ابن آدم .. تهلكه ضلالاته (1) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
3 أيام مضت
اراء ومقالات, الشئون الدينية, المقالات والرأي, متنوعات
129 زيارة

لاشك أن هناك فجوة هائلة في عقل الإنسان وفهمه ، بين معطيات العلم والحقائق العلمية التي تتكشف كل يوم وما بين معتقدات وخزعبلات الغيبيات عن حواسه الخمسة (السمع والبصر والشم والتذوق واللمس) ، ولذلك جعل الإنسان كثيرا من هذه الغيبيات مقدسات مسلم بها ليريح عقله ، ثم جعل بعضها جزءا من الدين بكل قدسياته ، رغم أن حقيقة الدين .. من واقع القرآن العظيم بريء تماما من كل الخزعبلات والضلالات ، بل إن القرآن العظيم هو خلاصة كل العلوم البحتة التي تحكم حركة الحياة في الكون بمنتهى الدقة والانتظام .

فمثلا لو سألك شخص عن حالك ، فربما تخشى أن تقول له الحقيقة لأي سبب ، فتدعي بعضا من المشاكل الصحية أو الاجتماعية وربما النفسية ، وعجبا .. فكل ما ادعيته كذبا سرعان ما سوف تجدك بالفعل تعاني منه ، حتى توارث الناس مقولة (اللي يخاف من العفريت يطلعله) ، ولذلك ينصحك رجال الدين والدعاة أن تقول الحقيقة ، ويقولون لك كثيرا من آيات وأحاديث تحثك دوما على حمد الله على كل حال ، وذكر نعمة الله والاستبشار بالخير ، مثل قول الله تعالى .. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }الضحى11 ، وقول رسوله الكريم { استبشروا بالخير تجدوه} ، وتتطابق هنا نصائح الدين مع الواقع ، فكلما ادعيت شيئا تجده يصبح حقيقة خيرا أو شرا ، فهل هذا مجرد صدفة ، أم قوة غيبية خارقة مسخرة لتحقيق ما تدعيه بلسانك ؟؟؟ .

الحقيقة العلمية المؤكدة أن كل ما يحدث ما بين ما ينطق به لسانك ، وبين ما يحدث بعدها ، هو ترتيب منطقي ونتيجة علمية بحتة مطابقة لحقائق العلم ، بعيدا عن الخزعبلات والشعوذة والقوى الخارقة ، وتعالوا نتفق مبدئيا .. أنه لايوجد بشر كان له حرية الاختيار في والديه ولا نوعه (ذكرا أو أنثى) ، ولا معالم جسده ، ولا موعد ميلاده ، ولا بيئته ولا ظروف حياته ، ولا دينه ، ولا رزقه ولا هبات الله له ، ولا موعد وفاته ، بل كلها معطيات مفروضة من الخالق العظيم على الإنسان ، ومن إعجاز الله أن معطيات كل إنسان تتناسب وتتوافق معه بدقة متناهية وتلك حقيقة مثبتة وواضحة لمن وهبه الله الحكمة ، ولكن رغم كل الاختلافات والتباينات بين البشر ، إلا أنهم جميعا يشتركون في نفس الصفات الفطرية والنوازع والدوافع ، وبالتالي يعانون من نفس المتاعب والمشقة ، باختلاف قدورها وتوقيتاتها ، ولا عجب فكل البشر .. هم من أصل واحد ، ومردهم لأصلهم الواحد (نفس واحدة) ، وبالتالي فقمة الغباء والحماقة هي في التعصب الأعمي لأي من معطيات الله لبني آدم ، كالجنس أو العرق أو مسمى دين أو قومية أو رزق أو ولد أو أهل أو مجتمع ، فكلها معطيات لا خيار لبني آدم فيها ، ويصبح الأولى هو التفرغ لفهم وإدراك الحقائق المثبتة بالبراهين والأدلة العلمية الحقيقية التي لا تقبل الجدال ، وبالتالي لابد أن نتوقف عند مفاهيم أساسية زورها ابن آدم واتخذ منها ضلالات مقدسة كانت سببا في كل تخلف ودمار لبني جنسه .

أولا .. لا جدال .. أن الإنسان هو أحد إبداعات خلق الله في الكون ، وهو سبحانه وحده الذي يعلم حقائق خلق الإنسان ، ولا جدال أنه لفهم الحقائق لابد وأن نتعامل مع طبيعة تركيب الإنسان كما خلقه الله سبحانه وتعالى .. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 ، خاصة وأن تطور العلم عبر التاريخ أثبت أنه من الغباء سؤال الإنسان عن حقيقة تركيبه وتفاعلاته وردود أفعاله ، فالإنسان مهما أوتي من العلم فهو قليل ومحدود ، بل ويقف عاجزا أمام أكثر من 90% مما يحدث له ويواجهه في حياته ، فالأطباء مع احترامنا الكبير لهم ، لا يعرفون بدقة حقائق ما يحدث داخل جسد الإنسان مهما كان لديهم من وسائل للكشف والتحاليل والتصوير بمختلف الوسائل لجسد الإنسان ، وتوافر المعرفة بكثير من أجهزة الجسم ووظائفها وتفاعلاتها وأمراضها ، ولكنه في الحقيقة نقطة من بحر ، وذلك لأسباب كثيرة ، أولا .. أننا نتعامل مع الإنسان على أنه مجرد جسد يتكون من أجهزة بديعة التركيب والوظائف ، ويتجاهلون تماما أن الإنسان هو مجرد “نفس” ، تسكن جسدا وتتحكم فيه ، ويتأثر بها الجسد بنسبة 100% طبقا لحالة النفس ومتاعبها وأمراضها وتفاعلاتها .

ثانيا .. علماء وجهابزة الطب النفسي يبنون فهمهم للنفس البشرية على نظريات البشر ، المبنية أساسا على تجارب بعض الأطباء والعلماء على المختلين نفسيا أو عقليا ، والمقارنة بينهم وبين من يفترضون أنهم أصحاء ، ويتجاهلون تماما أكثر من (400) آية قرآنية ، يفصل فيها الخالق العظيم خلقه للنفس البشرية وحالاتها وأمراضها وعلاجها ، وقد حدث هذا لأن المسلمين (أصحاب الكتاب الخاتم) هجروا آيات العلوم في قرآنهم العظيم ، واكتفوا بادعائهم زورا أن علوم الدين هي فقط في آيات علوم الفروض والحدود والعاملات (علم الفقه) فألفوا فيه ملايين الكتب والدراسات والتفسيرات ، رغم أن آيات الفقه لا تزيد عن مائة وتسعون آية بنسبة أقل من 3% من كتاب الله ، بينما هجروا ما يزيد عن عشرة أضعاف هذه الآيات في خلق النفس والإنسان ، وتشتتوا وانحرفوا بمفاهيمهم فصدقوا البشر وكذبوا خالقهم ، رغم أن المسلمين دوما يتباهون بوجود علوم الخلق والعلوم البحتة في كتابهم ، خاصة كلما اكتشف العلماء حقيقة علمية أو كونية ، ولكنهم أبدا لا يسمحون ولا يتجرأون على دراسة آيات العلوم هذه ، وبل ويعتبرون من يحاول ذلك فاسقا وزنديقا (في قلوبهم زيغ) ، كما ورثوا ونقلوا عن علماءهم أولين ، وكان هذا نتاج مباشر للتزوير الأكبر في مفاهيم القرآن ، والتي خضع لها المسلمون وسلموا بها قرونا طويلة وصدقوا أن تفاسير الأقدمين هي قمة الفهم والعلم ، ولا يجوز تغييرها أو مناقشتها حتى لو كانت هراءا وخطئا واضحا لا يتناسب مع مفاهيم العصر الحالي وارتفاع قدرات الفهم والإدراك للبشر ، حتى أصبحت تفاسيرهم ومفاهيمهم الساذجة والفاشلة في الإقناع هي مقدسات مسلم بها ، ومن يقترب منها يواجه اتهامات بالزندقة والفسق وهدم الدين ، وذلك من جميع كهنة الدين ووكلاء الله على الأرض كما يدعون ، وكل هذا يتم برعاية وتشجيع وإيعاز وتحريض من خدام الماسونية الذين تعمدوا تضليل المفاهيم للسيطرة على المسلمين وتحويلهم لدروايش لا قيمة لهم .

ثالثا .. أن علماء وجهابزة الطب البشري لم يصلوا لجميع حقائق عمل أجهزة الجسد خاصة التوافقات الدقيقة للأجهزة مع بعضها البعض ، بل و99% من أمراض الإنسان لا يوجد لها تفسير علمي واضح ، ويقفون عاجزين عن فهم كثير من أفعال وردود أفعال الجسد البشري ، ولذلك يقوم الطب على نظريات الاحتمالات الأكثر شيوعا ، خاصة لو كان الطبيب ممن يحفظون ولا يفهمون حقيقة ديناميكية جسد الإنسان ودقة أدائه ، ولا أعني هنا التخمين المبني على التخيلات ولكنه أعمق من هذا بكثير ، ولذلك سوف تجد طبيبا يصف لك العديد من الأدوية لحالة مرضية معينة ، بينما طبيب آخر سوف يصف مجرد مسكنا مؤقتا لآلامك مع توصية بتغيير مواعيد نومك واستيقاظك فقط ، أو شرب كوب من الماء قبل النوم وعند الاستيقاظ ، فتستجيب حالتك المرضية أسرع لعلاج الأخير ، وربما لا يشفى مرضك أو تصاب بأمراض جديدة مع صاحب الروشتة المعقدة كثيرة الأدوية ، فمثلا .. المضاد الحيوي لعلاج الالتهاب الرئوي يتسبب في التهاب وتيبس أربطة المفاصل ، لا يشفى بسهولة بل قد يستمر لشهور طويلة .

رابعا .. سيطرة اللغة الإنجليزية على المفردات العلمة والطبية منذ قرون طويلة ، وميول الغالبية العظمى من الأطباء خاصة المسلمين لاستخدام المصطلحات الأجنبية في فهم وشرح وعلاج الأمراض ، وهذا أحد أهم أسباب تعرقل الطب وتقدمه في العالم عامة وبين المسلمين على وجه الخصوص ، وذلك لأن الخالق العظيم أنزل علومه بلغة عربية مفصلة ودقيقة وتحمل قدرات بيان وتفصيل وتدقيق توازي أضعاف أية لغة أخرى ، ولو اهتم الأطباء والعلماء بلغة القرآن لاختلفت قدراتهم ومفاهيمهم عن طبيعة جسد الإنسان ، وهذا ما يؤكد أسرار اهتمام دولا أوروبية وغربية بإنشاء مراكزا لدراسة علوم القرآن ، بعد اكتشافهم حقيقة صدق آيات العلم في هذا الكتاب العظيم ، ووضوح عجز اللغة الإنجليزية عن الإحاطة بكل أنواع وتفاصيل العلوم البحتة التي بنى الله على أساسها مخلوقاته في كونه .

خامسا .. تزوير مفهوم الدين نفسه لدى معظم البشر ، فبرغم أن الله واحد أحد ، والبشر جنس واحد ، على أرض واحدة ، ودين الله للبشر واحد لا اختلاف فيه ، ولكن البشر بتعصبهم وغطرسة (الأنا) في نفوسهم ، وبسوء استخدامهم لصفة الإبداع (الإتيان بالجديد) ، قاموا عبر التاريخ بتفريق شملهم لقوميات وأعراق ومذاهب ثم أديان ، ولم يكتفوا بهذا بل قاموا جميعا بحصر الدين عمدا في بعض مناسك الخضوع لله ، والتي فرضها الله من أجل تحقيق استقامة مفاهيم النفس في ممارستها لحركة الحياة ، فالمناسك هي إجراءات ومراسم الخضوع لله والغرض منها هو الحفاظ على الاستقامة ، ولكن كالعادة طمس المزورون (يهود الماسونية) عبر التاريخ البشري كل رسالة سماوية أنزلت للبشر ، وعندما فشلوافي تزويرالقرآن العظيم ، زوروامفاهيمه الأساسية ، وأولها .. حصر معنى الدين في مناسك ومراسم ومظاهر وحركات لا علاقة لها بحركة الحياة ، فتحول الدين لمظاهر ومناسبات كالميلاد والزواج والوفاة ، وبعض المناسبات التي طمسوا معالمها بهدف الانحراف عن الغرض منها ، فمثلا .. شهر الصيام .. الذي تحول لشهر استهلاكي وولائم ودراما ومسلسلات عري وجرائم وفضائح بغرض التسلية ، فسقط الهدف من رمضان ، وعلى الطرف الآخر .. تجد تجار الدين حولوا شهر رمضان لزمن توقف فيه حركة الحياة وتشدد فيه المناسك بصلوات القيام والتهجد والتي لم يفعلها رسول الله ، ثم اعتكاف طوال الليل ، يؤدي للانقطاع عن العمل والكسل وتعطيل لحركة الحياة باسم الدين ، فتم طمس معان الدين ومناسكه لدى الجميع دون استثناء .

سادسا .. ومن تزوير مفهوم الدين صدروا لنا أهم وأخطر وأكبر تزوير لمفهوم رئيسي في الدين ، وهو مفهوم العبادة ، وأجبرونا على حفظ مقولة “أن العبادة هي فعل “التعبد” لله بالمناسك والفروض” ، وذلك بتسمية هذه المناسك كذبا بالعبادات ، وهو مفهوم كاذب ومزور ومضلل ، لسببين رئيسيين ، الأول .. أن مالك الملك الخالق العظيم لم يسمي الفروض والمناسك (الصلاة – الزكاة – الصيام – الحج – ذكر الله) بالعبادات مطلقا ، بل سماها بالمناسك وقال سبحانه وتعالى .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ … }الحج67 ، ونفى سبحانه وتعالى أن يكون الدين هو الصلاة والزكاة والمناسك في قوله تعالى .. {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5 ، فإخلاصك للدين لله هو تحديدا (استقامتك في حركة حياتك خوفا من الله وتوقيرا له سبحانه ) ، ومن أجل الحفاظ على استقامتك فلابد أن تقيم الصلاة والزكاة وباقي المناسك لتضمن دوام هذه الاستقامة .

والثاني أن العبادة .. هي تنفيذ المهمة التي خلقنا الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخلفاء عليها “هو أنشأكم منها واستعمركم فيها” ، أي كلفكم بمهمة إعمارها ، ولذلك ينادي الله عباده الكفرة يوم القيامة بقوله عبادي .. ” {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17، ولذلك من يتقن إعمار الأرض يجعله الله سيدا عليها ، ولذلك أيضا أهان الله المسلمين في الأرض عندما زوروا دينه وادعوا كذبا أن العبادة هب في أداء مناسك وفروض ونوافل وادعاء التقرب إلى الله ، وأهملوا إعمار الدنيا بالعلوم البحتة التي أنزلها الله لهم في أكثر من نصف آيات القرآن العظيم ، وسوف يستبدلهم الله بغيرهم .. { .. وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }محمد38 ، وليس على الله بعزيز حتى ولو البشر جميعا .. {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }الأنعام133 .

أخيرا … لابد أن يفيق البشر من حماقاتهم وظنونهم أنهم الأفضل من غيرهم ، أو أنهم أصحاب الجنة والرضا من ربهم لمجرد أنه أوجدهم مسلمين أو مسيحيين أو يهود أو هندوس أو بوذيون ، فكل صاحب ملة أو ديانة يعتقد أنه الأفضل والأقرب للرب ، والجميع في انتظار (خرافة) المنقذ ، أيا كان مسماه بالمسيح أو كريشنا أو المهدي المنتظر أو سوبر مان وسبيدر مان ، ولابد أن يعلموا أنهم إن لم يستقيموا مع الله ويصلحوا ما أفسدوه ، فسوف يستبدلهم سبحانه بأقوام آخرين ، تماما كما جاء بنا واستبدل بنا أقواما آخرين ، وليوقن كل منا أن من ولد اليوم ملسما ، فسوف يعود للدنيا مسيحيا أو ملحدا ، فكلها معطيات الاختبارات في الدنيا ، وأن الله مطلع في خبايا النفوس وبعلم نوايانا ، ويعاملنا على قدرها ، وأن الدنيا قدورها (ماضيها وحاضرها ومستقبلها) بيديه وحده ، ولا يملك ابن آدم إلا أن يستقيم مع ربه لينجو من سخطه وغضبه وعقابه سبحانه ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون…
جمال عمر