الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (1) … بقلم : جمال عمر

لا شك أن فهم معان الاتزان الكوني هو أرقى مستويات العلم البحت وهو ما يرقى ليكون أحد أساسيات الحكمة ، والتي لا تدرك بالعلم ولا بالكد والكدح ، ولكنها منحة من الله لمن يشاء فقط ، {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، ولذلك لا أعتقد أن كل إنسان عاقل بالغ راشد يعرف مفهوم الاتزان الكوني أو مدلول الشفرة الإلهية في الخلق لكل شيء في الكون ، وربما يشعر بها البعض , ولكن ليس شرطا أن يعرفوا تلك التعبيرات الفخيمة أو الأكاديمية ، ولكن يكفي أن يصل الإدراك لفهم ناموس الخالق في خلقه ، وكيف يحقق هذا الناموس اتزانا محسوسا ، وأحيانا اتزانا ملموسا في حركة حياة البشر ، فمثلا .. أخانا الكريم عم حسين .. بائع الجرجير العجوز ، تسمعه دوما يقول (سبحانه .. له في خلقه شئون) .. فهو مستشعر لعظمة الله وقدرته في حركة حياة المخلوقات من حوله ، وكذلك عندما تتمعن في كثير من تفسيرات الشعرواي ، سوف تجد يقينه الشديد بحكمة الله في ضبطه حركة حياة المخلوقات ، رغم شعورنا أحيانا أن بعضها عشوائيا أو تلقائيا وبيد البشر ، لتكتشف مثلا .. أن الله سخر الكافرين بدينه ليبدعوا في كتابة وحفظ كتابه العزيز ، تنفيذا لقراره الكوني بقوله .. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 ، بل أبسط من ذلك ، يفاجئك نتائج بحث ياباني على روعة وإعجاز شكل كريستالات جزيئات مياه بئر زمزم ، وكذلك تأثير قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) على إعادة تشكيل كريستالات أي مادة خاصة الماء ، وكيف أن ما اكتشفوه أدى لإعلان معظم فريق العمل لإسلامه ، فمعجزات اتزان الخلق فوق مستويات إدراك البشر ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

بالصور تعرف على النسبة الذهبية أو Goldin raito أو النسبة المقدسة .. وما هي طريقة حسابها بالتصاميم ..وبالتصوير الضوئي .. – مجلة فن التصوير

وأعلم تماما أن صديقي المشاكس سوف يجد في كلماتي هذه فرصة عظيمة ليجادل ويسوف ويسوق الأمثلة ، ولكني أدعوه لنراجع سويا أحداث التاريخ ، حتى وإن كان معظم ما في أيدينا من تاريخنا هو مجرد تزوير متقن للحقائق كتبها المؤرخون لصالح الأهواء الإنسانية التي لا تكل ولا تمل ولا تنتهي ، ولكن .. تاريخ الحضارات هو أكبر شاهد على صدق وجود الشفرة الإلهية في الخلق ، فتطور حياة أي حضارة من بدايتها حتى سقوطها ، يمكن تمثيله في العلوم الرياضية بمنحنى التوزيع الطبيعي للخوارزمي ، وتحدث عنه ابن خلدون في تحديد مراحل الحضارة ، ولكنهم في الغرب يسمونه في الغرب (منحنى جاوس) ، وهو يمثل تماما تطور حياة الإنسان منذ مولده وحتى وفاته ، يبدأ طفلا فصبيا فشابا فراشدا (في قمة قوته) ، ثم يبدأ في الهبوط إلى شيخا ثم عجوزا ثم كهلا ليصل للمرحلة السابعة والأخيرة وهي ميتا ، وقد يصل للموت في أي مرحلة تبعا لتقدير الله له ، وكهذا الحضارات والتي كثير منها سقط وهو في قمته ، لأن أصحابها تجاوزوا الخطوط الحمراء لخالقهم ، مثل قوم لوط ، وقوم هود وثمود وفرعون وغيرهم الكثير ، ودون اتهامات بالتحيز ، سوف تجد أكثر الحضارات علوا وسيطرة على مقادير البشرية كان هي حضارة المسلمين ، والتي سيطرت قرابة الثمانية قرون ، ورغم سقوطها إلا أنها ما زالت لم تمت مثل ما سبقها من حضارات الرومان والفرس وغيرهم .

ويعد من أهم أسرار طول عمر الحضارة المسلمة هو حرصها على تحقيق الشفرة الإلهية ، وذلك دون قصد ولكن بنية عدم الوقوع فيما يغضب الله ، رغم كل الخطايا والذنوب والفساد الأخلاقي الذي نعاني منه ، ولكن هناك حد أدنى يحافظ عليه السواد الأعظم من المسلمين سواءا حبا في القرب من الله أو خوفا من عقابه ، وهذا الحرص الديني (كما يسمونه) ، يجعل الاإنسان قريبا من تحقيق الشفرة الذهبية في حركة حياته ، أو بمعنى أوضح قريبا من تحقيق الاتزان الفطري في حركة حياته ، فالحرص على النوم مبكرا وعدم السهر كما أمر الخالق العظيم ، هو الآن أحدث التوصيات الطبية والعلمية للشفاء والحفاظ على شباب الجسم والعقل ، فناموس الخالق في خلقه نافذ رغم أنف كل هراءات البشر ، ومن يخالفه يهلك ، بل ولديه في نفسه وجسده منظمومات للتدمير الذاتي عند الإصرار على المخالفة ، فمثلا إصرار الأنثى على الجمع بين أكثر من رجل واحد في نفس الوقت ، هو أهم أسباب السرطان إضافة لسلسلة من الأمراض الجنسية القاتلة  كالهربس والزهري والسيلان والإيدز ، ولا يقتصر الاتزان على الأجساد فقط ولكنه يظهر بقوة في علاقات النفوس ببعضها ، مثل علاقة الصداقة القوية ما بين (عم حسين) بائع الجرجير و(الأستاذ دكتور مصطفى) صاحب المستشفى المجاورة للسوق ، فالفارق العلمي الأكاديمي والعملي بينهما كبير ، بل مهول ، ولكنك سوف تجد اتزانا نفسيا كبيرا في علاقتهما ببعض ، فالتفوق المادي لأستاذنا الدكتور ، يقابله تفوقا نفسيا رهيبا لدى (عم حسين) ، تجعل الأستاذ الدكتور يقف يوميا قبل صعوده لمستشفاه ، بجوار عربة عم حسين وهو قابع فوقها ، ليتبادلا الحديث والروايات والضحكات والتعليقات ، وكأنه (عم حسين) يعلمه شيئا يفتقده ، وتشعر بأن هناك كثيرا من الرضا يسيطر على هذا اللقاء العجيب .

الخضراوات أساس طبق الإفطار فى رمضان.. شاهد الجرجير والبقدونس بشوارع الأقصر - اليوم السابع

نعم .. هو مثال فريد لا يرقى لمستوى القاعدة العامة ، ولكنه يعطي إشارة واضحة بأن الاتزانات النفسية لا علاقة لها بقدور العلم والمكانة والإمكانيات ، بل من العجيب أنه كلما زادت مشغوليا ابن آدم بالمال والسلطة وحركة الحياة من حوله ، كلما فقد كثيرا من قدراته على الصفاء والارتقاء النفسي ، وهو ما يجعله يفقد اتزانه النفسي سريعا ، إن لم يكن لديه ما يحميه من السقوط في زخم الحياة ، وهو ما علمته من حياة أستاذنا الكبير (مستر إكس) ، والذي طلق زوجته الأستاذة الجامعية بعد عام واحد من الزواج ، ليتزوج بعدها بسنوات من (فلانة) ، صاحبة دبلون التجارة (بالنون) ، ويرزق منها بأربعة من الأبناء ، ولا تراه إلا مبتسما راضيا شاكرا لله فضله ونعمته ، فهو لم يجد اتزانه النفسي مع الأستاذة الجامعية ، ولا أعتقد أنه كان سيجده ، فالزواج هو العلاقة الخاصة الوحيدة في الكون التي لها قدسيتها وخصوصيتها ، ولذلك هي العلاقة الوحيدة التي أخذ الله من طرفيها (ميثاقا غليظا) ، لم يأخذه من رسله جميعا ، ولكنه أخذه من الزوجين ، واحترام وصيانة قدسية الزواج هي ما تحافظ على اتزان حركة الحياة ، وبدونها سوف نرى هذه الفوضى ، وهذا الكم الكبير من حالات الطلاق والانفصال والجرائم الاجتماعية .

صورة ظلية للعنف المنزلي على أبيض صراع الأزواج الكبار صورة الخلفية والصورة للتنزيل المجاني - Pngtree

ودعونا نتوقف قليلا عن الاتزان والشفرة الإلهية في الزواج ، فالزواج جعله الله بالفطرة بين (ذكر – أنثى) ، والزواج هو الوسيلة الوحيدة المأمونة للحصول على الإشباع الجنسي ، وخلاف ذلك هو إهدار وتفريط عاقبته سيئة وقاتلة ، وبداية فالعلاقة بينهما جعل الله لها ناموسا مقدسا تحكمه قوانين نفسية فطرية ، فالذكر يحتاج لأنثى يشعر معها برجولته وفحولته ، وهو ما يمكنه من تلبية احتياجاتها النفسية والجسدية ، وفقدانه للثقة في رجولته معها يحوله إلى عاجز جنسيا ، وهو ما يقع فيه كثير من الزوجات التي تتعمد أن يكون لها السيطرة والكلمة ، وتصر على معاملة زوجها بندية وتحدي ، فيفقد إحساسه برجولته أمامها سريعا ، وتختفي رغبته فيها كأنثى ، ثم تتحول لحالة من الملل ثم الزهد ثم العجز التام ، ويشترك الزوج والزوجة في الوصول لهذه الحالة بأخطائهما المشتركة في حقوق بعضهما ، ولو دققنا النظر للأنثى ، فسنجد أنها لا تصل لنشوتها مطلقا ، عندما تشعر أنها مسيطرة على زوجها ، وأنه ضعيف أمامها ومعها ، وربما تبحث عنه بعيدا عنه ، فالمرأة كأنثى لا تهوى ولا تشبع نفسيا وجسديا مع الرجل المستسلم المستكين لها ، رغم أنها قد تسعى للسيطرة عليه منذ اليوم الأول ، وهي لا تدري أنها تدمر نفسها وزواجها ، بالاشتراك مع زوجها الذي يسمح لها بهذا ، ليدمرا سويا أسس الاتزان الفطري الطبيعي بينهما ، فيسقطا خارج حدود الشفرة الإلهية لاتزان الكون ، والنتيجة لابد وأن تكون كارثية ، أهونها الانفصال وخراب البيوت .

خلافات عائلية وزوجية.. "السر" في مواقع التواصل | سكاي نيوز عربية

ومن أخطر أسباب انهيار الزواج حديثا ، هو حالة الفوضى النفسية بينهما ، والتي استفحلت بواسطة التقدم التكنولوجي لوسائل التواصل ، فالعروس تهدر نفسها بالتواصل المخيف مع العريس يوميا وفي كل ساعة ودقيقة ، ولا تنام إلا بعد قضاء ساعات تتحدث معه في كل شيء وأي شيء ، بحجة أنها تريد أن تعرف عنه كل شيء ، وكذلك العريس الذي لن يجد فرصة أروع من فتاة مستسلمة ومهدرة لنفسها بين يديه ، فيمارسا كل ألوان التعامل المرعوفة والغير معروفة والمشروعة وربما الغير مشروعة ، فالنفوس لا تكتفي وتريد دوما ما هو أكثر ، وما هو أكثر إمتاعا ، وينزلقا سويا لمعرفة كل شيء عن بعضهما البعض ، متناسين أو متجاهلين أن ما يحدث وما يقولونه لبعضهما مخالف تماما لكل الحقائق ، فكل منهما يجمل صورته قدر استطاعته ، وهو ما سوف يكون صادما بعد الزواج ومدمرا للعلاقة بينهما ، وقد يقعا في المحظور شوقا وعشقا ، وعندها كما يقول المثل الأمريكي (سيفقد الرجل شغفه لشراء البقرة التي يشرب لبنها مجانا) ، ولو تزوجا فسوف يكتشفون طريقهم للملل منذ العام الأول ، فهم كتب مفتوحة لا شغف فيها ولا مزيد فيها من السعي لترقية العلاقة ، لأنهم جهلوا ناموس الخالق في العلاقات الإنسانية ، واستهلكوا رصيد المعرفة والشغف كاملا قبل بدء حياتهما سويا .

هل يحق للزوج منع زوجته من استخدام مواقع التواصل الاجتماعى واحتجازها بالمنزل؟.. يجوز له المنع فى حالة واحدة فقط.. الاحتجاز عقوبته الحبس سنة.. والإفتاء تتصدى للأزمة - اليوم السابع

ولا عجب بالطبع في فشل كثير من الزيجات ، وذلك لبناءها على أسس خاطئة لا تحقق القوامة للرجل على المرأة ، والتي تحتاجها المرا’ نفسيا وجسديا ، أكثر من احتياج الرجل لها ، لأن القوامة للرجل تمثل المسئولية عن الزوجة ، ولكنها بالنسبة للمرأة تمثل سر اتزان الحياة ، حتى ولو ادعت غير ذلك وحاربته جهلا أو تعنتا وتنفيسا لعقد نفسية ، فلا تستقيم مثلا زيجة بين امرأة متعلمة وزوجا جاهلا ، ولا بين زوجة عاملة ورجل عاطل ، ولا بين امرأة وزوجا منحرف أخلاقيا ، فالقوامة للرجل لها ثلاثة أسس هي (العلم – القدرة – الأمانة) ، وطبقا لها لابد أن يكون الرجل أكثر علما على الأقل بشئون الحياة من زوجته ، كما يجب أن يكون قادرا على تلبية احتياجاتها النفسية والجسدية والمادية ، وأخير يجب أن يكون أمينا عليها علنا وسرا ، فإذا اختل شرط أساسي من القدرة أو من العلم أو من الأمانة ، فقد اختل اتزان الزواج ، ونهايته محتومة بالفشل والانفصال ، فالأهل أو الرجل أو المرأة اللذان ارتضوا الزواج مع العلم بأن الرجل لا يحقق شروط القوامة ، هما قد ارتكبوا في حق نفوسهم جريمة سوف يدفعان ثمنها عاجلا أو آجلا ، فالقوامة هي أحد صور الاتزان الإلهي في خلقه ، فهي كما تعطي للرجل سلطة تكبله بمسئوليات ثقيلة وخطيرة ، وأساسية لاستقامة الحياة الزوجية .

الأسرة نعمة والزواج عبادة - الجماعة.نت

أخيرا .. كانت تلك بعض الصور البسيطة للاتزان الفطري الذي فرضه سبحانه في خلقه ، لتستقيم حركة حياتهم ، أردنا بها تقريب الصورة لحقيقة الشفرة الإلهية ، والتي هي العلامة الأهم والأخطر في خلق كل شيء والتي بدونها يختل الخلق وتختل حركة حياته ، فالشفرة الإلهية تعمل كميزان دقيق للخلق ، لا يعرفها الكثيرون ، ومن عرفها عبر التاريخ وأحسن استخدامها ، خلد التاريخ اسمه وأعماله ، مثل ليونارد دافينشي والذي كان أكبر لصوص العلم في التاريخ لسرقته علومه كاملة من كتب لعلماء من العرب ، ولكنه كان عبقريا في استغلال ما سرقه ، ورغم أن العدالة الإلهية قد عاجلته ليموت مقتولا على يد كهنة الكنيسة ، إلا أنه ترك ميراثا ضخما مبنيا على الشفرة الإلهية ، مثل لوحة الموناليزا ، ولوحة العشاء الأخير ، ويبقى الكثير من دلائل إعجاز الاتزان الكوني والشفرة الإلهية وعلى رأسها أحداث العالم اليوم  .. وهو ما سوف نتعرض له لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

ماذ ينتظرنا .. بعد الموت (1) ؟؟؟ … بقلم : جمال عمر

بعيدا عن الحروب والصراعات ، وأوهام وأخبار وإشاعات البشر .. وحيرة البعض .. ما بين …

تعليق واحد

  1. تحياتي و تقديري لعمق معنى المقاله
    جعلها الله في ميزان حسناتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *