لا شك أن البشر عندما تضيق بهم الدنيا يلجأون للمجهول ، باحثين عن شعاع أمل في نهاية النفق المظلم ، وهي فطرة بشرية تلقائية ، لا ذكاء فيها ولا حيلة للإنسان أن يتحكم فيها بالمنطق ، لأن البديل هو الانتحار كما ينزلق إليه الملحدون ومعدومي الإيمان ، فهي أحد أبرز وسائل الدفاع النفسية ، والتي تحتمي بها النفس البشرية من خطر الانهيار ، ولكنها في الوقت نفسه دليلا واضحا عن معاناة الإنسان ، عندما يواجه ما لا قدرة له على مواجهته أو استيعاب نهايته ، تماما مثلما يواجه العرب استفحال جرائم الكيان الصهيوني وتجاوزه لحدود المنطق والإنسانية ، فلا يملك العامة في العالم وفي الدول العربية والمسلمة خاصة ، سوى أن يبحثوا عن بارقة أمل لإيقاف هذه الجرائم ، فتنفجر بالوعة النبوءات بكل ألوانها الدينية الحقيقية والتنجيمية والتخيلية ، ولكن أن يخرج علينا رئيس وزراء الكيان وسفاح غزة (نتن ياهو) ، فيلجأ لنفس الحيلة ، ويتحدث عن نبوءة أشعياء ، والتي يرى اليهود أنها وعدتهم باتساع أرضهم من النيل للفرات ، وتدمير مصر على وجه الخصوص ، فذلك مدلوله خطير ، وتشير لقدور الجهل والحماقة المتمكنة من الصهاينة وخاصة هذا الرجل ، والأهم أنها صرخة ما قبل الانهيار ، والتي توضح مدى فداحة الخسارة لكل ما خطط له ، في محاولة يائسة ليطمئن بها نفسه وشعبه ، والذي يطالب بعزله ومحاكمته ، فلما لم يجد نفعا من هرتلاته أصابه الانهيار العصبي فدخل المستشفى وخرج منها أكثر انهيارا وجنونا .

وقبل أن نتوقف كثيرا عن مصداقية النبوءة ، لابد أن نتدبر جيدا حجم الضلالات والدجل في مفاهيم البشر ، لدرجة أننا نعيش اليوم زمن الدجال بكل ما تعني الكلمة من مفاهيم ومعان حقيقية وحرفية ، وناهينا عن أوصاف الكتب الصفراء والأساطير للدجال صاحب القرون والعين والوحدة ، والأم اليهودية كما يقول حديث (البخاري) رقم (43) من أحداث النهاية ، ولا هو أيضا الدجال المسجون من قرون طويلة في جزيرة مهجورة كما جاء بالحديث رقم 44 من أحاديث النهاية في نفس الكتاب (البخاري) ، فالدجال الحقيقي هو زمن تحولت فيه الحقائق إلى بهتان لا يصدقه أحد ، والباطل والضلالات إلى حقائق وثوابت حياة في كل بيت ونفس ، ولم يأتي هذا فجأة ، ولكنه جاء تطورا منطقيا لقرون طويلة من تفشي واستشراء لللفساد والإفساد والتزوير للحقائق والكتب السماوية ، وقيم الدين والأخلاق التي يعرفها معظمنا ، ولكننا نغمض العيون والقلوب ، ونستمتع بضلالات الحياة وشهواتها ، رافضين مواجهة الضلال والدجل في حياتنا والتي بدأت بتزوير التوراة والإنجيل ثم انتهت بتزوير مفاهيم الكتاب الخاتم أو نسميه مجازا (القرآن العظيم) ، ولا يستطيع عالم أو كاهن مسيحي أو يهودي أن ينكر أن الكتاب المقدس هو مؤلف بشري ، ونبوءاته جميعها مجرد خزعبلات وخرافات نفسية لمن ألفها .

بل إن كثيرا من رجال الدين المقارن اليهود والمسيحيين في العالم أثبتوا أن جميع نبوءات الكتاب المقدس ، ليست أكثر من خزعبلات نفسية لبعض اليهود في أزمان انتكاساتهم وقهرهم وتشردهم ، لبث الأمل لدى الشعب اليهودي في حينها ، وأجمع علماء الأديان في الغرب ، وفي كثير من الجماعات اليهودية بل وفي مؤسستهم الدينية للمسيحيين المسماة بالفاتيكان نفسه ، قالوا صراحة .. أن نبوءات الكتاب المقدس عن المستقبل هي مجرد خرافات لا قيمة لها ، ولكنها تحقق الهدف منها بإقناع العامة والجهلاء من المسيحيين واليهود لدعم مخططات الماسونية وذراعها في المنطقة (إسرائيل) ، كما أنها تخيف بعض العرب والمسلمين ، ولكنها لا ترقى مطلقا لتكون وعودا من الله ، أو حتى كلاما يمثل أمانيا وأحلاما لبعض الأنبياء في زمن الشتات اليهودي ، خاصة عندما نجد اعترافا يهوديا بأن التلمود هو كتاب أدبي زاخر بالأحقاد والضلالات والأكاذيب والمؤمرات ، وأنه سيكون سببا في هلاك ونهاية اليهود في العالم .

والمتتبع لتاريخ الدجل بداية من كتاب التلمود (كتاب الدين اليهودي البديل للتوراة) يجده مجلدات تصل إلة (18 ألف) صفحة ، ومؤلف من قسمين رئيسسين ، والقسم الأقدم منه هو (المشناه) ، والذي يرجع تاريخ تأليفه إلى (190 – 220) ميلاديا ، والمشناه هي أول لائحة قانونية وضعها اليهود بأنفسهم ، وجمعها (يهوذا هناسي) بعد قرن من تدمير تيطس الروماني للهيكل اليهودي المقدس ، أما القسم الثاني وهو (جمارا) ، فهو يتكون من نوعين ، الأول هو (جمارا فلسطين) وهو خلاصة المناقشات التي أجراها حاخامات طبرية لشرح أصول (المشناه) ، والثاني هو خلاصة مناقشات الحاخامات حول التعاليم والوصايا الشفوية التي تناقلوها عن موسى والأنبياء ، بعدما أخفوا ألواح توراة موسى وادعوا ضياعها ، ويعود تاريخ (الجمارا) إلى عام (400م) ، وبالتالي فالتلمود تم تأليفه بعد وفاة نبي الله موسى بما يزيد عن ألفي عام (2000) سنة ، لأن الفترة ما بين النبيين موسى وعيسى تزيد عن 1500 سنة والبعض يقدرها بأكثر من 1700 سنة ، ويقوم التلمود على بعض الأسس التي يعتبرونها أساسا للإيمان ، وأولها أن اليهود فقط هم البشر ، وغيرهم من عامة الناس هم حيونات بسشرية خلقهم الله على صورة البشر ليكونوا خداما لليهود ، ومن لا ينفذ هذا فهو لا يستحق الحياة ، وقتلهم ونهبهم وإذلالهم هو تقرب إلى الله .

وهنا نتوقف .. ونتساءل .. ما هي قدور مصداقية كتاب تناقله كهنة اليهود شفاهة ، عبر عشرين قرنا (2000 سنة) من الزمان ، ثم قرروا بعد (2000) الفي عام أن يجعلوه كتابا ، ولم يتفقوا عليه إلا بعد مناقشات دامت قرابة القرنين (200 سنة) من الزمان ، خاصة وأننا كبشر نعلم جيدا قدرات البشر على تحريف الأصول المتناقلة في سنوات بل في أيام قليلة ، ولا سيما لو كان البشر هم (بنو إسرائيل) الكذبة وقتلة الأنبياء ، ومحترفي الضلال وسوء الأدب حتى مع الله سبحانه ، ونتذكر هنا تحديدا لماذا منع رسول الله خاتم المرسلين أصحابه أن يكتبوا عنه ، ولم يكتب عنه أحاديث إلا بعد وفاته ، وقال (صلوات ربي وسلامه عليه (إذا جاءكم عني ما يخالف كتاب الله فاضربوا به عرض الحائط) ، وبالتالي فقدور مصداقية التلمود معدومة ، وهي تقديرات مراكز البحوث الاستراتيجية والعلمية لأية موروثات شفهية تم تجميعها ، ناهينا عن مخالفة نصوصه لكل الحقائق العلمية والكونية ، وانحراف معظم رواياته عن القيم والأخلاق ، وامتلاء آياته بكثير من العبارات التي لا يليق صدورها من بشر ذوي أخلاق أو احترام ، ومع ذلك ينسبونها لله تعالى .

وناهينا عن نبوءات وتخاريف اليهود أو أطماع بني إسرائيل ، والفارق بينهما كبير ، فاليهود هم (أسباط اليهود) وهم أحفاد نبي الله يعقوب الإثنى عشر ، أما بنو إسرائيل فهم أحفاد (إسرائيل) وهو رجل ممن آمنوا بنوح وركبوا معه السفينة ، فبني إسرائيل هم تاريخيا أقدم من اليهود بأكثر من ألفي سنة على الأقل ، وبنو إسرائيل هم قوم قد احترفوا الضلال والبهتان من بعد نوح ، وعملوا كخدام لإبليس ، وهم أول من ابتدعوا (القبالا) ، وصوفية القبالا ، والتي تطورت عبر التاريخ واتخذت مسميات متدرجة ، مرورا بفرسان الهيكل ، فرسان المعبد ، ثم الماسونية ، والنورانيين ، والتي ولدت من رحمها تنظيم الصهيونية اليهودي ، والتي صنعت إسرائيل ووضعتها في قلب الأمة العربية والمسلمة بأكذوبة أرض الميعاد ، والتي خدعو بها اليهود ليستخدمونهم لتفكيك المنطقة ، وتاريخيا قد التقى بنو إسرائيل ياليهود في مصر ، فبني إسرائيل دخلوا مصر مع الهكسوس المحتلين (الأشوريين) ، وفي مصر التقوا بأسباط اليهود ، والذين دخلوا على يد نبي الله يوسف ، وبطرد الهكسوس من مصر ، أستعبد المصريون كل من اليهود وبني إسرائيل ، والذين كانوا أقرب المقربين للهكسوس وخدمتهم الأوفياء ضد المصريين ، فاتحد بنو إسرائيل مع اليهود تحت مظلة الديانة اليهودية .

فأرسل الله نبيه موسى من اليهود إلى فرعون لإنقاذ بني إسرائيل ، لأنهم كانوا هم الأغلبية ، لينقذهم من استعباد المصريين لهم ، وخرجوا جميعا مطاردين من مصر ، فما استقاموا مع موسى ، بل أذاقوه كل ألوان المعاناة والتمرد والعصيان ، حتى عبدوا العجل ، وطلبوا أن يروا الله جهرة ليؤمنوا به ، فكتب الله عليهم التيه اربعين سنة ، ثم قتلوا الأنبياء من بعده ، وعصوا رسلهم وملوكهم ، حتى لعنهم نبيهم (داوود) ومن بعده لعنهم (عيسى) عليهما السلام .. { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ } المائدة78 ، وقد أقام نبي الله داوود لهم أول مملكة في الأرض المقدسة ، بعد معاناة شديدة معهم ، وورثه سليمان ، ولكنهم فسدوا في الأرض من بعد سليمان ، وانقسموا لدولتين ، الأولى يهوذا في الجنوب (لليهود) ، والثانية بمسمى (إسرائيل) لبني إسرائيل في الشمال ، وازداد فسادهم وانحرافهم ، فأرسل الله عليهم نبوخذ نصر الثاني ، فدمرهم دولتيهم وقتل رجالهم وسبى نساءهم وأطفالهم ، وأعاد الله لهم بعد عشرات السنين دولتهم في الأرض المقدسة ، ولكنهم فسدوا سريعا ، فدمرهم الرومان وشردوهم واسعتبدوا من بقى منهم ، حتى بعث الله نبيه (عيسى) ، لعلهم يهتدون ، فتآمروا على قتله ، حتى رفعه الله إليه ، وقد كتب الله عليهم الشتات في الأرض ، عقابا لهم على أصرارهم على الفساد في كل مكان دخلوه ، ووعدهم الله بنهايتهم عندما يجتمعون في دولة واحدة ، وتكون نهايتهم مع العقد الثامن ، وهي لعنة العقد الثامن التي يعلمونها جيدا وتعربهم جميعا .

ولا شك .. أن بني إسرائيل وجماعاتهم من عبدة الشيطان ، قد تولت مهمة تزوير كل كتاب سماوي أنزل للبشر ، فأخفوا التوراة ، وألفوا التلمود ، ثم أخفوا الإنجيل ، وألفو مئات الإناجيل ، ويذكر التاريخ أن الوزير اليهودي حيرام وقد كان الوزير الأول للامبراطور الروماني الوثني قسطنطين ، هو صاحب فكرة إقامة مجمع نيقية المسكوني الأول ، لتجميع الأناجيل بحجة توحيدها ، وقد كان هذا اليهودي هو صاحب فكرة تأليه المسيح وفكرة الثالوث المقدس ، ، والتي ابتدعها ليرضي جميع الأطراف ، حيث كان الرومان منقسمين لمسيحيين ووثنيين يؤمنون بتعدد الآلهة ، وأن الآلهة تنجب ولها زوجات وعائلات وعشيقات من الإنس ، فقام حيرام وزير قسطنطين بحرق جميع الأناجيل التي جمعها ، وعرض عليهم أربعة أناجيل ليوافقوا عليها ، وأعطاهم مهلة ، ثم قام بعدها بإعدام كل من لم يوافق على الأناجيل الأربعة ، والتي هي اليوم الأناجيل الأربعة المقدسة المعروفة ، ويذكر المؤرخون المسيحيين والمنقحين للإنجيل صراحة ،أن الآباء الأوائل للكنيسة) ما قبل نيقية (ANF) كانوا كلهم موحدين (مؤمنين بعقيدة الله الواحد) ، حيث كان الموحدين (المؤمنين بعقيدة الله ذو الاقنوم الواحد) هم الحزب القديم صاحب العقائد الأصلية للكنيسة الرسولية و أن هذا الواقع لا ينسى أبدا.

وبالطبع لم يكتف بنو إسرائيل بتأليف التلمود وتزوير الأناجيل ، حيث ظهر بعد أقل من ستة قرون من رفع المسيح ، رسول كانوا ينتظرونه ، ويدعون أنه سيكون منهم ، ولكنه جاء من الفرع الإسماعيلي وليس من فرع جدهم إسحاق ، ولذلك كرهوه ورأوا فيه أنه يهدد كيانهم ومخططاتهم للسيطرة على العالم ، خاصة وأنه جاء معه بكتاب هو الأخطر على الإطلاق عليهم عبر تاريخهم ، وهو كتاب الله المكون من جزأئن كبيرين هما (الفرقان + القرآن العظيم) ، وهذا هو أول تزوير نشروه وجهلوا المسلمين فيه ، حتى أن علماء المسلمين ومشايخنا لا يعرفون الفرق بين الفرقان والقرآن ، وقد تعمد اليهود ذلك ، لأن كلاهما فيه خطر كبير على بني إسرائيل ، ولمن لا يعرف ، فالفرقان هو ما جاء بقوله تعالى { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } الفرقان1، والقرآن العظيم أشار الله له ثم قوله تعالى .. { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } الحجر87 ، والفرقان هو الآيات التي تفرق بين الحق والباطل في حركة حياة البشر ، وهي آيات (الفروض والحدود والمعاملات + آيات القصص والعبرة) ومجموع هذه الأيات لا يتجاوز 40% من كتاب الله تعالى ، وآيات هذا الفرقان قد نزلت لتعدل وتطور وتنسخ آيات فرقان موسى .. { إِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } البقرة53 ، حتى تتناسب الحدود والأحكام والمعاملات مع تطور وارتقاء الميراث التاريخي للبشر ، والذي وصل للرشد البشري في عهد خاتم المرسلين ، وهو ما أشار إليه الجن بقولهم .. { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } الجن10 .

أما القرآن العظيم فهي أيات (التوحيد والعقيدة + آيات الغيب والحكمة + آيات الخلق والعلوم البحتة) ، وتعد آيات الخلق والعلوم والبحتة هي أكثر آيات القرآن العظيم عددا ، حيث تبلغ أكثر من (90%) من القرآن ، وتتجاوز أكثر من 50% من كتاب الله كاملا ، وقد وجد بنو إسرائيل صعوبة كبيرة لقرون طويلة في محاولات تزوير كتاب الله ، فالفرقان بآيات (الفروض والحدود والمعاملات) أصبح متوغلا في حياة المسلمين ، ومتوارث بينهم ، ولم يجدوا حلا لتزوير مفاهيمه ، سوى أن يدسوا بين المسلمين علماء ومشايخ يفسرون الكتاب تبعا لأهواءهم ، ووجدوا في السنة النبوية والأحاديث مرتعا خضبا ليدسوا سمومهم وخرافاتهم ، فدسوا في أقل من مائة سنة أكثر من 20 ألف حديث موضوع ومكذوب عن رسول الله ، وألفوا مئات الكتب وآلاف المخطوطات التي دسوها لتكون أساسا للدين ، وألفوا عشرات الآلاف من الكتب في شرح آيات الفرقان ، والسنة والنبوية والسيرة ، وكانوا أذكياء فلم يحاولوا إعلان الشرك بالله مثلما فعلوا مع الإنجيل ، ولكنهم اكتفوا بتزوير المفاهيم ، وعلى رأسها مفهوم العبادة ، والتي هي في حقيقتها لا علاقة لها بالإيمان أو آداء المناسك (الصلاة – ذكر الله – الصيام – الزكاة – الحج) ، والتي هي مناسك (مراسم) الخضوع لله والهدف منها هو الاستقامة في تنفيذ مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، وهي إعمار الأرض كخلفاء عليها ، ولكنهم زوروا هذا المفهوم ، واقنعوا العامة والمشايخ والعلماء بكتبهم المدسوسة أن العبادة هي (المناسك) ، ومن أداها دخل الجنة .

وعجبا صدقهم المسلمون ومشايخهم ، ولم يلتفتوا لتسمية الله الكفرة به بلقب (عبادي) في أكثر موضع أشهرها قوله تعالى .. { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} الفرقان17، والأعجب أننا لم ننتبه أن إعمار الأرض جعله الله فطرة في نفوس كل خلقه مسلمهم وكافرهم وملحدهم ، فالكل يولد وهو يسعى للحياة بأفضل ممن سبقوه ، وذلك هو الإعمار عينه ، وقد جعل الله الإعمار فطرة في النفوس ، لأنه ببساطة ما كان لمخلوق خلقه الله ليعمر مكانا ، أن يكون له القدرة الفطرية على مخالفة ذلك ، إلا أن تكون فطرته قد فسدت أو تعمد إفسادها ، وهنا لابد أن تكون عقوبته هي الأشد ، ولذلك عجبا أننا لم ننتبه أن العقوبة الوحيدة التي فصلها سبحانه وجعلها خزيا في الدنيا وعذابا عظيما في الآخرة هي عقوبة الإفساد في الأرض ، والتي لم يفرضها سبحانه على الكفر ولا الشرك ولا أية خطيئة من الكبائر ، بل اعتبر سبحانه الإفساد في الأرض بمثابة إعلان الحرب على الله ، فقال سبحانه .. { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } المائدة33 ، والأغرب أن جهابذة اللغة لم يفقهوا معنى العابد والعباد وهم من يؤدون مهمة العبودية بإرادتهم وفطرتهم ، وبالتالي فمن المستحيل أن يكون العباد هم المؤمنون فقط ، بل هي لعامة البشر الذين يعمرون الأرض بفطرتهم ، وبالتالي فالعبادة هي آداء مهمة العبودية التي خلقهم الله من أجلها وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، ولذلك جعل الله من يتقن إعمار الأرض سيدا عليها حتى وإن كان كافرا وملحدا ، وهو ناموس الله النافذ على الأرض ، ومن يهمل إعمار الأرض أو يفسدها كأنه أعلن الحرب على الله ، لأنه كفر بقيومية الله وظن أنه أعلم من الله بدينه ، فادعى أن الدين في المناسك والتقرب إلى الله ، فأولئك مع إبليس في الدرك الأسفل من النار ، وعلماؤهم هم أول من يحمى بها نار جهنم ، وكذلك ترك مناسك الخضوع والاستقامة متعمدا ، هو أيضا كفر بقيومية الله ، ومن يشدد فروض وحدود الله فهو أيضا كافر بقيوميته ، لأنهم يرون أنهم أعلم من الله تعالى بدينه ، ويتجاهلون قول الحق .. قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الحجرات16.

وبتزوير مفهوم العبادة ، كان من السهل قبول تزوير جميع مفاهيم دين الله وتفريغه من مضمونه ، ونشر الضلال بين المسلمين ، وكان وما يزال الهدف من هذا التزوير قائما وفاعلا ، وهو تحويل المسلمين من علماء عاملين إلى دروايش لا قيمة لهم ، وقد نجحوا بامتياز في ذلك ، فبعد ظهور أكثر 600 عالم مسلم في شتى علوم الدنيا ، ونقلوا البشرية لقلب التقدم والحضارة ، تم سجن وقتل معظم هؤلاء العلماء في السجون بتهم الزندقة والفسق لأناستخرجوا علوما من آيات القرآن العظيم ، بدسيسة ووشاية رجالهم المقربين للحكام ، وفتاوى علماءهم المدسوسين بين المسلمين ، وحتى تكتمل خيوط المؤامرة على البشرية ، سرقوا كل ما ألفه واكتشفه العلماء المسلمين من حقائق عملية ، وهربوها إلى أوروبا ، وركزوا اهتمامهم على التأكيد على علماء الدين والمشايخ بحماية وحراسة عملية إغلاق أبواب الفهم والتدير لكتاب الله ، خاصة القرآن العظيم ، بعدما علموا وتأكدوا أنه يحوي أكثر من (3000) ثلاثة آلاف آية تتحدث عن حقائق الكون العلمية ، وبالفعل هجر المسلمون آيات القرآن العظيم واعتبروها آيات متشابهات ، يقرأونها للتبرك ونيل الحسنات ، فهجرو القرآن تماما وشهد الله عليهم .. { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } الفرقان 30 ، وبلغ الهجران أنهم أنكروا علوم النفس التي بلغ عدد آياتها (424 آية ) ، وصدقوا علوم النفس من الكفرة والمشركين ، وتناسوا أن كتاب الله هو كتاب علم ، فيه أساس كل العلوم التي شاء الله أن يتعلمها ابن آدم ليعمر بها الأرض ، ولذلك قال سبحانه وتعالى .. { مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } الأنعام38 ، وانهارت حضارة المسلمين ، وبني على أنقاضها حضارة الماسونية الغربية الحريصة على تخلف المسلمين بل والبشر جميعا ، ليسهل السيطرة عليهم لحساب إبليس لعنه الله .

وتلك هي الحقيقة ، فلم يسلم كتاب واحد من كتب التفسير والحديث والفقه من التزوير للمفاهيم ، ولم تسلم العقول والقلوب من الانحراف لدرجة الحرص الشديد من المشايخ والعلماء على الاحتفاظ بشذوذ الفقه وكتب الغرائب والشطحات الفكرية على أنها علوم موروثة مقدسة ، كما ارتكب الجميع نفس الجريمة التي زرعها اليهود بينهم ، وهي الهروب من تحمل مسئولية الفهم والتدبر ، وأكذوبة السند والعنعنة ، حتى اصبحت البدع والضلالات أكثر من مفاهيم الدين نفسه ، ويكفي أن كتابا مثل البخاري يقولون عنه أنه أصح كتاب بعد كتاب الله ، هو صاحب ضلالة تعريف العبادات على أنها (الصلاة – الزكاة – الصيام – الحج – ذكر الله) ، وتلك هي قمة التزوير للدين ، والتي حولت المسلمين من علماء عاملون إلى دروايش لا قيمة لهم ، ودينهم مجرد آداء مناسك وشعائر ودنياهم مهدرة على الطعام والشراب والشهوة ، ، ناهينا عن تزوير معنى الدين نفسه ، والذي كانت نتيجته خسارة المسلمون جميعا لدينهم ودنياهم ، وظهور العلمانية والملحدين بين المسلمين ، حتى أصبح الدين مرتعا للخرافات والضلالات وعلى رأسها النبوءات ، وخزعبلات الجفر والدجل والسحر ، وهو ما ترجمه كتابا مثل شمس المعارف وغيره من الكتب الصفراء الخطيرة .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
