الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (1) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
11 أغسطس، 2025
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
581 زيارة

لا شك أن فهم معان الاتزان الكوني هو أرقى مستويات العلم البحت وهو ما يرقى ليكون أحد أساسيات الحكمة ، والتي لا تدرك بالعلم ولا بالكد والكدح ، ولكنها منحة من الله لمن يشاء فقط ، {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، ولذلك لا أعتقد أن كل إنسان عاقل بالغ راشد يعرف مفهوم الاتزان الكوني أو مدلول الشفرة الإلهية في الخلق لكل شيء في الكون ، وربما يشعر بها البعض , ولكن ليس شرطا أن يعرفوا تلك التعبيرات الفخيمة أو الأكاديمية ، ولكن يكفي أن يصل الإدراك لفهم ناموس الخالق في خلقه ، وكيف يحقق هذا الناموس اتزانا محسوسا ، وأحيانا اتزانا ملموسا في حركة حياة البشر ، فمثلا .. أخانا الكريم عم حسين .. بائع الجرجير العجوز ، تسمعه دوما يقول (سبحانه .. له في خلقه شئون) .. فهو مستشعر لعظمة الله وقدرته في حركة حياة المخلوقات من حوله ، وكذلك عندما تتمعن في كثير من تفسيرات الشعرواي ، سوف تجد يقينه الشديد بحكمة الله في ضبطه حركة حياة المخلوقات ، رغم شعورنا أحيانا أن بعضها عشوائيا أو تلقائيا وبيد البشر ، لتكتشف مثلا .. أن الله سخر الكافرين بدينه ليبدعوا في كتابة وحفظ كتابه العزيز ، تنفيذا لقراره الكوني بقوله .. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 ، بل أبسط من ذلك ، يفاجئك نتائج بحث ياباني على روعة وإعجاز شكل كريستالات جزيئات مياه بئر زمزم ، وكذلك تأثير قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) على إعادة تشكيل كريستالات أي مادة خاصة الماء ، وكيف أن ما اكتشفوه أدى لإعلان معظم فريق العمل لإسلامه ، فمعجزات اتزان الخلق فوق مستويات إدراك البشر ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

وأعلم تماما أن صديقي المشاكس سوف يجد في كلماتي هذه فرصة عظيمة ليجادل ويسوف ويسوق الأمثلة ، ولكني أدعوه لنراجع سويا أحداث التاريخ ، حتى وإن كان معظم ما في أيدينا من تاريخنا هو مجرد تزوير متقن للحقائق كتبها المؤرخون لصالح الأهواء الإنسانية التي لا تكل ولا تمل ولا تنتهي ، ولكن .. تاريخ الحضارات هو أكبر شاهد على صدق وجود الشفرة الإلهية في الخلق ، فتطور حياة أي حضارة من بدايتها حتى سقوطها ، يمكن تمثيله في العلوم الرياضية بمنحنى التوزيع الطبيعي للخوارزمي ، وتحدث عنه ابن خلدون في تحديد مراحل الحضارة ، ولكنهم في الغرب يسمونه في الغرب (منحنى جاوس) ، وهو يمثل تماما تطور حياة الإنسان منذ مولده وحتى وفاته ، يبدأ طفلا فصبيا فشابا فراشدا (في قمة قوته) ، ثم يبدأ في الهبوط إلى شيخا ثم عجوزا ثم كهلا ليصل للمرحلة السابعة والأخيرة وهي ميتا ، وقد يصل للموت في أي مرحلة تبعا لتقدير الله له ، وكهذا الحضارات والتي كثير منها سقط وهو في قمته ، لأن أصحابها تجاوزوا الخطوط الحمراء لخالقهم ، مثل قوم لوط ، وقوم هود وثمود وفرعون وغيرهم الكثير ، ودون اتهامات بالتحيز ، سوف تجد أكثر الحضارات علوا وسيطرة على مقادير البشرية كان هي حضارة المسلمين ، والتي سيطرت قرابة الثمانية قرون ، ورغم سقوطها إلا أنها ما زالت لم تمت مثل ما سبقها من حضارات الرومان والفرس وغيرهم .

ويعد من أهم أسرار طول عمر الحضارة المسلمة هو حرصها على تحقيق الشفرة الإلهية ، وذلك دون قصد ولكن بنية عدم الوقوع فيما يغضب الله ، رغم كل الخطايا والذنوب والفساد الأخلاقي الذي نعاني منه ، ولكن هناك حد أدنى يحافظ عليه السواد الأعظم من المسلمين سواءا حبا في القرب من الله أو خوفا من عقابه ، وهذا الحرص الديني (كما يسمونه) ، يجعل الاإنسان قريبا من تحقيق الشفرة الذهبية في حركة حياته ، أو بمعنى أوضح قريبا من تحقيق الاتزان الفطري في حركة حياته ، فالحرص على النوم مبكرا وعدم السهر كما أمر الخالق العظيم ، هو الآن أحدث التوصيات الطبية والعلمية للشفاء والحفاظ على شباب الجسم والعقل ، فناموس الخالق في خلقه نافذ رغم أنف كل هراءات البشر ، ومن يخالفه يهلك ، بل ولديه في نفسه وجسده منظمومات للتدمير الذاتي عند الإصرار على المخالفة ، فمثلا إصرار الأنثى على الجمع بين أكثر من رجل واحد في نفس الوقت ، هو أهم أسباب السرطان إضافة لسلسلة من الأمراض الجنسية القاتلة كالهربس والزهري والسيلان والإيدز ، ولا يقتصر الاتزان على الأجساد فقط ولكنه يظهر بقوة في علاقات النفوس ببعضها ، مثل علاقة الصداقة القوية ما بين (عم حسين) بائع الجرجير و(الأستاذ دكتور مصطفى) صاحب المستشفى المجاورة للسوق ، فالفارق العلمي الأكاديمي والعملي بينهما كبير ، بل مهول ، ولكنك سوف تجد اتزانا نفسيا كبيرا في علاقتهما ببعض ، فالتفوق المادي لأستاذنا الدكتور ، يقابله تفوقا نفسيا رهيبا لدى (عم حسين) ، تجعل الأستاذ الدكتور يقف يوميا قبل صعوده لمستشفاه ، بجوار عربة عم حسين وهو قابع فوقها ، ليتبادلا الحديث والروايات والضحكات والتعليقات ، وكأنه (عم حسين) يعلمه شيئا يفتقده ، وتشعر بأن هناك كثيرا من الرضا يسيطر على هذا اللقاء العجيب .

نعم .. هو مثال فريد لا يرقى لمستوى القاعدة العامة ، ولكنه يعطي إشارة واضحة بأن الاتزانات النفسية لا علاقة لها بقدور العلم والمكانة والإمكانيات ، بل من العجيب أنه كلما زادت مشغوليا ابن آدم بالمال والسلطة وحركة الحياة من حوله ، كلما فقد كثيرا من قدراته على الصفاء والارتقاء النفسي ، وهو ما يجعله يفقد اتزانه النفسي سريعا ، إن لم يكن لديه ما يحميه من السقوط في زخم الحياة ، وهو ما علمته من حياة أستاذنا الكبير (مستر إكس) ، والذي طلق زوجته الأستاذة الجامعية بعد عام واحد من الزواج ، ليتزوج بعدها بسنوات من (فلانة) ، صاحبة دبلون التجارة (بالنون) ، ويرزق منها بأربعة من الأبناء ، ولا تراه إلا مبتسما راضيا شاكرا لله فضله ونعمته ، فهو لم يجد اتزانه النفسي مع الأستاذة الجامعية ، ولا أعتقد أنه كان سيجده ، فالزواج هو العلاقة الخاصة الوحيدة في الكون التي لها قدسيتها وخصوصيتها ، ولذلك هي العلاقة الوحيدة التي أخذ الله من طرفيها (ميثاقا غليظا) ، لم يأخذه من رسله جميعا ، ولكنه أخذه من الزوجين ، واحترام وصيانة قدسية الزواج هي ما تحافظ على اتزان حركة الحياة ، وبدونها سوف نرى هذه الفوضى ، وهذا الكم الكبير من حالات الطلاق والانفصال والجرائم الاجتماعية .

ودعونا نتوقف قليلا عن الاتزان والشفرة الإلهية في الزواج ، فالزواج جعله الله بالفطرة بين (ذكر – أنثى) ، والزواج هو الوسيلة الوحيدة المأمونة للحصول على الإشباع الجنسي ، وخلاف ذلك هو إهدار وتفريط عاقبته سيئة وقاتلة ، وبداية فالعلاقة بينهما جعل الله لها ناموسا مقدسا تحكمه قوانين نفسية فطرية ، فالذكر يحتاج لأنثى يشعر معها برجولته وفحولته ، وهو ما يمكنه من تلبية احتياجاتها النفسية والجسدية ، وفقدانه للثقة في رجولته معها يحوله إلى عاجز جنسيا ، وهو ما يقع فيه كثير من الزوجات التي تتعمد أن يكون لها السيطرة والكلمة ، وتصر على معاملة زوجها بندية وتحدي ، فيفقد إحساسه برجولته أمامها سريعا ، وتختفي رغبته فيها كأنثى ، ثم تتحول لحالة من الملل ثم الزهد ثم العجز التام ، ويشترك الزوج والزوجة في الوصول لهذه الحالة بأخطائهما المشتركة في حقوق بعضهما ، ولو دققنا النظر للأنثى ، فسنجد أنها لا تصل لنشوتها مطلقا ، عندما تشعر أنها مسيطرة على زوجها ، وأنه ضعيف أمامها ومعها ، وربما تبحث عنه بعيدا عنه ، فالمرأة كأنثى لا تهوى ولا تشبع نفسيا وجسديا مع الرجل المستسلم المستكين لها ، رغم أنها قد تسعى للسيطرة عليه منذ اليوم الأول ، وهي لا تدري أنها تدمر نفسها وزواجها ، بالاشتراك مع زوجها الذي يسمح لها بهذا ، ليدمرا سويا أسس الاتزان الفطري الطبيعي بينهما ، فيسقطا خارج حدود الشفرة الإلهية لاتزان الكون ، والنتيجة لابد وأن تكون كارثية ، أهونها الانفصال وخراب البيوت .

ومن أخطر أسباب انهيار الزواج حديثا ، هو حالة الفوضى النفسية بينهما ، والتي استفحلت بواسطة التقدم التكنولوجي لوسائل التواصل ، فالعروس تهدر نفسها بالتواصل المخيف مع العريس يوميا وفي كل ساعة ودقيقة ، ولا تنام إلا بعد قضاء ساعات تتحدث معه في كل شيء وأي شيء ، بحجة أنها تريد أن تعرف عنه كل شيء ، وكذلك العريس الذي لن يجد فرصة أروع من فتاة مستسلمة ومهدرة لنفسها بين يديه ، فيمارسا كل ألوان التعامل المرعوفة والغير معروفة والمشروعة وربما الغير مشروعة ، فالنفوس لا تكتفي وتريد دوما ما هو أكثر ، وما هو أكثر إمتاعا ، وينزلقا سويا لمعرفة كل شيء عن بعضهما البعض ، متناسين أو متجاهلين أن ما يحدث وما يقولونه لبعضهما مخالف تماما لكل الحقائق ، فكل منهما يجمل صورته قدر استطاعته ، وهو ما سوف يكون صادما بعد الزواج ومدمرا للعلاقة بينهما ، وقد يقعا في المحظور شوقا وعشقا ، وعندها كما يقول المثل الأمريكي (سيفقد الرجل شغفه لشراء البقرة التي يشرب لبنها مجانا) ، ولو تزوجا فسوف يكتشفون طريقهم للملل منذ العام الأول ، فهم كتب مفتوحة لا شغف فيها ولا مزيد فيها من السعي لترقية العلاقة ، لأنهم جهلوا ناموس الخالق في العلاقات الإنسانية ، واستهلكوا رصيد المعرفة والشغف كاملا قبل بدء حياتهما سويا .

ولا عجب بالطبع في فشل كثير من الزيجات ، وذلك لبناءها على أسس خاطئة لا تحقق القوامة للرجل على المرأة ، والتي تحتاجها المرا’ نفسيا وجسديا ، أكثر من احتياج الرجل لها ، لأن القوامة للرجل تمثل المسئولية عن الزوجة ، ولكنها بالنسبة للمرأة تمثل سر اتزان الحياة ، حتى ولو ادعت غير ذلك وحاربته جهلا أو تعنتا وتنفيسا لعقد نفسية ، فلا تستقيم مثلا زيجة بين امرأة متعلمة وزوجا جاهلا ، ولا بين زوجة عاملة ورجل عاطل ، ولا بين امرأة وزوجا منحرف أخلاقيا ، فالقوامة للرجل لها ثلاثة أسس هي (العلم – القدرة – الأمانة) ، وطبقا لها لابد أن يكون الرجل أكثر علما على الأقل بشئون الحياة من زوجته ، كما يجب أن يكون قادرا على تلبية احتياجاتها النفسية والجسدية والمادية ، وأخير يجب أن يكون أمينا عليها علنا وسرا ، فإذا اختل شرط أساسي من القدرة أو من العلم أو من الأمانة ، فقد اختل اتزان الزواج ، ونهايته محتومة بالفشل والانفصال ، فالأهل أو الرجل أو المرأة اللذان ارتضوا الزواج مع العلم بأن الرجل لا يحقق شروط القوامة ، هما قد ارتكبوا في حق نفوسهم جريمة سوف يدفعان ثمنها عاجلا أو آجلا ، فالقوامة هي أحد صور الاتزان الإلهي في خلقه ، فهي كما تعطي للرجل سلطة تكبله بمسئوليات ثقيلة وخطيرة ، وأساسية لاستقامة الحياة الزوجية .

أخيرا .. كانت تلك بعض الصور البسيطة للاتزان الفطري الذي فرضه سبحانه في خلقه ، لتستقيم حركة حياتهم ، أردنا بها تقريب الصورة لحقيقة الشفرة الإلهية ، والتي هي العلامة الأهم والأخطر في خلق كل شيء والتي بدونها يختل الخلق وتختل حركة حياته ، فالشفرة الإلهية تعمل كميزان دقيق للخلق ، لا يعرفها الكثيرون ، ومن عرفها عبر التاريخ وأحسن استخدامها ، خلد التاريخ اسمه وأعماله ، مثل ليونارد دافينشي والذي كان أكبر لصوص العلم في التاريخ لسرقته علومه كاملة من كتب لعلماء من العرب ، ولكنه كان عبقريا في استغلال ما سرقه ، ورغم أن العدالة الإلهية قد عاجلته ليموت مقتولا على يد كهنة الكنيسة ، إلا أنه ترك ميراثا ضخما مبنيا على الشفرة الإلهية ، مثل لوحة الموناليزا ، ولوحة العشاء الأخير ، ويبقى الكثير من دلائل إعجاز الاتزان الكوني والشفرة الإلهية وعلى رأسها أحداث العالم اليوم .. وهو ما سوف نتعرض له لاحقا …
جمال عمر
تحياتي و تقديري لعمق معنى المقاله
جعلها الله في ميزان حسناتك