الفارق الرهيب بين الإنسان والخروف يراه بعض الناس لا شيء ، فكلاهما جاء الدنيا ليأكل ويستمتع ويتزاوج ويستخلف أولادا ، ثم يرحل بالموت ، ولكن ميزة الخروف أنه جسده بعد موته صالح لطعام الأحياء مباشرة دون المرور على سلسلة الغذاء التحللية مثل الإنسان ، بل إن البعض خاصة الذين يحترفون التحكم في مصائر غيرهم قد يرون في الخروف فائدة أكبر من الإنسان خاصة لو كان الإنسان من (القطيع الحنجوري) .
والبشر عادة ينقسمون نفسيا وعقليا لفئتان رئيسيتان ، الأولى هم عامة البشر أو من يجوز تسميتهم بـ (الرعية) أو كما يسميهم البعض بـ (القطيع) تماما مثلما يطلق على عامة اليهود في نسخة الكتاب المقدس أو التوراة (خراف بني إسرائيل الضالة) ، وفئة العامة أو الرعية هم بطبيعتهم بسطاء قد منحوا عقولهم أجازات مفتوحة ، فهم يقلدون حتى في معتقداتهم ، فهم محدودي التدبر أو التفكر أو ونادرا ما يحاولون فهم ناموس الكون في حركة الحياة ,التي نسميها بـ (الحكمة) ، فقلوبهم ليست مؤهلة أو ركنوا للراحة من عناء التفكر وجعلوا حتى قلوبهم مطلقة العنان تحب وتكره تقليدا بلا تفكر أو مراجعة أو تقييم ، وهذه الفئة تكد وتكدح أو تتكاسل وتتواكل تبعا لما تعتاده في المجتمعات حولها ، وبالطبع سوف نجد في هذه الفئة علماء وباحثين ومهندسين وقادة ووزراء وقضاة ورجال دين وصناع وحرفيين وغيرهم ، ولكن هؤلاء جميعا مقلدون ونقلة لا إبداع ولا جديد يمكن أن يضيفوه للبشرية فجميعهم تروس في عجلة الحياة ولكن من أهم أخطائهم وأخطرها أنه لا مكان للفهم إلا فيما تعودوا تقليده وفي الاتجاه الذي تم دفعهم إليها ، هروبا من المسئولية ، وهؤلاء ما أكثرهم في الحياة حتى أنهم يمثلون أكثر من 99% من البشر .
والفئة الرئيسية الثانية هم فئة أصحاب الفكر والحكمة ومن هؤلاء الأنبياء والرسل والعلماء المؤثرون في التاريخ البشري وهم من رزقهم الله الحكمة (فهم ناموس الكون في حركة الحياة) ، وهؤلاء قلة منتقاة من البشر لا يتكررون كثيرا ولكنهم مصابيح الفكر التي تضيء سماء الجهل للبشرية عبر التاريخ ، وهؤلاء هبة ومنحة ربانية يرسلها لإنارة المفاهيم وتجديد الفكر وتنقيح المعتقدات وتقويم المسار البشري في الدنيا ، ولا خيار لأحد أن يصبح منهم فالفهم والحكمة ليس خيارا لمن يريد ، {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، فهو منحة ربانية لقلوب واعية تمتلك عقولا نابهة ، وهم دوما مستهدفين من باقي الفئات سواء جهلا أو حسدا وحقدا أو حجودا كنتيجة منطقية لسيطرة الفئة الثالثة .
وثالث الفئتين هي الفئة (الشاذة والخطيرة) ، وهي الفرع الشيطاني من الفئة الأولى ، فهم بحق (الخراف الضالة) أو ما يمكن أن نسميهم (خدام إبليس) ، فهؤلاء رفضوا أن يكونوا تابعين لأصحاب الفكر والحكمة ، ولكنهم لا يملكون ملكات الفكر أو الفهم ، بل يتميزون بالغباء الشديد والجحود والحقد على الفئة الثانية ، وهو ما يفقدهم القدرة على بلوغ الحكمة (فهم ناموس الكون في حركة الحياة) ، فقرروا منذ فجر التاريخ أن يفرضوا سيطرتهم على البشرية بتزوير الفكر والرسالات السماوية وبث الضلالات واستغلال شهوات البشر ونقاط ضعفهم ، فظهرت الكبالا في زمن نوح عليه السلام بجماعات التصوف بخديعة التفكر في الذات العليا لله المنهي عنها ، وطوروها لدرجات أخطر بادعاء الذوبان في الذات العليا ، والتي تطورت إلى حالة حلول الذات العليا لله في بعض البشر ليكونوا أئمة ومرشدين للعامة ، والغريب أن هذا البهتان ما زال موجودا ومتفشيا في جماعات وفرق صوفية حتى اليوم ، ثم تطورت الكبالا عبر التاريخ مرورا بفرسان المعبد حتى وصلت لمسمى الماسونية التي افرزت الأخويات مثل (إخوان المسلمين) و (إخوان المسيحية) ، وأخوية الكاثوليك (الصهيونية) ، وهؤلاء وسيلتهم الأشهر هو السيطرة على المال والإعلام وتفجير شهوات البشر واستغلال نقاط ضعفهم ، وجنودهم وخدامهم دوما من الأغبياء والحمقى أصحاب الطموح الأكبر من قدراتهم ، وبالطبع ينتمي لهذه الفئة الخطيرة أنواع المجرمين والسفاحين وقادة الجماعات الإرهابية والعصابات ، ومن اختاروا أن يسيطروا على غيرهم دون وجه حق .
وليس عيبا في بشر .. أن يكون قدره ومكتوبه من (الرعية) , المكلفة بإعمال العقل والفهم والتدبر ، ولذلك يبقى الخطر الأكبر في الاستسلام لعمليات إلغاء العقل والتقليد لغيرهم دون أدنى محاولة للتعقل والمبادرة بتصحيح أو تقويم مسار حياته أو رفض ما يضره ، فاتخاذ القرار مهمة صعبة ومستحيلة بالنسبة لهؤلاء ، وأيسر منها التقليد والسير في الطابور حتى ولو كان الطابور يسير لهلاكه أو خسارته في الدنيا والآخرة ، وهو ما نراه معادا ومكررا بين البشر في كل يوم وساعة ولحظة ، فالعري وإظهار مفاتن للنساء من الفواحش الكبرى التي تدفع للفساد والأمراض الاجتماعية في جميع الأديان ، ولكن بسبب الاستسلام لفكر القطيع انتشر العري تحت مسميات التطور والفنون والجمال والموضة ، حتى في البلاد المسلمة والمسيحية بنساء وبنات عاريات وشبه عاريات تصف ملابسهن مفاتن أجسادهن بدقة مقززة ، ولا عقل ولا نخوة ولا ضمير ولا محاولة لتقويم ما فسد ، بل استسلام أحمق مدان ، رغم أن الجميع يعلم تماما أن ذلك مناف للعقل والمنطق والدين ، ناهينا عن بعض من فقدوا النخوة والرجولة ، ولا نستطيع أن ندين أو نتساءل أين في هذه الإناث حياءهن وطهر قلوبهن واستقامة نفوسهن وكرامة أنوثتهن التي لا يجب أن تكون مشاعا مباحا لعيون العامة ، فهي أسفا قد اعتادت العري بلا حياء منذ نعومة أظفارها ، فهي ضحية من علمها أن العري هو حرية شخصية وتطور ومدنية ، ورجال هم أقل من مستوى القوامة والمسئولية يتبعون القطيع .
ومن الأمثلة الفجة أيضا .. ما تورطت فيه الأسر العربية عبر عقود القرن الماضي وحتى اليوم من تفشي فكر التراخي والحنية في تربية الأبناء ، سواء تحت مظلة (الفشخرة) والكبر بالقدرة على رعاية الأبناء وتوفير كل متطلباتهم ، أو تحت شعار (الحنان الكاذب) بالرغبة في تجنيب الأبناء التعرض لمشقات الحياة ومصاعبها ، ومن هذا المنطلق تربت أجيال ناعمة الأيدي غير معتادة على تحمل المسئولية ، فرأينا من يتلقى مصروفه وقد تخطى الأربعين ، فقد اعتادوا الحصول على ما يتمنونه بلا أدنى مجهود ولكن بالواسطة أو الخطف ، بل والكارثة الأكبر هو ما نتج عن هذه التربية الناعمة المهدرة من ضعف صحي عام قد تفشى في الشباب حتى أن الناجحين في الكشف الطبي العسكري لا يتعدون نسبة 4% من الشباب ، سواء لسوء التغذية أو التدليل وندرة الحركة والنشاط ، وهو ما يوضح كثيرا من أسباب ارتفاع نسب الطلاق والمشاكل الأسرية بين الشباب ، فبرغم انتشار وسائل الإعلام والمعرفة وتعددها إلا أن كثير من الأجيال الجديدة لا تقرأ ولا تريد أن تعرف ، وكفاهم ما تعلموه (كما عودهم والديهم) أنهم جاءوا الدنيا ليتمتعوا ، فأصبحنا نعاني من تفشي الجهل والضعف الصحي والنفسي كنتاج منطقي لسوء التربية المسماة بتربية (القطيع) .
وأخيرا .. لا نستطيع أن نتجاهل أبرز علامات ودلائل تفاقم فكرالقطيع وتحوله إلى (القطيع الحنجوري) بين عامة البشر ، وهو ما تفشى في الإعلام وعلى صفحات التواصل الاجتماعي من احتراف الصراخ والشكوى وتحميل الغير مسئولية كل شيء سواء في صورة نقد أو رفض ، بل وأحيانا سباب لأي فئة أو للحكومة والدولة ، فالفاشل دوما يبحث عمن يتحمل مسئولية فشله وانفعاله دون فهم أو إدراك ، فما أكثر الشاكين من انعدام الوظائف وندرة العمل دون أن يلاحظوا تزايد ظاهرة العاملين من طلبة الكليات والمدارس وبمرتبات يحلم بها العاطلون ، لأن هؤلاء الطلبة فقط جادون في رغبات العمل ومطورون من قدراتهم ، وما أكثر الشاكين من ارتفاع الأسعار في حين تكلفة كماليات حياتهم تمثل أكثر من 75% من مصروفاتهم اليومية ، لأنهم يجهلون أن قدوتهم وقبلة أحلامهم من مواطني الدول المتقدمة لا تمثل الكماليات أكثر من 25% من مصروفاتهم ، وما أكثر الشاكين من الفساد وهو أنفسهم لا يرفضون الرشوة ولا يتحركون إلا بالواسطة وربما من سارقي الكهرباء أو خطوط الانترنت ، ويعشقون السير في الممنوع والتنطع على البشر والقاء القمامة في الطرقات ، وهم من المؤكد معذورون لانتمائهم لفئة (القطيع الحنجوري) .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
