معضلة … المرض النفسي (1) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
27 يوليو، 2024
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
458 زيارة

بداية .. فليسامحني أطباء وعلماء النفس في عالمنا العربي ، بل وفي العالم أجمع ، فما سوف نستعرضه قد لا يلقى استحسانا من بعضهم ، وربما يثير جدلا كبيرا فيما بينهم ، فهم أعلم من غيرهم بعوار ما بين أيدينا من علوم النفس ونتائجها الكارثية على المرضى ، لإاسس علم النفس بنيت على تجارب على المرضى والمختلين نفسيا فجاءت النتائج مجرد ظنون وتخمينات وتخيلات بشر لا علم لهم بحقيقة النفس ، متجاهلين أكثر من (400) آية علوم قرآنية يصف فيها الخالق العظيم كيف خلق النفس ومواصفاتها وحركاتها وأمراضها وعلاجاتها ، والنتيجة والدليل أن نسب الشفاء الفعلية من الأمراض النفسية لا تتعدى واحد في المائة وربما في الألف ، وذلك لسبب وحيد ، وهو الجهل الشديد بالنفس وكينونتها ووظيفتها وحركاتها وكيفية مرضها وأساليب علاجها ، ولا عجب أننا ما زلنا لا نفرق بين النفس (أصل الإنسان) ، والروح (سر إحياء الجسد فقط ولا علاقة لها بالنفس) ، ولا نفرق في التشخيص والعلاج النفسي ما بين النفس والجسد ، لدرجة أننا نضطر لاستخدام عقاقير وجلسات كهربية على الجسد للتأثير على النفس المريضة ، وهو ما يعد قمة التخلف ، وأخطر الأخطاء الفادحة التي تدمر النفس والجسد معا .

وبداية يجب أن نعرف أن الإنسان أصله (نفس) وفقط ، وأن هذه النفس منحها خالقها سبحانه القدرة على الحياة في مختلف أشكال الحياة ، بمعنى أنه إذا شاء الله لهذه النفس على كوكب كالأرض ، فسبحانه يمنحها جسدا حيا (به روح) من مادة هذه الأرض ، فتسيطر النفس على الجسد وتنتشر في كافة أرجائه بواسطة الشبكة العصبية ، والسيطرة الإرادية للنفس على الجسد محدودة وليست مطلقة ، وإن كانت كبيرة لتمكن النفس من استخدام الجسد لتنفيذ مراد الله من خلقه للإنسان ، ولا تستطيع النفس دخول هذا الجسد إلا لو كان حيا ، فإذا انتهى الأجل المحدد من الله لحياة النفس في هذا الجسد ، خرجت الروح من الجسد ، فيموت الجسد ويتحلل ليعود ترابا ، وبخروج الروح من الجسد ، يصبح الجسد فاسدا (جمادا) لا تستطيع النفس دخوله بعدها ، وتنتهي للأبد علاقة النفس بهذا الجسد ، وتكون آخر علاقة بينهم أن تذوق النفس آلام خروج الروح من الجسد (سكرات الموت) ، رغم أن النفس لم تكن حاضرة عند دخول الروح لهذا الجسد كحيوان منوي (حي) أو بويضة (حية) .

وهنا لابد من التوقف للتأكيد على أنه لا علاقة بين النفس (أصل الإنسان) وبين الروح ، فالروح هي سر الله لإحياء أي جماد ، فالروح نفسها في جسد الإنسان ، هي التي توجد في كل جسد حي ، بداية من الخلايا الإحادية والبكتريا والفطريات والحشرات والطيور والحيوانات ومخلوقات البحر ، فالروح سر إحياء لم يطلع الله عليه مخلوقا ، ولا يمسها ولا يراها ولا يتعامل معه مخلوق إلا بإذن الله ، وفي حدود الوظيفة التي يحددها سبحانه ، ولذلك يقول سبحانه .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، ولكن الروح لا يوجد توصيف شخصي محدد لها ، فالروح ليست صاحبة إرادة ، فهي من أمر الله للإحياء ، والروح لا إرادة لها في حركة حياة المخلوقات ، بخلاف النفس صاحبة الإرادة والتواجد ، والقابلية للتصوير والإنشاء والتعامل .

والبداية الحقيقية للتعامل مع النفس تستوجب تحديد كنه النفس ، وقيمتها بالنسة للإنسان ، وبالتالي وظيفتها ، ثم حركاتها ودخولها وخروجها من الجسد ، وتأثيراتها المباشرة والغير مباشرة على الجسد ، وبالتالي الأخطاء التي تؤدي لمرضها ، وخطوات تتبع المرض وتحديده ، ثم رسم خطة العلاج الواضحة ، وتحديد النتائج المرجوة وإمكانيات تحقيقها الفعلية ، وهو ما يفرض علينا البحث عن مصدر موثوق فيه يحدثنا عن النفس باستفاضة وتفصيل ، وهو ما لم ولن نجده لدى البشر عبر العصور ، ولكننا وجدناه جليا في (424) آية في القرآن العظيم ، أنزلها الخالق العظيم ليهدي ابن آدم ويعلمه ، كيف يتعامل مع نفسه ، يتحدث فيها الخالق العظيم معنا ، ويخبرنا كيف خلق النفس ، إضافة لكل حركاتها وأمراضها وعلاجاتها ، {.. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً }النساء87 فهو قول الله الحق ، {.. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122 ، فهو حديث العلم الحق ، ولكننا كعادة البشر نرتع في عشق الضلال والتخيلات البشرية القاصرة ، وهجرنا علوم النفس في كتاب الله ، وتجاهلناها طويلا ، حتى استشرى فشلنا في علاج أمراض النفس ، فعدنا مجبرين على محاولة فهم واستيعاب علوم النفس من آيات كتاب الله ، حيث أننا لن نجد مثيلا لكتاب الله في الحديث عن النفس البشرية

فالنفس البشرية هي خلق معجز لا مثيل له بين نفوس خلائق الله ، فهي نفس خلقها الله بمواصفات فطرية خاصة ، تتناسب مع الغرض من خلقها ، وهو إعمار الأرض كخليفة عليها ، ولكنه سبحانه لم يشأ أن يبلغنا مما خلق النفس البشرية ، فمادة خلق النفس وتركيباتها لم يسمح سبحانه أن يطلع عليها بشرا ، حفظا للنفوس وأسرار خلقها ، ومن المؤكد أن النفس لم تخلق من مواد نعرفها مثل الجسد ، ويقينا قد خلقها الله من مواد رفيعة القدر والتقنية لما نعرفه عنها من مواصفات فائقة الدقة والإعجاز ، فالنفس يمكن تجزئتها ، ويمكنها التمدد والانكماش ، وتقبل أن يتم تصويرها (إنشاءها) في جسد مادي ، كما أنها لا تستقر مطلقا في جسد فهي تخرج وتدخل الجسد يوميا للنوم وللإغماء والغيبوبة ، ودخولها للجسد مرتبط بحياة الجسد ، فهي لاتدخل جسدا ميتا (غادرته الروح) ، ولا تدخل جسدا عاجزا عن التواصل بين مركز السيطرة (المخ) وباقي جسده ، أو بمعنى أدق .. (فقد المخ السيطرة على الجسد) ، ولكنها فقط تستطيع أن تستخدم الجسد الحي السليم عندما تدخله تبعا لإرادتها .

ويخبرنا سبحانه أن كل النفوس البشرية خلقت من سديم نفس واحدة ، ولذلك تتطابق مواصفات جميع النفوس البشرية في كل نوازعها وصفاتها الفطرية ، ومن هذه النفس الواحدة ، خلق الله نفوسا كاملة ، وكل منها صورة مصغرة من النفس الواحدة الأصلية ، وفي قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، نكتشف هنا إشارة الخالق العظيم ، بأن النفس لها مستقر نشأت منه وتعود إليه ، وهو النفس الكاملة (غير منقسمة) ، كما أن لها (مستودع) هو محتوى مؤقت تتواجد فيه النفس الناقصة لتؤدي مهمة محددة ، ثم تغادره بعد انتهاء السبب لتعود للمستقر ، ويطالبنا سبحانه في نهاية الآية أن نتفقه (نحاول الفهم والادراك) لحقائق العلم في الآية ، والتي أكدها سبحانه في موضع آخر بقوله تعالى .. {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28 ، فبداية الخلق كانت كل نفس في وحدة واحدة كاملة ، وبنهاية الدنيا تعود كل نفس لحالة التكامل .

ولنا في هذه الآية أشارة هامة ، وهي أن النفس الواحدة الكاملة هي الحالة التي سوف نعود إليها بعد انتهاء المهمة على الأرض في الحياة الدنيا ، وهو يوم البعث ، ففي يوم البعث سوف تعود كل نفس لأصلها (النفس الواحدة) ، وقبل أن نخوض في الفارق بين المستقر والمستودع ، لابد من التوقف عند آية أخرى كررها سبحانه ثلاث مرات ، وهو قوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. }النساء1 ، وقوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا … }الأعراف189 ، وقوله تعالى .. {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. }الزمر6 ، فالأصل قبل القدوم إلى الدنيا كانت النفس وحدة واحدة كاملة ، ولكن لمتطلبات حكمة الحياة الدنيا ، خلق الله من النفس الواحدة (زوجها) ، بمعنى أنه سبحانه قسم (شطر) النفس الواحدة إلى شطرين متماثلين ، وكل شطر منهم يحتاج للعودة للتكامل ، وهذا اللفظ (زوجها) يتميز بقمة الدقة ، حيث يشير اللفظ إلى أن الله خلق من النفس ما يصلح ليكمل نقصها ، بمعنى أن الله أنشأ من النفس الكاملة الواحدة (نفسين) جديدتين وكل منهما ناقصتان متماثلتان ، وتحتاجان للتكامل مع (زوجها) وهو النصف الآخر ، والنصفين متماثلين ، وبالتالي فكل نفس منهما قابلة للدخول في جسد ذكر أو في جسد أنثى ، فلفظ الزوج هو لفظ دنيوي بامتياز ، فإذا التقيا الذكر والأنثى نفسيا ، ومارسا اللقاء الجسدي ، فيكون الناتج جسدا جديدا ، يمنحه الله نفسا جديدة ناقصة (شطر) ، لتستمر رحلة الاستخلاف على الأرض أجيالا متعاقبة .

وبالتالي .. فإذا انتهت رحلة الاستخلاف على الأرض ، وذلك في يوم القيامة ، فكل نفس ناقصة لابد أن تلتئم مع نصفها الآخر بمجرد انتهاء الأجل للحياة في الدنيا ، لانتهاء السبب الذي من أجله شطر الله النفس لنصفين ناقصين ، وهو ما يقوله سبحانه تحديدا في مشاهد وعلامات قيام الساعة ، وتحديدا عند النفخ في الصور ، في سورة التكوير ، فيقول سبحانه .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ، وهو ما يثبت جهل البشر بادعاء أن الحور العين للرجل في الآخرة ، فحور العين للنفس الكاملة بعد تزويجها (لا ذكر ولا أنثى) ، وما يتبادر للذهن مباشرة ، هو أن عملية تزويج أو زواج النفوس سوف يكون معناه اختفاء الآباء والأبنا والأقارب ، بمفهوم أشمل سوف تختفي (الأنساب) ، وتلك حقيقة أخرى يقررها سبحانه بقوله تعالى .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، فيوم القيامة لا يوجد أنساب ، لأنها اختفت الأنساب بتزاوج النفوس الناقصة مع ما يكملها من نفوس ناقصة أخرى ، ولذلك لن تتساءل النفوس عن أنسابها مطلقا ، فما عاد لذلك أهمية مطلقا ، لأن النفوس عادت لحقيقتها المطلقة ، وتحررت من نقصها وما حدث خلال رحلتها الدنيوية ، كان مجرد تجربة وانتهت ، وأصبح لا قيمة له ولا اعتبارلما حدث فيها ، كأنه رحلة مؤقتة وانتهت وعدنا منها للحقيقة ، فلا معنى ولا فائدة من تذكرها واسترجاعها أو استحضارها ، إلا فيما يخص نتائج اختبارات البشر فيها ، فأهلك وذويك وأبناؤك وأنسابك كانوا مجرد أدوات اختباراتك التي مررت بها ، فلا يعنيك أدوات الاختبارات ولكن يعنيك نتائج الاختبارات .

وبالتالي فنحن في الدنيا ، مجرد نفوس ناقصة تحتاج للتكامل مع غيرها ، وتلك حكمة ناموس الخالق في كل خلقه للدنيا ، فالدنيا مخلوقة بناموس (الضعف والاحتياج) ، فكل منا نفسا تتوق لما يكمل نقصها ، والاعتراف بتلك الحقيقة هو أول وأساس النفس السوية ، ولذلك فأول أمراض النفس هو أن تهوى النفس تعذيب نفسها بادعاء ومحاولة عدم الحاجة للغير ، وابسط منه دعاء بعض الجهلاء لله أن يجعلهم غير محتاجين لمخلوق أو بشر ، لأن الحقيقة أن إجابة دعاءهم معناه الوحيد هو الموت ، فالدعوة نفسها تبجح وتنطع على حكمة الله في خلقه للحياة الدنيا المبنية على الضعف والاحتياج ، وليس معنى هذا هو الغرق والاستغراق في إظهار الضعف والاحتياج ، ولكن في حكمة التعامل مع هذه الصفة الفطرية (الضعف والاحتياج) باتزان طبقا لحدود الله وقوانينه التي علمنا إياها ، لنحيا بها على الأرض ، وهو الوسطية في كل شيء ، خاصة في التعامل مع مشاعر ومتطلبات خاصية (الضعف والاحتياج) الفطرية .

أخيرا .. وقبل أن نتوقف عند حالات النفس وأمراضها ، فلابد أن نتعرف على ملامح ومواصفات حركات النفس ودخولها للجسد وخرودها منه ، وكيف تدخله للمرة الأولى ، وهل تتكرر عملية الإنشاء ودخول الحياة في أجساد مختلفة ، وماذا ينتظر النفس عند النوم وعند الموت ، وما هي أنواع مسارات واحتمالات حركة النفوس بعد الموت ، وما الفارق بين التصوير والإنشاء للنفس ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر