أولا قبل أم نستكمل ما بدأناه .. ، لابد وأن نتفق مبدئيا أن قدرات الخلق والإبداع لله الخالق العظيم ، هي أكبر وأروع وأبدع مما تستطيع عقولنا وخيالاتنا الإحاطة به ، أو إدراكه وفهمه ، ولذلك قال لنا رسول الله عن نعيم الجنة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ، فاقرؤوا إن شئتم .. {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }السجدة17 ، فإذا كان الثواب ونعيم الجنة ، وهو جزاء من الله على حسن العمل بالدنيا ، أكبر وأعظم من خيالات البشر ومعارفهم ، فكيف بطبيعة خلق الله في كونه ، وهل يستطيع بشر أن يحيط بخلق الله ويدركه ، إلا لو أشار سبحانه وصرح أو ألمح له في آيات قرآنه العظيم ، ولذلك يقول سبحانه مرارا (هذا خلق الله) ، ويتحدى (فأروني ماذا خلق الذين من دونه ، ثم يحسم القضية بقوله { .. وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }النحل8 ، ومن عجائب خلق الإنسان ما نسميه نظريات الأبعاد المتوازية .

وكنا قد تعرضنا من قبل لفرضية (الزمكان) والأبعاد المتوازية ، وموجز الفهم في هذا الموضوع أننا نعيش على الأرض في بعد زمني معين ، ولكن ذلك لا يمنع أن نعيش في أبعاد زمنية مختلفة بالنفس ذاتها ولكن بأجساد مختلفة ، وبأحداث مختلفة وبيئات مختلفة ، وهذا ليس خيالا لأن علوم ميكانيكا الكم تثبت وجود ذلك ، والرؤى التي نراها في نومنا تقول بأكثر من ذلك ، والأهم أن هناك آيات تشير لذلك ولكننا لا نريد أن نصدق إلا ما تراه عيوننا وتدركه حواس جسدنا الضعيفة والمحدودة ، فتلك حقيقة وليست خيالا ، فعند النوم تنتقل النفس من بعد زمني إلى أبعاد أخرى زمنية مختلفة ، وما تراه أثناء نومك قد تستطيع تذكر أجزاء منه ، وقد لا تتذكر شيئا ، لأن مخزون الذاكرة في جسدك في أي من البعدين لا يحتمل أكثر مما يخصه فقط ، وتلك رحمة من الله حتى لا تختلط الحيوات للنفس الواحدة ببعضها ، خاصة وأن لكل حياة منهما ظروفها وعمرها ومعطياتها المختلفة واختباراتها.

لست مدعيا بالباطل شيئا لا وجود له ، بل إن هناك كثير من عجائب وغرائب تصادف البشر ، يفقدون عندها القدرة على الفهم والتفسير ، ومنها مسألة الأبعاد الزمكانية ، والتي أحيانا تصادف بعض الناس عند (نقاط لينة) بين الأبعاد فيرون أشياء وأحداث عجيبة لا تفسير لها ، خاصة لو حدث انتقال لأشياء مادية بين الأبعاد ، مثل سيارات تخرج من العدم ، أو أخرى تختفي فجأة دون أثر ، وتلك حوادث شهيرة وكثيرة ، ولا تفاسير لها سوى حدوث التداخل بين الأبعاد ، وكيف لا نريد أن نصدق ذلك ، إلا إذا كنا محدودي العقل والفهم ونتخيل أن حدود خلق الله لابد وأن تكون في حدود ما نستطيع فهمه وإدراكه بحواس أجسادنا فقط ، لأننا حقا لم نفهم قوله تعالى .. { … وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، فما علمنا الله إلا القليل ، وفي قوله تعالى ذلك هو دعوة من الخالق العظيم للتوقف عن استخدام خيالاتنا وأوهامنا لتصور حقيقة الخلق ، والتقبل لوجود ما لا تحيط به عقولنا وقدراتنا من تنوعات واعجازات خلق الله ، ويثبت ذلك ما وصلنا له من علوم فيزياء الكم ، ونظريات الأبعاد النجمية ، والتي تفتح أبواب لفهم حقيقة وجود أبعاد أخرى خارج نطاق الإدراك البشري وحواسه وقدراته ، ولذلك فإن فهم موضوع الأبعاد يفسر كثيرا من الحوادث العجيبة والتي عجزنا عن فهم طبيعتها وحقيقتها ، ولكنها لا تمنع من ظهور كثير من التساؤلات التفصيلية ، والتي ربما يفصح عنها المستقبل القريب ، خاصة وأننا في كل يوم يزداد مصداقية وجود أشكالا لحيوات ومخلوقات عاقلة وربما أكثر منا تطورا ، وأن هناك تواصلا من بعض البشر معهم قديما بل وحديثا .

ونتوقف هنا قليلا عن حقيقة تثبت نفسها ، وهي أن النفس البشرية لها قدراتها المختلفة عن الجسد ، وأن الجسد يمثل لها سجنا (مؤقتا وممتعا) ، لأنه يقيد قدراتها بل غالبا ما تسقط النفوس أسرى للجسد ، حتى أنها لا تصدق أن لها (كنفس) قدرات متفوقة عن قدرات الجسد ، وهذا منتشر ومتفشي بين عموم البشر ، كنتيجة منطقية لانغماس النفوس في محاولات تحقيق أقصى رغباتها الممنعة بواسطة الجسد ، والحقيقة أن النفس قد تم تصويرها بواسطة الجسد ، ، تماما مثلما يتم تصويرك ورقيا أو بالفيديو ، وهي الحقيقة التي أكدها الخالق العظيم في خمسة آيات متفرقات في كتابه العزيز ، هي قوله تعالى .. {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ … }الأعراف11 وقوله تعالى .. ، { .. وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ .. }غافر64 ، وقوله تعالى .. {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }التغابن3 وقوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }آل عمران6 ، ، وقوله تعالى .. {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ }الانفطار8 ، وفي هذه الآيات يشرح سبحنه أنه قد بدأ الله عملية التصوير للنفس بخلق المادة التي سيتم التصوير فيها ، حيث يتم صناعة الصورة الخارجية التي سوف تكون عليها النفس مرئية في الدنيا ، وتتم عملية خلق الصورة (الجسد) في رعاية وعناية دقيقة وفائقة في الأرحام ، ولا تتم عملية التصوير إلا بعد اكتمال الجسد (مادة التصوير) .

ولا شك أن لحظة التصوير هي اللحظة الفارقة والأهم ، ويسميها سبحانه وتعالى بـ (الإنشاء) ، وذلك ما يقوله سبحانه وتعالى عند اللحظة الأخطر والأهم في عملية تسلسل خلق الإنسان .. { .. ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، فعند اكتمال مراحل خلق الجسد ، يأذن الله بـ (إنشاء) النفس داخل الجسد وبتمام الإنشاء تكون النفس قد تم تصويرها في جسد لتحيا به في الدنيا ، ويؤكد سبحانه على ذلك بقوله تعالى .. {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ … }الأعراف11 ، فسبحانه يخلقنا كنفوس ثم يصورنا في أجساد حية ، ويصف سبحانه وتعالى تصويرنا بأنه تصوير مبدع بقوله تعالى .. { .. وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ .. }غافر64 ، ثم يذكرنا بأنه صاحب الإرادة والمشيئة في صورة كل نفس في الدنيا بقوله تعالى .. {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ }الانفطار8 ، وبالتالي فلا ننسى أن أجسادنا هذه ما هي إلا صورة مؤقتة لنفوسنا ، يمكن استبدالها بصور أخرى مختلفة تبعا للمهمة ونوعية الاختبارات ، وأن عملية التصوير قد تمت بعملية إبداع من الخالق العظيم سماها سبحانه (إنشاء) ، وهي أحد العمليات الأساسية في خلق الإنسان ، وهو ما يؤكد أنه سبحانه وتعالى يكررها مرات ومرات بعد الوفاة (مغادرة الجسد) ، وليست مرة وحيدة كما نظن وندعي بالجهل ، وهو ما أوضحه سبحانه في سورة الواقعة بقوله تعالى .. {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} .

وكما قلنا وأوضحنا بآيات الله من قبل ، أن النفس لا تستقر في الجسد مطلقا بل تمارس عمليات الخروج من الجسد يوميا للنوم ، وأحيانا هروبا من موقف مفزع (إغماء أو غيبوبة) ، وذلك لترتاح النفس من سجن الجسد قليلا ، ويرتاح الجسد من عناء وجود النفس فيه ويعيد الجسد صيانة خلاياه وأجهزته في غياب النفس المرهقة له ، حتى تغادره لللمرة الأخيرة بلا عودة عندما ينتهي الأجل المقدر بيد الله ، وهذا ما يقوله سبحانه وتعالى .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، ولاشك أن وجود النفس في الجسد ، يجعل الإنسان (النفس) خاضعة لقوانين الجسد على الأرض ، بداية من قانون الجاذبية والوزن الحجم وقدرات الجسد على الحركة والتعامل مع الأشياء ، ولذلك غالبا ما يتعرض الإنسان لمواقف يشعر فيها بالعجز ، أو قدرته على فعل أشياء فوق قدرات جسده ، وهو ما تحاول النفس تنفيذه ، أو التنفيس عنه خلال تواجدها خارج الجسد (للنوم أو الإغماء أو الغيبوبة) ، لأنه بمجرد خروج النفس من الجسد على الأرض ، تسترد النفس قدراتها على الحركة ، وتنطلق في أبعاد أكبر من قدرات تخيل الإنسان الفعلية التي يعرفها ويقيسها ويسجلها بحواسه الجسدية الخمسة .

ولا شك أن حواس الجسد الخمسة هي أضعف أنواع الحواس التي يتمتع بها المخلوق صاحب النفس والجسد الأرضي ، لأن النفس تمتلك حواسا فوق تخيل الإنسان ، ولكنها معطلة بسبب تركيز النفس على استخدام حواس الجسد والاستمتاع بها واستثمارها ، وأبسط حواس النفس التي نعرفها هي ما يسمونه زورا بالحاسة السادسة ، ومن ظواهرها تنبوء الإنسان بما سوف يحدث مستقبلا (قريبا أو بعيدا) ، والقدرة على فهم ما يدور في نفوس الغير دون أن يتكلموا ، وكذلك التخاطر بين الأشخاص ، وقدرات أخرى كثيرة ، يسميها البشر جهلا بالحاسة السادسة ، وهو خطأ جسيم ، لأن لكل قدرة منهم خصوصيتها ومسماها المختلف ، فقدرتك على التخاطر مع شخص بعيد عنك ، أو حتى قريب هي قدرة النفس على إرسال بعضا منها بالخروج من الجسد وتحقيق التواصل النفسي مع شخص آخر ، وهذه القدرة لها درجات وأنواع ، فالمستوى الأول منها ، هو خوف الأطفال من أشخاص بعينهم دون سبب واضح ، ولهم كل الحق فهؤلاء الأشخاص حقيقة نفوسهم ليست كما يظهرون ، أما المستوى الثاني فهو مثل هو اعتيادك فهم لما يدور في عقل أو قلب إنسان دون أن يتكلم ، وتلك قدرة للنفس على الدخول في عقل إنسان عبر عينيه ومعرفة ما تريده بقرائته مكتوبا على شاشات عقله ، أم المستوى الثالث .. فيأتي لو ارتقت هذه القدرة أكثر فتصبح النفس قادرة على التنبوء بمن سوف يدخل من الباب أو من سوف يطلبك تليفونيا قبلها بثوان أو دقائق ، وفي المستوى الرابع ترتقي القدرة أكثر فتصل إلى إحساس الأم بما يحدث لطفلها وهو بعيد عنها ، وهنا تغادر النفس (بعضها أو جزء منها) الجسد وتتابع (ولدها) لتطمئن عليه ، وفي المستوى الخامس … فسوف تستطيع النفس أن تحقق معه اتصالا مع نفس أخرى بعيدة وتتبادل معه الحوار والأسئلة ، وفي المستوى السادس .. سوف تكون النفس في حالة ارتقاء فوق ضعفها ورغباتها ومدركة لحقيقة الحياة ومستشعرة لناموس الله في حركة حياة البشر وهكذا كان عمر بن الخطاب ، أما المستوى السابع فهو خاص بالأنبياء لقدرتهم على تلقي الوحي وهم أحياء في أجسادهم .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
