غالبا ما يجد الإنسان نفسه أسيرا لقيود ونظريات فرضها غيره فيستسلم لها معتبرا أنها ذروة العلم لاغيا بذلك عقله ومتنازلا عن أبرز وأهم ما يميزه كبشر صاحب فكر وقدرات عقلية وهبها الله له ليستخدمها ، لا ليعطلها أو يتنازل مستكينا ومستسلما بل وأحيانا مستميتا في الدفاع عنها دون فهم أو إدراك ، خاصة في موضوعات مثل تطور التاريخ البشري ، والذي تجافيه الأمانة ويشوبه تحيز من يكتبه حتى قيل أن التاريخ يكتبه المنتصرون فقط ، وهو ما سأحاول الفكاك منه بالحديث العلمي والمنطقي عن الحرب والحكم كمتلازمتين في حركة حياة البشر عبر تاريخهم الطويل ، حيث ظهرت الحاجة لتطور نظم الحكم عبر أجيالها المفترضة تبعا لتطور أجيال الحرب ، وليس العكس ، ولن يكون غريبا أن نلاحظ تلازم وتناسب الأجيال بين الحكم والحرب وإن اختلفت مظاهر التفاصيل البسيطة لمعاني الكلمتين بين نوعيات علماء التاريخ الإنساني والسياسة والاقتصاد والاجتماع والإعلام والعسكريين .
ولعلنا نتذكر ما ذكره علماء الاجتماع وعلى رأسهم بالقطع (ابن خلدون) والذي ينصفه علماء الغرب على أنه أعظم فيلسوف للتاريخ والاقتصاد والاجتماع في العالم حتى يومنا هذا ، والذي يذكر أن أسباب تطور نظم الحكم من الفردي للقبلي إلى الدولة تكمن في تطور حاجة الفرد والقبيلة والجماعة للاتحاد في نظام أكبر لتوفير الحماية ضد الأخطار المحتملة والمتزايدة وهو ما خلق أول كيان لما نطلق عليه مسمى الدولة ، وهو ما يجعلنا أيضا لا نستطيع التغافل عن تعريف ابن خلدون للدولة بأنها (كائن حي له طبيعته الخاصة به، ويحكمها قانون السببية ، وهي مؤسسة بشرية طبيعية وضرورية ، وهي أيضاً وحدة سياسية واجتماعية لا يمكن أن تقوم الحضارة إلاَّ بها) ، وبالتالي فلا شك أن تطور أجيال الحرب والصراع كان وما زال هو الدافع الأقوى والرئيسي للتطور البشري على جميع المستويات وفي مختلف المجالات العلمية والتقنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية وإذا كانت (الحاجة هي أم الإختراع) فلا شك أن (الحروب هي أم الإبداع) ، ولولا شعور الإنسان دوما بتنامي وتصاعد التهديديات لما استمر عقله وفكره متيقظا ومتقدا ولما أبدع في كل يوم شيئا جديدا يضيفه لإنجازات حياته .

ومن المعروف أن أجيال الحروب بدأت تعرف كعلم منذ زمن بعيد في التاريخ الإنساني فوجدناه قي كتاب فن الحرب الصيني (سن تزو) والذي يرجع تاريخه للقرن السادس قبل الميلاد ، وكذلك ما ترويه أروقة المعابد الفرعونية والتي تصف تكتيكات وأساليب الحرب قبل ذلك بقرون ، ولكن الحرب عرفت لأول مرة في التاريخ الحديث أو الوسيط كعلم مكتوب له مدارسه ومناهجه مع تنامي الحضارة الإسلامية على يد الدولة العباسية والأموية في الأندلس ، والدولة العثمانية فيما بعدها خاصة بعد فتح القسطنطينية ، وعبر كل هذا وضع المصريون لمساتهم الحربية في تطور أجيال الحرب في عدة مراحل تاريخية بدءا من حروبهم التاريخية ضد الهكسوس ثم الرومان فالتتار والمغول والصليبيين ثم حروب محمد علي وغزوه لأوروبا ، ولكن تطور الدراسة لأجيال الحروب لم تعرف كعلم متشعب ومتعدد الوجوه والتأثيرات يدرس في الجامعات والأكاديميات إلا خلال القرن الماضي .
ويقول علماء الاجتماع والتاريخ في العصر الحديث كذبا وضلالا ، ويقولون أن أجيال الحرب أربعة ووصلت اليوم للجيل الخامس كما يشيعون ، ويصفون الجيل الأول للحرب بالمعتمد على الحشد للقوي البشرية وتكتيكات تحرك القوات عبر وخلال ميادين القتال ، ويرون أن الجيل الأول قد استمر منذ بداية التاريخ البشري وحتى بدايات القرن العشرين ، والجيل الثاني بدأ مع تتابع الحربين العالميتين الأولى والثانية وظهور نوعيات من الأسلحة ونظم التسليح المطردة في التطور ، وبالتالي فالجيل الثاني للحرب هو المعتمد على تقديم أعمال القصف المكثف للنيران سواء بالمدفعيات والصواريخ والطائرات حتى تحقيق نصر يمكن المشاة من الاحتلال السلس للأرض وتامينها ، ثم يقولون أن ظهور الجيل الثالث للحرب قد جاء متأخرا متمثلا في مجموعة حروب ما بعد الخمسينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي والمعتمدة على الالتفاف والمناورة وضرب مؤخرات وخلفيات القوات في العمق وحصار القوات من الأمام والخلف وتصفيتها ، وهنا يذكرون أن المصريين بانتصار اكتوبر 73 أضافوا لتاريخ الحروب دروسا جديدة ومباديء مستحدثة في أساليب المزج والمناورة بين أجيال الحروب الثلاثة بكفاءة وقدرات عالية ما زالت محل دراسة وتحليل في أعرق وأكبر المعاهد والاكاديميات العسكرية من بلتيمور وحتى جوهانسبرج .

وأخيرا يصل علماء الغرب للجيل الرابع من الحروب والذي يكثر الحديث حاليا ومنذ عهد قريب حيث ظهر كمصطلح في 1980م ويعتمد الجيل الرابع من الحروب كما يقول عنه أحد قادة سلاح الجو الأمريكي في بحث له ، أن الجيل الرابع من الحروب، وبصورة عامة ، هو الذي يطمس الخط الفاصل بين الحرب والسياسة ، وبين الصراع والسلام ، وبين الجنود والمدنيين ، وبين ساحات المعارك والمناطق الآمنة ، ويقول عنه الكاتب والمحلل العسكري (انتوليو ج. اتشيفاريا) أنه أحد محاولات التفكير خارج الصندوق، فهو جيل يعتمد على توظيف كل الشبكات، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، لإقناع الخصوم بأن أهدافهم الاستراتيجية غير قابلة للتحقق ، أو أنها مكلفة للغاية ، وقد بدأ ظهوره فعليا مع تصاعد الحرب الباردة بين روسيا وأمريكا وانتهت بتفكك الدب الروسي ثم استخدمتها أمريكا مجددا في تدمير كل من أفغانستان ثم العراق ثم سوريا وليبيا والسودان واليمن ، وما زالت تمارسها بإصرار وتعنت ضد مصر العنيدة والصامدة والمنيعة على كل معتدي أثيم ، لكن سبب انتشاره كان حرب العراق والهجمات التي تشنها الجماعات المتطرفة في مختلف أرجاء العالم ، ويرى اتشيفاريا أن هذا الجيل «ليس إلا وهمًا، ومحاولة من الولايات المتحدة لتبرير فشلها مخابرتيًا وعسكريًا .

ولا اعتراض على تقسيم علماء الغرب لأجيال الحرب تبعا لرؤيتهم الخاصة والمجحفة للتاريخ البشري والهادفة لتجاهل واختزال مراحل التطور الحقيقية والأصيلة ، حتى يتفاخروا بأن الغرب هو صاحب الفضل في كل تطور بشري ، وبالتالي فمن المنصف أن يكون التقسيم أمينا ومرتبطا بتطور صور الحكم في العالم خاصة وأن الحروب هي متلازمة لحركة الحياة للبشر ، ومن هذا المنطلق كان لابد وأن نقول أن معظم مباديء الحرب التي يبنون عليها تطور أجيال الحرب هي أساسيات في كل حروب البشر منذ آدم وحتى يومنا هذا ، فالحشد مثلا ما زال أساس لا غنى عنه واستخدام الأسلحة التدميرية لإحداث الخسائر عرفت منذ عصر المنجنيق والمناورة عرفها سن تزو في كتابه من أكثر من ثمانين قرنا واستخدام الاقتصاد والفكر والسياسة والعملاء عرفه (سن تزو) والفراعنة من قبلهم ، ثم برع العرب في استخدام كل هذا عبر فتوحاتهم التي بلغت ما لم تبلغه دولة أو حضارة من قبل ، وهو ما يحاولون طمسه بتعمد مكشوف .

ولذلك يمكننا القول أن الحرب تطورت عبر ستة أجيال ماضية ومتعاقبة عبر تاريخ البشر واليوم نحن على أعتاب الجيل السابع وهو ما ربما يكون المدمر للبشرية أو معظمها لو استمر التصعيد الذي نراه مطردا خلال العقود الأخيرة ، وهذه الأجيال الستة بدأت بالجيل الأول وما نسميه بجيل المواجهات حيث تميز بالفعل بالمواجهات الشجاعة بين قادة الجيوش وشجعانها أولا ، وذلك قبل خوض غمار حرب مواجهة متسعة بين عامة الجند وقد استمر هذا النوع بكل ما فيه من قوة وشجاعة وحشد ومناورات وخداع حتى ظهر الجيل الثاني من الحروب على يد الإمبراطوريات العظمى بداية من عهود ملوك الأسر المصرية القديمة وعلى رأسها الملك تحتمس الثالث ، ثم تبعه امبراطوريات الرومان والفرس وهذا الجيل ظل قرون طويلة وهو جيل نسميه بجيل الاجتياح والإمبراطوريات ، والتي ظهر معه نوعيات مستحدثة من الأسلحة والدروع ووسائل القتل وقسمت الجيوش لنوعيات كالمشاة والفرسان والجواسيس والعيون المتقدمة التي نسميها الاستطلاع والأرتال الإدارية الثقيلة ، وظل هذا الجيل مسيطرا على الحروب حتى ظهور حضارةالإسلام فعرف العالم معها جيلا جديدا ، وهو الجيل الثالث للحروب ، والمسمى بجيل المواثيق حيث عرف العالم معنى الشرف والنبل والشهامة في الحروب فضلا عن استحداث تكتيكات الحرب الجديدة والأرتال الإدارية الخفيفة والمتحركة ، وكان أهم ما ميز هذا الجيل هو وضع واحترام المواثيق وشرف المعارك وحقوق الأسرى والمهزوم حيث عرف العالم لأول مرة رقي أخلاق البشر واحترامهم لمقدرات أمور أعدائهم حتى وهم منتصرون .
ثم تلاه الجيل الرابع وهو ما نسميه بجيل الفاتح ، لأنه حق تاريخي لمحمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية ، هذا السلطان العلامة الفارس الحكيم ابن الثالثة والعشرين سنة والذي أضاف قطع البحرية المسلحة ومشاة الأسطول وفاجأ العالم بأكبر وأعتى أنواع المدافع حتى اليوم ، وهو ما دك به أسوار القسطنطينية حتى سقطت ، وهذا المدفع موجود حاليا بمتحف لندن ، واستمر انتقال هذا التطور لأوروبا عبر القرون الوسطى حتى وصلنا إلى الجيل الخامس للحروب وهو ما يمكن بتسميته بجيل التعدد والذي اتسم بتقسيم الجيوش لبرية وبحرية وجوية والذي ظهر مع القرن التاسع عشر وبدايات العشرين مع الحرب العالمية الأولى ، وهو أعلنت أمريكا نهايته وبداية الجيل السادس وهو جيل أسلحة الدمار الشامل والذي بدأته بإلقاءها بالقنابل النووية على هيروشيما ونجازاكي في الحرب العالمية الثانية ، وتبعه التطور الكبير واستخدام العديد من أسلحة الدمار الشامل التفريغية والنووية المحدودة والكيميائية والفيروسية حتى يومنا هذا .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
