حياة البرزخ … من ضلالات البشر … بقلم : جمال عمر

لا شك أن البشر .. قد احترفوا ابتداع الضلالات .. بل وحولوا كثير من الضلالات إلى ضلالات مقدسة .. وذلك دون استثناء لجنس أو عرق أو في زمن محدد .. فالبشر كما قلنا من قبل .. قد وهبهم الله أحد صفاته الرائعة وهي الإبداع (الرغبة في الإتيان بالجديد) ، وذلك لتعينهم على تنفيذ المهمة التي خلقهم الله من أجلها .. وهي إعمار الأرض كخلفاء عليها ، والحقيقة أن تلك الصفة الفطرية هي من أروع ما منحنا الله ، ولولاها لكنا مثل باقي خلقه نعيش في الكهوف ، ونأكل كما تأكل الحيوانات والطيور ، ونتعامل بالغرائز فقط ، فهي السبب في تطور وتقدم حياة البشر على الأرض ، إلا أن ابن آدم ونتيجة لسوء استخدامه لهذه الصفة ، حول هذه الصفة الفطرية إلى أخطر ما يهدد حياة البشر ومستقبلهم على الأرض ، فعبر تاريخ البشر تعمد بعض البشر تزوير وتحريف كل الحقائق من أجل التميز والابتداع ، وأخطر ما زوره الإنسان هي رسالات الله إليهم ، وراينا تزوير التوراة والإنجيل كأحد أبرز نتاج سوء استخدام الإنسان لفطرة الإبداع ، فأخفى اليهود التوراة وأخرجوا لنا توراة محرفة ومعها التلمود الذي لا علاقة له بدين الله ، وسرعان ما استولوا على نسخة الإنجيل الأصلية وأخفوها ، ثم أخرجوا للدنيا أكثر من ثلاثمائة أناجيل ، ثم اختصروها لأربعة أناجيل تحمل داخلها دعائم هدمها وأخطر قيم التشكيك في صحتها ، خاصة ما يتعلق بالحقائق العلمية البحتة ، ثم التشويه المتعمد لكل الرسل والأنبياء ، فضلا عن القصص الجنسية والقصص المنحرفة ، وذلك بخلاف الابتداع المقصود لخطيئة التثليث ، والتي لا وجود لها في الأناجيل ولكنها الأساس الأكبر للمسيحية ، وبالطبع لم يخلو الإسلام من ضلالات البشر عبر تاريخه وحتى اليوم .

وبالرغم من فشل البشر في تحريف القرآن العظيم حتى اليوم ، إلا أنهم زوروا معظم المفاهيم الأساسية للدين ، بداية من مفهوم الدين نفسه ، والذي أوضحه الله بأنه معتقدات الإنسان التي يتصرف تبعا لها تلقائيا في كل حركة حياته ، وهو ما يعني أن كل حركة وسكنة وتعاملا هو نابع من دينه ، فالعلم دين ، والعمل دين ، والمعاملات دين حتى موته هو من الدين ، ولكن بني  آدم حصروا الدين في مناسك الخضوع والتقرب إلى الله ، ليفصلوا حركة حياتهم عن مراد الله منهم ، وبالتالي زوروا مفهوم العبادة والذي حصروه هو الآخر في آداء المناسك رغم أن الله سماها مناسك ، ولكن بعض العلماء المندسين أطلقوا على المناسك مسمى (العبادات) ، ليحولوا المسلمين إلى دراويش لا قيمة لهم ، وصدقهم العامة وتراجع العلماء عن كشف حقائق التزوير ، وبالتالي تتابعت عمليات التزوير للمفاهيم تباعا مرورا بالأرزاق وحقيقة الموت وما بعده ، وهو ما لابد وأن نتوقف عنده كثيرا ، خاصة عندما يصر علماء ودعاة الدين على التأكيد بوجود ما يسمونه بحياة البرزخ ، والتي يدعون أن .. {روح الإنسان تحياها بعد الموت مباشرة في انتظار يوم القيامة } ، وللأسف أن هذا الادعاء كاذب في كل محتوياته ومسمياته ، ومخالف لآيات محكمات في كتاب الله .

جواهر القلوب jawaher kouloub - وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ  وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ  يَفْقَهُونَ (98) | Facebook

فالإنسان مجرد نفس ، إذا شاء الله لها أن تحيا ، فسبحانه يمنحها جسدا حيا (فيه روح) ، فالروح هي سر الله لإحياء أي جماد ، وهي موجودة في الحيوان والنبات والحشرات والبكتريا والفطريات ، فالروح لا علاقة لها بمخلوق ولا يعرف كنهها ولا يمسها مخلوق ، وهي ليست مشخصنة ، فلا تستطيع أن تقول روحي أو روح فلان فهي أحد إسرار الخالق التي لم يطلع مخلوقا على كنهها ، بل وحرم ذلك ومنع الحديث عنه فقال لرسوله خاصة ولكل البشر عامة .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، وبالتالي فأنت وأنا مجرد نفس ، تحيا من خلال دخولها لجسد حي (فيه روح) ، فإذا فسد الجسد بخروج الروح منه ، فقدت النفس (مطيتها) وهي الوسيلة التي تتعامل بها النفس مع حركة الحياة ، وعند الموت تخرج الروح من الجسد بأمر الله ولا يمسها ولا يراها مخلوق ، ولذلك فملك الموت ورسل الله المرافقين له هم من يستقبل النفس ويتوفونها ، وهو ما يقوله سبحانه في سورة النحل .. { .. وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ .. }النحل70 ، ثم في سورة يونس { … وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }يونس104 ، ثم يؤكد سبحانه أن القائم بالتوفي هو ملك الموت بقوله تعالى .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11 ويوضح سبحانه أن ملك الموت يأتي ومعه رسل من الله ليتوفوا نفس الإنسان عند الوفاة بقوله في سورة الأنعام .. {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ }الأنعام61 .

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِين موْتِهَا وَالَّتِي – اجمل واروع الصور  الاسلامية والدينية 2025

وحتى لا يختلط على ابن آدم الأمور ، يوضح سبحانه أن ملك الموت ورسل الله يتوفون النفس التي هي أصل الإنسان وحقيقته المجردة فيقول في سورة الزمر .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، فالله يتوفى الأنفس كل يوم للنوم ثم يتركها لتعود للجسد لو كان في الأجل بقية ، ويؤكد سبحانه على هذه الحقيقة بقوله في سورة الأنعام .. {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأنعام60 ، والخلاصة أننا مجرد نفوس ، وقد قدر الله آجالا تحياها بواسطة جسد حي ، تدخله لتحيا به ، ثم تغادره يوميا للنوم ، وتغادره بلا عودة لنفس الجسد مرة أخرى عند انتهاء الأجل ، وعندها يسترد الله الروح (سر إحياء الجسد) ولا علاقة لنا بها ، سوى أننا نذوق آلام (سكرات) خروج الروح من الجسد ، وحينها نخرج كنفس من الجسد لعدم صلاحية الجسد للاستخدام بعد خروج الروح منه ، فتتوفانا رسل الله ، وهنا يتردد السؤال الأزلي بلا إجابة شافية ، وهو .. إلى أين نذهب كنفوس بعد مغادرة الجسد ؟؟ ، وكم نبقى وماذا بعدها ؟؟ ، وقد تسابق البشر في خيالاتهم وضلالاتهم متجاهلين تفصيل الله في قرآنه لهذه المسألة ، ومصدقين للخرافات والضلالات الموروثة عن بشر جهلوا الحقائق وابتدعوا ما تمليه عليهم نفوسهم وشياطينهم ، فابتدعوا ضلالان جعلوها مقدسة ، فيقولون لك أننا ننتقل لحياة البرزخ ، وهم أنفسهم يقولون لك يجعل الله القبور روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ، فهل حياة البرزخ سوف تكون بحبس النفس في القبر مع الجسد المتحلل أم هي خرافات وضلالات البشر .

شبكة فجر الثقافية :: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾

ولا شك أن الله أوضح حقيقة ما يحدث بعد الوفاة ، وتوفي الله للنفس عند الموت (انتهاء أجل النفس مع الجسد) ، وذلك في سورة الواقعة بقوله تعالى .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، وهنا يخبرنا سبحانه وتعالى أنه سوف يستبدلنا بغيرنا عند موتنا ، وأنه سبحانه سوف ينشئنا فيما لا يشأ أن نعلمه ونحن أحياء ، ثم أوضح سبحانه .. أن هذه النشأة الجديدة سوف تكون مطابقة تماما لما نعرفه عن النشأة السابقة التي ننساها (فلولا تذكرون) ، وهي تلك النشأة التي قال فيها سبحانه في سورة المؤمنون .. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14، وتلك هي النشأة الأخرى التي ذكرها سبحانه في سورة النجم .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، وهل معنى ذلك أننا نعود للدنيا مرة أخرى ؟؟ ، نعم سنعود لاستكمال رحلة الاختبارات ، وهل معنى ذلك أن الله يعيد خلق لابن آدم مرات ومرات ؟؟ ، نعم يعيد الله إنشاء النفس في جسد جديد ، وهو ما قرره سبحانه وذكرنا به في ستة آيات مختلفة ، ووضح سبب الإعادة في سورة يونس بقوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، السبب منطقي وهو تحقيق العدل في محاسبة النفوس (بالقسط) ، وهو تدقيق العدل بمرور كل البشر بمختلف الاختبارات الدنيوية في مختلف الحيوات بمختلف الأجساد والمعطيات في كل مرة .

أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ  السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ  إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64) النمل – اجمل واروع الصور الاسلامية والدينية  2025

وهنا نتوقف لنكتشف أن النفوس لا تبقى في (عالم البرزخ) كما قال البعض وصدقناهم ، لأنه لا يوجد عالم اسمه البرزخ مطلقا ، والدليل على ذلك أن الله وضح لنا مفهوم البرزخ في أكثر من آية ، أهمها قوله تعالى في سورة الرحمان ، مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ{19} بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ{20} ، ثم تأكيده سبحانه على معنى البرزخ بقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً }الفرقان53 ، فالبرزخ بمفهوم الله هنا .. هو قانون الفصل بين الماء الملح والماء العذب ، وبالتالي فقد أخطأوا في فهم قول الله تعالى .. { … إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }المؤمنون100 ، فالبرزخ هنا أيضا هو قانون الفصل ما بين تواجد النفوس المجردة (بلا أجساد حية) ، وبين تواجد النفوس وهي مستيقظة (منشأة) في أجساد في عالم الأحياء في الدنيا ، فلا تستطيع نفس حية (في جسد) أن ترى أو تتعامل مع نفس مجردة غادرت جسدها للوفاة ، ولكن سوف يقابلها يوم القيامة ، عندما يتلاشى قانون الفصل بين الأشياء ، وبالتالي فلا يوجد عالم البرزخ ، ولذلك فالمسمى (حياة البرزخ) هو مسمى خاطيء ومضلل .

ولعلنا نكتشف الأمر بوضوح أكبر عندما نراجع تقسيم الله لمآل (مصير) النفوس وماذا سيحدث لها بعد الموت طبقا لتقسيم الله لنوعيات النفوس ما بين السابقون ، وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، وذلك في سورة الواقعة ، والتي استكمل حقيقتها سبحانه وتعالى في كثير من آيات السور المختلفة ، لنكتشف أن جميع بني آدم ينقسمون بعد الوفاة لقسمين ، الأول قسم لا يعود للحياة مرة أخرى إلى يوم القيامة ، وقسم يعود للدنيا في رحلة حياة أخرى ، أما القسم الذي لا يعود فهم الكفرة الفجرة الذين أعلنوا التحدي لله تعالى في خلقه ، فأولئك لا يعودون للدنيا مطلقا ، ولكن يظلون في حالة السبات (النوم) حتى يوم القيامة ، ويوم ينشرهم الله بأمره ، يصدمهم ويفاجئهم الموقف فيقولون .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52.

صور البقاء لله للعزاء وكيفية الرد على البقاء لله

أما باقي البشر الذين يعودون للدنيا فينقسمون لفئتين ، وكلاهما يعود للدنيا ولهم رزقهم حتى يوم القيامة ، الفئة الأولى هم فئة (السابقون) ، وهؤلاء هم المقربون ، وهم من نجحوا في اختبارهم الأخير بامتياز ، وضحوا بنفوسهم ابتغاء وجه الله ، فيكافئهم ربهم بثلاث مكافأت ، (روح وريحان وجنة نعيم) ، فيمنحهم روح يضعونها في أي جسد ليحيوا به ، بشرط ألا يكون جسدا قد خرجوا منه من قبل ، ثم يمنحهم راحة تامة (ريحان) في الدنيا بلا شقاء أو اختبارات ، والمكافأة الثالثة هي جنة نعيم على الأرض في الدنيا حتى يوم القيامة ، وذلك لأنهم أنهوا رحلة اختباراتهم بامتياز وقدموا نفوسهم ابتغاء مرضاة الله ، أما القسم الثاني وهم الغالبية العظمى من البشر ، فسوف يستكملون رحلة الاختبارات حتى يوم القيامة ، إلا أن يستطيع بعضهم أن ينضم إلى (السابقون) في أحد رحلات اختباره ، وبالتالي فلا يوجد عالم البرزخ ولا تخزين لنفوس البشر ، ولا انتظار للنفوس داخل قبور حتى يوم القيامة ، ولا حقيقة في قول البشر أننا نعيش الحياة لمرة واحدة وبعدها ننتظر القيامة في قبور كما يدعي الجاهلون .

وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا  يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ  إِلَّا يَظُنُّونَ ... سورة الجاثية

وليسامحني من يصدق أننا نعيش لمرة واحدة على الأرض وأنه ينتظرنا إما نعيم أو عذاب القبور لوصفي لهم بالجاهلين ، لأنه سبحانه قد نفى من الأساس كل ما ندعيه بأننا نعيش حياة واحدة بقوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، ووصف سبحانه من يقول بذلك بأنه الجهل ومجرد ظنون وخيالات من البشر لا حقيقة فيها ، والحقيقة أن حياتنا على الأرض هي رحلة مكررة لكل نفس ، وفي كل مرة يؤتينا الله معطيات مختلفة ، هي مكتوبة علينا ليتم اختبارنا فيها ، وبالتالي فمولدك يهوديا أو ملحدا أو مؤمنا هو قدر الله ومعطياته للنفوس ، وسبحانه يحاسب كل نفس عن معطيات حياتها على قدر ما منحها من معطيات ، فكما أن الله لن يحاسب فقيرا على صدقات أو زكاة ، ولن يحاسب مريضا على جهد لم يستطع بذله ، فسبحانه لن يسأل ملحدا لماذا لم يصلي أو يصوم.

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ – اجمل واروع الصور  الاسلامية والدينية 2025

أخيرا لابد أن نتذكر حقيقة أن حساب كل إنسان سيكون تبعا لمعطياته ، ولله على كل نفس شروطا ثلاثة هي الحد الأدنى الذي يقبل الله به عمل ابن آدم أيا كان معطياته وملته ، وهي التي يقول فيها سبحانه .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 ، هي الإيمان بوحدانية الله ثم الإيمان بيوم الحساب ، ثم العمل الصالح في الدنيا والذي تصلح به حياة الآخرين ، فمن التزم بالثلاثة شروط فله أجره عند الله ، ولا خوف عليه ولا يحزن يوم القيامة ، ولذلك لم يفرض الله عقابا للكافر والملحد ولم يطلب منا أن نهديهم قصرا ، بل قال لنا أنه سبحانه وحده من يملك حسابه .. بقوله تعالى .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }الحج17 ، ولا وجود لحياة البرزخ ولا ضلالات حياة القبور ونعيمها وعذابها ، وحياتنا مجرد اختبار سوف يتكرر في حيوات أخرى باختبارات أخرى في أجساد ومعطيات أخرى يختبرنا الله فيها (ليبلوكم فيما آتاكم) ، .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

ماذ ينتظرنا .. بعد الموت (1) ؟؟؟ … بقلم : جمال عمر

بعيدا عن الحروب والصراعات ، وأوهام وأخبار وإشاعات البشر .. وحيرة البعض .. ما بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *