لصورة الرجل الذي تحلم بوجوده في حياتها ، وبالتالي فهو أيضا وجدها مخالفة لصورة الأنثى التي يحلم بوجودها في حياته ، وهنا قد تستحيل العشرة بينهما ، إلا لو كان أحدهما مخطيء في مفاهيمه ولديه الشجاعة والاستعداد لتغييرها وقبول التعامل وفق مفاهيم مختلفة .

Lovepik- صورة EPS-380564682 id الرسومات بحث - صور الزواج المرسومة شخصيات  كرتونية من العروس والعريس المتجه,زوجة

لاشك أنه من المستحيل أن تتطابق المفاهيم النفسية لأي شخصين على ظهر الكرة الأرضية ، فالمفاهيم النفسية تتشكل تبعا لعوامل غير محدودة ، بل وفيها عوامل غالبا ما يخفيها صاحبها عن العالم ولا يبوح بها لمخلوق ، وأحيانا تكون دوافع غريبة وغير منطقية ، ولكنها النفوس وعجائب تكوينها ، وأحيانا تكون الدوافع لتكوين المفاهيم النفسية عبر حياة الإنسان قادمة له من خارج عالمنا تماما ، وتلك حالات نادرة وخاصة جدا ، ولها قيمها وأساليب علاجاتها ، خاصة لو كانت الولد أو البنت قد وقعوا ضحية لمردة أو شياطين من الجن في طفولتهم ، أو يكون الأشخاص شديدي التأثر بشخصياتهم في أبعاد زمكانية أخرى ، وتلك حالات نادرة حيث من المفترض وجود فاصل زمكاني قائم لا تراه عيوننا ، ولكننا قد نلاحظه جيدا ، عندما نستيقظ ونحن لدينا حالة من السعادة المفرطة دون سبب منطقي معروف ، أو العكس لو استيقظنا ولدينا حالة حزن أو اكتئاب غير مبرر منطقيا ، وعندها نكون متأثرين بأحداث تعرضنا لها في أبعاد أخرى ، وهو ما قد يرفضه كثير من البشر ،  ظنا منهم أن حياتنا التي نحياها هنا هي الوحيدة وهي لمرة واحدة فقط ، وبعدها سوف نظل منتظرين يوم الحساب في القبور ، كما خدعونا منذ نعومة أظافرنا ، وهو ما استنكره الخالق العظيم ووصفنا بالجهل واتباع الظنون بقوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، وبالتالي لا نستطيع أن نقبله اليوم في زمن النانو متر والنانو ثانية ، خاصة بعد اكتشافنا أن كل المخلوقات وحركاتها وتأثيراتها وآثارها إلى يوم القيامة .. هي درجات ومستويات وكثافات مختلفة من الفوتونات .

فكرة عمل ضوء الفلوريسنت النيون - شبكة الفيزياء التعليمية

ولا شك أن حالة الاتزان الكوني في علاقات البشر ببعضهم البعض هي حالة فطرية ، ومتأثرة تماما بمنظومة الكون بما فيها مواقع وحركة النجوم والمتأثرة بالحركة الأكبر للمجرات ، فمنظومة الكون كلها مترابطة ومتزامنة بقوة ودقة متناهية ، ولا سبيل لاختراقها أو التأثير عليها ، ولذلك فكل فعل لابد وأن يكون له رد فعل مساوي له ومضاد له ، وذلك لتعيد الاتزان الذي حاول الفعل اختراقه أو مخالفته ، ولذلك فمن قمة الغباء أن يحاول الإنسان اختراف أو مخالفة نظم الخالق وقوانينه استجابة لأهوائه ورغباته ووسوسة الشياطين أو تقليدا لغيره من االبشر ، ظنا منه أن ذلك لن يرتد عليه بالسوء ، حتى ولو كان التصرف ضعيفا ومحدودا ، فابنتك التي تستمتع بعرض مفاتن جسدها في ملابس وبنطلون ضيق ، وابنك الذي يتنطع ويخرج من بيتك مرتديا شورت يظهر ساقيه كنوع من الحرية ، لا يعلمون أنهم ببتجاوزهم لحدود الاتزان الكوني المفروضة من الله ، هم يفتحون على أنفسهم أبواب اللعنة الكونية متمثلة في تحويلهم إلى محطات استقبال لفوتونات أمراض ومصائب وفشل لا حيلة لهم معها ، وأخطرها أمراض النفوس قبل الأجساد ، والتي تدمر الإنسان وتسلمه لهلاكه وخسارته لدينه ودنياه دون أن يدري .

ما تراه في الصورة يكشف عما يجذب الناس إليك

ولا عجب لو علمنا .. أن الخالق العظيم ، لا يصيب عباده العاصين مباشرة بالعقاب لحظيا ، وذلك لأن قوانين خلقهم تحمل قدرات التدمير كما تحمل قدرات النمو والتطور ، والإنسان هو من يختار ما سوف يحدث له ، وكل ذلك خاضع لقوانين خلقه العلمية البحتة والدقيقة ، ولكن للأسف لا يعلم ابن آدم منها إلا قشور ، وبل يجهلها تماما عندما يفرق كثيرا ما بين الحرام شرعا ويظن أن تحريمه لا علاقة له بالعلم الدقيق ، فيفرق بين الحرام وبين الخطأ العلمي ، مع أن الحقيقة أن ما حرمه الله هو في الحقيقة قد حرمه لمخالفته أدق القوانين العلمية المبني عليها خلق وتكوين الإنسان ولذلك ترك الله ابن آدم يفعل ما يشاء ، وسوف يعرف يوما ما أنه قد دمر نفسه بيديه وجهله بعد فوات الآوان ، تماما مثل عقاب من يعتاد السهر ويحترفه سنوات عمره ، فيعاني من تزايد الغباء وضعف الذاكرة وضعف التحمل عنده ، وقد لا ينتبه لما يحدث له ، حتى يسقط ضحية السرطان أو الزهايمر أو الفشل الكلوي أو الكبدي أو العصبي فيكون عبرة لمن يريد أن يعتبر ، ورغم ذلك فمن الصعب أن يقتنع بذلك كثير من الناس خاصة بين الشعوب العشوائية كالمصريين للاسف .

ما تراه في الصورة يكشف عما يجذب الناس إليك

أخيرا .. لابد أن ندرك .. ثم نوقن بأن منظومة خلق الإنسان هي أحد المنظومات الدقيقة من منظومة خلق الكون كاملا ، وأن هذا الكون له شفرته الخاصة والموحدة في جميع مخلوقاته ، ولا حيلة لمخلوق لتغيير هذه الشفرة ، أو اختراقها ، ولكن أقصى ما يمكن لبشر أن يفعله هو الإضرار بنفسه ومن حوله ، فيتلقى العقاب السريع في حياته من فشل ومرض وشقاء وخسارة ، وهو لا يغني ولا يمنع العقاب في الآخرة لو مات مصرا على خطأه دون أن يتوب ويستغفر ، لعل الله يغفر له ما قدمت يداه ، ولعله يستطيع في رحلة أخرى أو قادمة أن يصلح ما أفسده ، فالنفوس تتعلم وتحمل دوما ميراثا تاريخيا نفسيا لا يزول ولا يتلاشى لمجرد مغادرة الجسد للوفاة ، ولكن يتزايد الميراث التاريخي للنفس عبر رحلاته المتتالية في الدنيا ، وعبر الأبعاد الزمنية المختلفة ، وهو ما سوف نتعرض له لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

عالم النفوس .. بين الحقيقة والخيال (2) … بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند الحركة الرئيسية للنفوس عند مغادرتها للجسد للنوم ، وقلنا أن .. الغرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *