نفسك .. كما لم تعرفها (12) .. ؟؟ …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
25 فبراير، 2023
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
530 زيارة

استعرضنا سابقا .. حقيقة الإنسان وهو أنه مجرد نفس ، بل .. ونوع خاص متفرد من أنواع النفوس الغير محدودة ، والتي خلقها الله ومنها ما هو يمارس حياته على الأرض معنا ولا نراه مثل نفوس الجن ،ومنها ما نتعامل معه وهي نفوس الحيوانات والطيور والحشرات ومخلوقات ما تحت سطح البحر ، فكل مخلوق .. خلق الله له نفس خاصة ، وتمارس النفوس جميعا الحياة من خلال احتلال نوع مخصص من الجسد الحي ، والنفس البشرية هي أحد أنواع هذه النفوس ، وهذه النفس تدخل الحياة على الأرض .. عندما ترتدي جسدا حيا (فيه روح) ، وتستخدمه لممارسة حركة الحياة لأجل محدد ، ولا تستقر فيه مطلقا ، بل تغادره يوميا (للنوم) ، وذلك لتسمح للجسد أن يعيد صيانة ما أتلفته النفس بوجودها ، ثم تغادر النفس هذا الجسد بنهاية الأجل دون عودة ، وذلك عندما يموت الجسد بمغادرة سر الإحياء (الروح) ، فتعود النفس لمستقر مؤقت في بعد زمني مختلف (وليس بعدا مكانيا بالضرورة) ، وذلك حتى يتم إعدادها للاختبار التالي (النشأة الأخرى) ، هذا إذا لم تكن النفس قد حققت ما يمنع استكمال اختباراتها ، سواءا بتحقيق الامتياز في اختبارها الأخير فأصبحت من (السابقون) الصديقين أو الشهداء ، أو أثبتت النفس فجورها وجحودها وتورطت في الحرب على الله ، فاستحقت غضب الله وسخطه وعقابه النهائي بالسبات حتى يوم القيامة ، حين يفاجئها قيام الساعة ، فتكون من الذين يقولون يومها .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52 ، وعادة ما تحيا النفس في الدنيا وهي غارقة في حركة حياتها ، فلا تنتبه لحقائق وجودها والهدف من حياتها ، وما وراء واقعها المسيطر عليها , إلا من بعض المواقف والمشاهد الحادة أحيانا خارج نطاق المعروف والمألوف ، والتي تتعرض لها النفس أحيانا ، فتصدمها وتثير داخلها كثيرا من التساؤلات .

ولذلك لابد أن نتوقف أمام ما يتعرض له بعض الناس فيسبب لهم الارتباك والحيرة من مواقف غريبة تصادفهم في حركة حياتهم ، وذلك بسبب ما تراه النفوس وتتفاعل معه خارج نطاق الملموس والمحسوس بقدرات أجسادنا المحدودة ، وما يجعل الأمر صادما أحيانا ، أن بعض هذه الأحداث قد تفوق مستويات تطور قدرات تحمل النفس خلال حياة الإنسان مهما طال عمره ، ولا تقتصر هذه الأحداث على سن معين ، وأبرز ما يحدث من مواقف هو أن يكشف الغطاء عن بصر الإنسان ، فيرى ما يصدمه أو يحيره أو يثير التساؤلات في نفسه ، وعادة ما يتكرر ذلك بداية من الولادة وما قبلها ، ثم خلال المراحل العمر ، وأخيرا يكشف الغطاء تماما عند الاحتضار ، وقبل مغادرة النفس لهذا الجسد للمرة الأخيرة ، ولابد أن نستعرض حقيقة وشروط كشف الغطاء عن النفس ، لترى ما لم تكن تراه من قبل ، وهو ما يحدث دوما عند لحظة الوفاة ، وما يصاحبها من فقد القدرة على النطق ساعتها ولو جزئيا ، وهو ما يفتح الباب للحديث عن حدود قدراتنا النفسية ، مقارنة بحواس أجسادنا الخمس (السمع – البصر – اللمس – الشم – التذوق) ، ولماذا نفضل أحيانا بقاء حدود علمنا في دائرة الجهل بحقائق الأشياء ، وكيف يستطيع الإنسان التعامل وتحمل معرفة ما هو أكبر من حدود المألوف مما نعلمه من الحياة ، وهو ما سوف نستعرضه بهدوء ولطف بإذن الله .

بداية سوف نستعرض مشاهد في مراحل العمر القصوى ، ولتكن البداية مما يراه المحتضر خلال لحظات وربما ساعات وأيام احتضاره ، فما أكثر ما ينادي المحتضر أو يرحب بما يراه ولا نراه ، فنجده يردد أسماء بعضا من أقاربه أو معارفه الذين سبقوه وماتوا قبله ، وبعضهم يتحدث عن ملائكة تملأ المكان حوله ، وذلك ما يتحدث عنها سبحانه بقول .. {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، ولابد أن نعترف أننا في حياتنا اليومية نحيا في غفلة عن حقائق غيبت عنا بغطاء على قدرتنا على الرؤية ، والرؤية هنا ليست قدرة العين ذات المقلة والشبكية والعصب البصري ، ولكن هي قدرة النفس على الرؤية والإدراك ، وببساطة هي قدرتك التي ترى بها الأحلام وأنت نائم ومغمض لعيناك ، بل وخارج الجسد تماما ، حيث أنك كنفس تغادر جسدك عند النوم وما تراه حينها لا يكون بواسطة العين الجسدية ، بل إن العين الجسدية لا ولن ترى بها إلا في حدود قدراتها الطينية المادية ضعيفة التردد ، وبالتالي لن ترى إلا ما يقترب تردده من تردد الطين ومشتقاته ، فنفسك ترى دون الحاجة لمكونات جهاز الرؤية المعروفة جسديا كالعين والمقلة والقرنية والشبكية والعصب البصري .

ماذا يرى المحتضر المقبل على (الموت) ، فالموت هو (عملية مغادرة النفس للجسد للمرة الأخيرة بلا عودة مرة أخرى لانتهاء عمر الجسد ، وبداية تحلله وعودته لأصله الترابي) ، وساعتها يكشف الله الغطاء عن النفس ، فترى حقائق الأشياء من حولها ، فماذا ترى وكيف ؟ ، ولماذا تصاب كثير من النفوس بالهلع ، وما هي سكرات الموت ، ولماذا هي شديدة على النفس ، ولكن أولا .. لابد أن نعرف أن الغطاء على الرؤية هو حاجز مادي فوتوني ، خاضع لقوانين الفصل بين الموجودات أو ما يسميه سبحانه وتعالى (البرزخ) ، وبإزالة هذا الحاجز يكشف الغطاء ، فتستطيع النفس رؤية موجودات ومخلوقات (الدومينات) في المستويات الأخرى صاحبة الترددات الأعلى أو الأقل من ترددات النطاق البشري (الدومين) ، حيث تحيا في هذه المستويات الكثير من الكائنات الأخرى التي تختلف تردداتها عن ترددات جسد الإنسان ، وبالتالي لا نراها ولا نشعر بها ، فترددات جسد الإنسان وحواسه محصورة في حيز ضيق ومحدود ، ولا يعلم الإنسان عنها كثيرا ، فعيناه قادرة على رؤية الأشياء التي ترددها محصور في الطول الموجي (400 : 720) نانومتر ، وقدرات السمع محصورة ما بين (20 : 20 ألف) هيرتز ، وهذا الحيز يعد نطاقا ضئيلا مقارنة بما نعرفها ونستطيع تخيله من إجمالي حيز الترددات الموجودة في الكون ، وكل حيز لترددات أعلى أو أقل من حيز ترددات الطين (الإنسان) ، لا ندركه بحواسنا المعروفة مطلقا ، ولكننا نعرف أن الجن يمكننا رؤيته باستخدام جهاز يعمل بالأشعة تحت الحمراء ، والملائكة في حيز الأشعة فوق البنفسجية .

وعند الاحتضار يكشف الغطاء فتستطيع النفس رؤية النفوس الأخرى سواءا كانت قد غادرت أجسادها (للنوم أو الموت) ، أو حتى ما تزال موجودة في أجسادها ، وترى النفوس على حقيقة أحوالها ، طيبة أو شريرة أو ودودة أو عدوانية ماكرة ، كما ترى النفس بعضا من الملائكة وجنود الله ، وذلك في حدود قدرات النفوس حينها ، وهي أيضا قدرات محدودة برغم أنها تكون هائلة مقارنة بقدرات الأجساد ، فيكتشف الإنسان مدى ضعفه وجهله الذي كان فيه خلال حياته التي يغادرها ، والأخطر في كشف الغطاء ليس هو حدود الرؤية والسمع فقط ، بل الأخطر هو كشف الغطاء عن ذاكرة النفس ، التي كانت تغطيها انشغال النفس بالجسد ورغباتها وشهواتها ومتطلبات حياتها في الجسد ، وحينها تتذكر النفس حيواتها السابقة في أجساد سابقة ونتائجها ، وما كان مطلوبا منها خلال تجارب اختباراتها السابقة ، وحينها تكتشف النفس مدى خطئها الجسيم خلال حياتها ، في عصيان أوامر الله ونواهيه ، والتي كانت كفيلة بحمايته ، وجعل حياته طيبة سعيدة بل وهنية ، ولكنه بجهله وضعف قدراته ورفضه الاستجابة للإشارات والتنبيهات الخفية في نفسه بالطاعة والاستقامة ، قد وقع ضحية ما لم يكن يراه أو يتذكره ، سواء من شرور جلبها ، أو بسيئات جرها بحماقته على نفسه وقد كان في غنى عنها .

وليس غريبا أن نعرف .. أن هذا الغطاء لا يبسط على قدرات النفس بمجرد الولادة ، ولكن تستمر قدرات الأطفال على رؤية ما هو أكبر من حيز رؤيا الكبار حتى سن معين ، ويقدر بسنوات ما بين (2 : 3) سنوات ، وتضعف هذه القدرات تدريجيا بداية من انشغال الطفل بنمو قدراته على الإدراك والكلام ، وكلما تأخرت قدراته على الكلام ، زادت فترة قدرة الطفل على رؤية ما لا نراه من حولنا ، فماذا يرى ؟؟ ، وهنا نذكر أنفسنا بما يتكرر أمامنا ولا ننتبه له ، فتجد أي طفل يضحك ويلاعب بعينيه وأطرافه أشياء لا نراها ، وربما يصرخ ويفزع دون سبب مرئي ، والأوضح هو انزعاج الطفل عند اقتراب أو رؤية أو سماع صوت شخص بعينه ، ولا ينام ولا يهدأ إلا لو ابتعد الشخص أو اختفى هو في حضن أمه ، في حين تجد شخصا بعينه ترتاح الأطفال الصغار لوجوده ، بل وتنام بين يديه وتسعد لقربه ، حتى لو كانت تراه للمرة الأولى ، ويحدث هذا ببساطة لأن الطفل يرى حقيقة النفوس ، فالنفس الطيبة (طاقتها إيجابية) فهي مقبولة وقربها مطمئن للنفوس ، على عكس بعض النفوس (طاقتها سلبية) لسوء نواياها أو لديها أمنيات غير طيبة تجاه الطفل أو أهله ، وهو ما يراه الطفل واضحا وجليا ، فيعلن هذا بصراخه ونفوره منه ، وربما تكون النفس ليست شريرة ولكنها مختلة أو غير سوية أو غير مستقرة تجذب إليها طاقات سلبية كبيرة (شياطين) ، فتسبب الذعر للطفل الذي يزعجه ذلك بشدة .

وأبسط من ذلك .. أننا كثيرا من يصيبنا الضيق وعدم الراحة لدخول مكان للمرة الأولى ، أو لرؤية شخص بعينه ، ولا نشعر بالراحة إلا بمغادرة المكان ، ونقابل هذا كثيرا عندما نزور بعض البيوت أو الشقق لمعاينتها ، وسوف تجدها كثيرا عندما تدخل شقة أو مكانا لإقامة مؤقتة في فندق أو للمصيف مثلا ، فالنفس حينها ترى عمار المكان من الجن وتشعر بطاقاتهم سلبية أو إيجابية ، وكذلك لا ننسى أن قرينك الجني يرى غيره من عمار المكان ، وربما يرعبه شيئا يراه ، فتشعر أنت بقشعريرة في جسدك وهذا ناتج عن رد فعله ، وهو تماما مثلما يرتعد قرينك من رؤية كلب مثلا ، فالإنسان بنفسه لا يرعبه الحيوانات ، ولو استطعت مثلا السيطرة على رعب قرينك من الكلاب مثلا ، فلن يخيفك أي شيء أو حيوان مهما كان ، بل وربما تصادف شخصا بعينه مصدر جذب للحيوانات ، فتجد الكلاب الضالة تأتنس به وربما لا تنام إلا بجوار بيته أو تحت سيارته أو فوقها ، والقطط تقترب منه دون خوف ، وتشعر أن له تعاملات خاصة من بعض الحيوانات بل والطيور ، لأنه مصدر جذب للطاقات الإيجابية ، أو العكس عندما تنبح الكلاب وتنزعج الحيوانات والطيور لوجود شخص طاقاته سلبية ، ولذلك تشعر الحيوانات والطيور باقتراب حدوث الزلازل والبراكين لرؤيتها التغير في المواجت الكهرومغناطيسية المحيطة بالمكان ، ولا شك أن بعض الناس كذلك ، لأن قدرات النفوس لا تصل للصفر ، بل تظل عند حدها الأدنى قادرة على الإحساس بنوعية الطاقات الإيجابية والسلبية ، حتى وإن كانت ضعيفة نتيجة غرق الإنسان في رغابته ومتطلباته الجسدية في حياته .

ولا شك أن الطاقات السلبية تضعف جسد الإنسان وتوهن قدرة نفسه على السيطرة على جسده ، ولكن الأخطر هو تسرب تأثير الطاقات السلبية للنفس ، وتأثيراتها السلبية والتي تؤدي لمرض النفس ، وهو الهدف الرئيسي لوسواسك الخناس ومن وراءه من جنود إبليس ، ولذلك لا يتوانى ولا يتوقف وسواسك الخناس عن بث الأفكار السلبية في نفسك ، بداية من تزيينه لك مثلا .. لتشجع نادي بعينه ، ثم يستغلك لتعشقه وتعتبر انتصاراته هي انتصارات لك شخصيا ، فإذا وصل لمراده وأصبحت متيما بفريق بعينه ، فقد وقعت في يده ، وستبدأ محاولات بث الحزن في نفسك مستغلا أية أحداث ، ولو حتى باختلافك مع المقربين لك لو فاز فريقك فيحوله لخصومات واحتقارات وأحيانا لعداءات ، وتأتيه الفرصة الذهبية بخسارة فريق الكرة الذي تشجعه لمباراة أو بطولة ، ولا تستهن بذلك فبعض النفوس الأسيرة لوسواسها الخناس تصل لدرجة الانتحار الذاتي لخسارة فريقها ، فتسمع أن فلانا أصيب بسكتة قلبية أو دماغية ، أو انهيار عصبي أو نوبات هستيرية من الغضب ، لخسارة فريقه ، وهذا دليل قوي وخطير على سيطرة وسواسه الخناس عليه ، لدرجة أنه جعل منه مسخا بشريا يثير السخرية الشديدة في أوساط الجن ، ومن يرونه ولا يراهم خارج نطاق قدراته ، هذا بالطبع بجانب استنكار البشر من حوله وخسارته لهم ، فإذا كان هذا هو مستوى تأثيرالوسواس الخناس على البعض في الأشياء التافهة ، فكيف يكون تأثيره وسيطرته على قرينه الإنسي في الشهوات والمشاكل والمصائب الحقيقية .

ومن أهم علامات سيطرة الوسواس الخناس على النفس ، أن تصبح هذه النفس رافضة تماما لفكرة وجود وسواس خناس معها ، وسيكون الشخص مقتنعا أن كل ظن وتخيل منه ، حتى لو كان ظنا سيئا منه بالناس والدنيا والمستقبل ، هو من وحي ذكاءه وفهمه الواعي لمعطيات الحياة ، ومدعما بآلاف البراهين القوية التي يمليها عليه وسواسه الخناس ، وما أكثر الخاضعين لوسواسهم الخناس من البشر ، خاصة من يستهويهم الغرور وعاشقي الكبر والتميز عن غيرهم من البشر ، فالأنثى الجميلة مرتعا خصبا لوسواسها الخناس ، فسيصنع منها مسخا بشريا يعبد جماله ورقته وأنوثته التي لا مثيل لها ، والمحسودة من كل البشر ، وكذلك يفعل الوسواس الخناس مع كل صاحب إحساس نفسي بميزة متفردة في شخصه عن باقي البشر ، سواء بالمال أو العلم أو السلطة أو القوة ، أو غيرها من مواصفات تفوق المعتاد ، وخاصة لو كانت هذه المواصفات مقدسة ، مثلما يسيطر الوسواس الخناس على المتشددين في آداء المناسك أو من نسميهم (المتدينين) ، ويقنعهم أنهم الأقرب إلى الله ، وأنهم أفضل من معظم البشر ، وهؤلاء أكثر خطورة من الشياطين أنفسهم ، لأن تطور هذا الكبر والغرور لديهم ، سوف يؤدي بصاحبه ليكون إرهابيا باسم الدين يستحل دماء وأموال وأعراض من يخالفه الاعتقاد والفكر ، وذلك هو السبب الرئيسي لتفشي فكر الجماعات المتشددة باسم الدين في كل الملل والمذاهب والأديان ، وعلى رأسهم فكرة شعب الله المختار التي يعتنقها اليهود وبني إسرائيل ، والتي بلغت في تطرفها إلى درجة الاعتقاد بأنهم وحدهم هم البشر ، وباقي البشر هم حيوانات خلقهم الله على صورتهم كبشر من أجل خدمتهم وحدهم ، وكل أموالهم وأعراضهم ودماءهم مستحلة لكل يهودي إسرائيلي ، وقتلهم هو تقرب إلى الله ، وكذلك المعتقدات التي تنشرها بعض الكنائس بأن المسيحيين فقط هم عيال الله وابنه المخلص وأحباؤه ، وهم أصحاب الجنة والنعيم ، دون غيرهم من البشر ، وهي نفس الفكرة لدى بعض المسلمين بأنهم وحدهم أصحاب الجنة ، وأن مفتاح الجنة هو محمد رسول الله ، وهي محرمة على من سواهم .

فالكبر والغروة هم التطور الأسوأ لفطرة الرغبة في التميز ، والتي منحها الله للبشر ليتنافسوا بها في إعمار الأرض ، وقال لهم .. { .. فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48، ولا ننسى أن الكبر هو الأخطر على الإطلاق ، فقد كان سببا في كفر إبليس وخروجه من رحمة الله ، فقال فيه سبحانه وتعالى .. {.. إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }البقرة34 ، ولذلك فالكبر هو أخطر أمراض النفس وأبسطها ، لأن بذرتها موجودة فطريا في النفس البشرية ، بالرغبة الفطرية للتميز ، والتي منحها الله لبني آدم لتعينهم على تنفيذ مهمتهم التي خلقهم من أجلها وهي إعمار الأرض بالتنافس بالعلم والعمل والكد والكدح ، وحقيقة .. لا يسلم بشر على الأرض من غزو الكبر والغرور لنفسه مطلقا ، ولكن تختلف ردود أفعال النفوس في التعامل مع هذه الغزوات ، فنفوس تستهويها الفكرة ولكنها لا تجرؤ على استثمارها ، ونفوس تستثمرها وتنميها وتجعلها هدفا في الحياة بأي ثمن ، مثل بعض النفوس العاشقة للشهرة بأي ثمن ولأي سبب ، ونفوس عاشقة للسلطة وتسعي لها ، ونفوس أخرى عاشقة للمتعة ، وتتفاوت النفوس في تعاملها مع هذه المرض تبعا لقدور التربية التي تلقتها النفس خلال نشأة الإنسان في بيئته ، ولذلك يعد الكبر هو أكبر ابواب إصابة النفس بكثير من الأمراض النفسية الخطيرة .

أخيرا .. نتوقف عند الكبر كمرض نفسي أساسي ، وناتج عن سوء استخدام النفس لفطرة الرغبة في التميز ، لنتعرف سويا على أبرز أنواع الأمراض التي تنتج عن الكبر في النفس البشرية ، ولذلك يعد علاج الكبر في النفوس هو علاجا جذريا لكثير من الأمراض النفسية العضال ، وهو ما استعرضه الخالق العظيم في سورة يوسف ، وكان سببا محوريا لأحداث القصة القرآنية الجليلة وما فيها من عبر وأمثال ضربها سبحانه ليعلم البشر شيئا عن نفوسهم ، وهم عنه غافلون ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر