الحياة .. بين الحقيقة والأوهام (1) ….. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
15 مايو، 2024
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
329 زيارة

عزيزي الإنسان … هل حقا أنت تحياة حياة حقيقية ، لمجرد أنك تأكل وتشرب وتمارس فعل ما تشتهيه نفسك قدر المستطاع ، أم أنك قد تكون مجرد كائن حي يمارس ما تفرضه عليه الحياة ، وهل أنت حر فيما تفعله ، ولست أتحدث عن كونك تستطيع اتخاذ قرار بتناول أو عدم تناول طعام أو شراب بعينه ، ولكني أتحدث عن مقاليد حياتك ، بمعنى .. هل أنت متحكم في تراتيب حياتك وتملك زمامها ، أم تقودك الدنيا كفرد من القطيع ؟؟ ، تفعل وتقول بل وتحلم وتتمنى مثل الآخرين ؟؟ ، ولا حيلة لك في تغيير واقعك ومستقبلك ؟؟ ، السؤال بسيط ، ولكن الرد عليه ربما يكون أبسط ، وربما يكون في منتهى التعقيد ، وربما يكون الجواب مقنعا ومفرحا ، وربما يكون الجواب كارثيا ومحبطا ، وربما لا ولن يكون هناك جواب ، سوى رد واحد كما يقول بعض أبناؤنا (فكك وارحم دماغك وعيش زي الناس يا برنس) .

ولعل مجرد استطلاع لتطور الحياة في الخمسين سنة الآخيرة يعطينا لمحة عما يحدث ، وكان سببا في حالة اللامبالاة التي تفشت في نفوس البشر ، وسنوجز المقارنة في مجال واحد ، وهو وسائل التواصل سواءا بين البشر ، فمنذ خمسين سنة فقط لم يكن هناك محمول ولا إنترنت ولا فضائيات ، كان التليفزيون باللونين الأبيض والأسود فقط يتلمس طريقه في الحياة بقنوات معدودة لا تزيد عن خمسة في أكبر دول العالم ، وثلاثة قنوات في مصر ، وكان الراديو والتليفون الأرضي والجريدة الورقية والمجلات المقروءة هي المتربعة على عرش وسائل التواصل بين البشر ، وبالتالي فكان ما يصل للإنسان اليوم من أخبار وأحداث في دقيقة ، يستغرق ربما أسابيعا وربما شهورا ، وبالتالي فهو قد أصبح من الماضي الذي انقضى ، ورغم أن ذلك سوف يعتبر اليوم تأخرا وتخلفا عن المواكبة لأحداث الحياة ، إلا أن الوضع والأحوال كانت مريحة لعقول وقلوب البشر ، وتعطيهم الفرصة الكبيرة ليمارسوا حياتهم باستمتاع هادئ وبهدوء ممتع .

ليس هذا تحيزا للماضي ولا بكاءا على اللبن المسكوب ، ولكنها الحقيقة المجردة ، فكلما كان حجم المعلومات والأحداث التي تقتحم على الإنسان حياته قليلا ومحدودا ، كلما كانت قدرته على السيطرة على نفسه أكبر ، وكذلك قدرته على الشعور بالمتعة أكثر ، والأهم من المتعة هو قدرته على تحويل كل متعة إلى سعادة يدوم أثرها لفترات أطول ، فينشر الرضا في النفوس ، ويصبح سمة للمجتمع ، ومجالا رحبا لتنامي مختلف ألوان مكارم الأخلاق والقيم ، فتزداد القدرة على تحمل كبد الحياة ومتاعبها ، ولذلك فالتقدم التكنولوجي خاصة في وسائل الاتصال والتواصل كان أحد أهم الأسباب الرئيسية لتراجع القيم والأخلاق ، وعلى رأسها قيم الحياء الذي اقترب من الاختفاء من حياة البشر ، والذي كان سببا رئيسيا في تدني مستويات العلاقات بين البشر ، وعلى رأسها العلاقات الأسرية والمجتمعية ، فالموبايل والتابلت ووسائل التواصل الأليكترونية والفضائيات أصبحت أهم أسباب الانفجار الحادث في المشاكل الأسرية والجرائم الاجتماعية .

ولا شك أنها الحقيقة ، فتأثير البيئة على النفوس كبير وخطير ، وإذا أردت أن تعرف من أنت ؟؟ ، فاسأل نفسك ماذا تشاهد وماذا يستهويك ؟؟ ، ومن تصاحب وما نوع العلاقات بينك وبينهم ؟ ، وحاسب نفسك كيف تأثرت بما تشاهده ومن تصاحب ، وما حجم التغيير في أخلاقك وشخصيتك ؟ ، فوسائل التواصل أفسدت أخلاق البشر ، لسبب بسيط وهو أن الإنسان يتوق دوما لمتابعة كل ما هو غير مألوف وغريب ومشوق ، ونوافذ التواصل مليئة بكل ما هو شاذ وغريب ومشوق ولكنه مليء بما هو مدمر للنفوس ومؤلم ومقزز ومفجع ، ولكنه ممتع وخطير على جميع البشر ، وخطورته في جاذبيته وتشويقه ، والتي تغير من أخلاق البشر وهم غير مدركين ، فاعتيادك مشاهد الجنس والجريمة يسوس نفسك ويعودها على تقبل هذه الأفعال والأقوال ، ثم التدرج لفعلها خاصة لو كنت مراهقا ، وكثير من البشر في ظل هذا الزخم يظل مراهقا لمراحل سنية متأخرة ، وهي ظاهرة متفشية بين البشر في مختلف المجتمعات والبيئات .

ولعل هناك كارثة إنسانية جديرة بالمتابعة لتأثيرات صفحات التواصل ، حيث أصبح من المعتاد أن تسمع عن صداقات الشباب بالفتيات والنساء ، وسوف تجد كثيرا من الفتيات لا تستحي أن تقول أن لديها أصحاب من الشباب ، بل وتخرج معهم بعلم الأهل وموافقتهم ، ويتبادلون الإعجاب والمشاعر والأحاسيس ، ويصبح بينهم حياة ومواقف وأحداث ، وربما لا يرى الغالبية العظمى في ذلك مشكلة ولا حرمة ، أولا لأن مسألة الحرام والحلال أصبحت موضة قديمة وعفى عليها الزمن ، فالدين لا نذكره إلا في المناسبات ، وسبحانه وتعالى لا نعرفه إلا في الأزمات والمصائب ، أما حياتنا فهي من شئوننا التي لا نطيع فيها سوى أهواءنا ورغباتنا ووسواسنا الخناس ، وكذلك ما اعتاد عليه الناس ، وثانيا .. مسألة الأخلاق والقيم هي مطاطية ، وتتغير باختلاف البيئات والمستويات ، وما هو لديكم لايجوز وعيب ، فهو لدى آخرين من أساسيات الحياة ، لدرجة أن أحد الآباء طلب الاستشارة في مشكلة أن خطيب ابنته مصر على فسخ الخطوبة ، لأنه رآها تقبل ابن عمها وتحضنه ، وهو يرى أن خطيب ابنته متخلف ومتحجر ، وما فعلته ابنته هو تصرف عادي بين البنت وابن عمها في مقام أخيها ، وهم كعائلة اعتادوا على هذه التصرفات وهي ليست حرام أو عيب .

ولن نتوقف عن هذه الكارثة فحسبهم أنهم ينكرون أوامر ربهم فلا يلومون إلا أنفسهم ، ولكن سنتوقف عن فتاة متعلمة ومثقفة ، ولكنها اعتادت على مصادقة الشباب ، بحثا عن الزوج المناسب ، وكنتيجة منطقية تورطت في تبادل المشاعر والأحاسيس مع العديد من الشبان لسنوا عديدة ، وهي للشهادة محافظة على نفسها ، ولكنها تمارس المشاعر العذرية وفي حدود الكلمات وبعض اللمسات والهمسات لا أكثر ، وعبر سنوات تكرر خروجها من العلاقات محبطة ومكتئبة ، لعدم الوصول للهدف المنشود بالفوز بالعريس المناسب ، حتى أصبحت مشاعرها وأحاسيسها مستباحة ومهترئة ، وسقط منها الكثير من الحياء العذري المثير لأي رجل ، والدافع الكبير لأي شاب أن يقدم على الزواج بها ، فدون أن تدري أصبحت تتحدث مع كل البشر بجرأة أكبر وثقة أعظم ، وهذا شيء رائع وجميل في شخصية الفتاة ، ولكنه تعدى حدود المقبول لكسره حدود الحياء ، فأصبحت منفرة لكل من يتقدم لها ، وهي لا تدري لهروب العرسان منها ، وترفض الاعتراف أن الخطأ لديها في تطور شخصيتها سلبيا نتيجة اهتراء نفسيتها في تكرار العلاقات وإهدار المشاعر والأحاسيس .

ولعل الكثير منا لا يدرك أن أخطر سلبيات اعتياد الشاب والفتاة على ممارسة علاقات الصداقة خاصة عبر وسائل التواصل ، أن كثير من شبابنا أصبح يعتبر الحياء ضعف ، والأدب الراقي تخاذل ونقص خبرة وأحيانا تسمى (خيبة) ، والعذرية النفسية يرونها صفة سلبية ، فترى فتيات التواصل والصدقات يرفضن الزواج بأصحاب الحياء ويرون هذه الصفات (خايبة) على حد تعبيراتهن ، والمؤسف هو جهل الفتاة والشاب بأن هذه الصفات (الخايبة) ، هي الضمان الأهم لاستمرار العلاقة بين الزوجين ، بل وهي الضمان لقدرة الشاب والفتاة على تحمل أعباء الحياة ، والأساس الراقي لتطور العلاقة بينهم بعد الزواج ، والسؤال لكل من الشاب والفتاة ، إذا كنا نعرف قبل الزواج كل شيء عن بعضنا البعض ، ونتدخل في كل كبيرة وصغيرة ، ونمارس تفاصيل حياتنا بالساعة والدقيقة ، ولا ننام إلا على أصوات بعضنا البعض ، حتى أصبحوا يعرفون عن بعضهم أكثر مما يعرف أهاليهم عنهم ، فماذا سيفعلون بعد الزواج ، وما هو الشغف الذي يدفعهم لاستمرار العلاقة بينهما ، أم سوف يسقطون في النتيجة المنطقية ، فيعانون مبكرا من اقتحام الملل لحياتهم ، ثم النفور والمشاكل والبحث عما فقدوه من شغف العلاقة مع الآخرين على صفحات التواصل ، وصفحات التواصل مليئة بالمحرومين والمحرومات والمتشوقين والمتشوقات والمهترئين والمهترئات ، ولا عزاء للرجال ولا للسيدات .

وهنا نتوقف عند الحدود ، فلابد من وجود الحدود ، وهو أمر منطقي بدأ بحدود كل منا في جسده وقدراته ونصيبه من الدنيا ، وبالتالي فالأهم هو الحدود في العلاقات ، وكما تقول الأبحاث الاجتماعية لجامعة هارفارد (أن أنجح الزيجات هي للشباب عديم التجارب في الحب والصداقات ، لأن لديهم مخزونا كبيرا لم يستنفذ أو يهدر من الرغبة في ممارسة الصداقة والمشاعر مع الطرف الآخر) ، وتقول الأديان السماوية أن العلاقات المحللة بين الذكر والأنثى (بخلاف الأسرة) هي علاقة الزواج ، ولكننا أمام أكذوبة كبرى تسقط فيها عقول وقلوب الشباب بل وكثير من الأسر ، وهي ضرورة دراسة الشاب والفتاة لبعضهم قبل الزواج ، وهنا نتوقف لنذكرهم ، أن علاقات الشباب ببعضهم تساهم في إخفاء وطمس الحقائق عن النفوس ، فهم قبل الزواج في حالة مؤقتة وخادعة ، حيث يمارس كل منهم الكذب لتجميل نفسه ، وتسقط الأقنعة بعد أول ليلة في الزواج ، ثانيا .. الخوف على مستقبل الزواج يضمنه فقط حسن الظن بالله ، واختيار المناسب أخلاقا وقيما ، والمتوافق ماديا وفكريا واجتماعيا ، في إطار ما تعلمناه من أصول دينية .

وذلك أن الله هو ناموس الخالق العظيم ، وهو أعلم بنفوس خلقه وكيف خلقها ، وما يؤذيها وما يصلح لها ، فوضع سبحانه كتالوجا مفصلا لتعاملات البشر مع بعضهم البعض ومع أنفسهم ، ولا شك أن مخالفة هذا الكتالوج تعني التدمير والفشل في منظومة حياة الإنسان ، لأن مخالفته تفسد النفوس ، فتفسد الأسر والمجتمعات ، وتسوء العلاقات وتنتشر المشاكل ، وتزداد الجرائم النفسية والاجتماعية ، وهو ما يحدث الآن ونعاني منه ، ولا مجال أن ندعي أن فوضى العلاقات خاصة على صفحات التواصل مفيدة ولا ضرر منها ، وإلا فلندعي سويا أن إمساك كابل الكهرباء عاريا مفيد لصحة القلب ، أو المشي عاريا في برد الشتاء مفيد لصحة الإنسان ، ولكن هذا ما يدعيه الجهلة وأنصاف المثقفين ودعاة الفساد ومدبروا المؤامرات على البشر من خدام إبليس ، وما أكثرهم على الفضائيات وصفحات التواصل وفيديوهات التيك توك واليوتيوب .

أخيرا .. من شاء أن يحيا حياة طيبة ، وممتعة ويهنأ بعمره وحركة حياته ، فلابد أن يلتزم بحدود الله (خالقهم) التي وضعها لخلقه حماية لهم من أنفسهم ، فيفوز بمتعة الحياة وسعادتها كما يقول سبحانه وتعالى .. {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }النحل97 ، خاصة بعد أصبح العلم والتقدم التكنولوجي يثبت في كل يوم صدق وصحة وفائدة حدود الله لخلقه ، أما من شاء أن يحيا كيفما شاء ، وفقا لأهوائه ورغباته وشهواته وأوامر الشياطين ومثلما يقول الناس ، فهذا حقه ولكن لا يلومن إلا نفسه ، لو أصبح ضحية لنفسه ، وصيدا سهلا لشياطين الإنس والجن ، وذلك بإعراضه وتجاهله عما يذكرنا الله به ، فتضيق عليه الدنيا وتعاني نفسه ضنك العيش ومساويء الحياة ، مصداقا لقول الله تعالى .. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى }طه124 ، وإذا كان الزمن معدودا من حياتنا ويمر بلا عودة ، فأولى بنا أن نحسن أساليب ممارسة حركة حياتنا قبل فوات الآوان ، ولعلنا لو علمنا حقيقة حياتنا الدنيا المؤقتة لأجل مسمى ، لكنا أكثر فهما وقناعة بصدق أوامر الله تعالى ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
جمال عمر