نفسك .. كما لم تعرفها (2) .. ؟؟ … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
8 ديسمبر، 2022
اراء ومقالات, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, عاجل
664 زيارة

استعرضنا من قبل حقيقة النفس ، وأنها مخلوقة من مادة سرمدية لا يعلم تركيبها سوى خالقها ، ولكننا نعلم أن من أبرز مواصفات النفس ، أنها يمكن إنشاءها في أي جسد حي ، فيكون الناتج مخلوقا مختلفا { .. ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، فيتمتع هذا الخلق الآخر بمواصفات مختلفة تبعا لنوعية الجسد الذي تدخله وتحتله وتستخدمه (جسد إنسان .. أو حيوان .. أو أي خلق آخر ) ، (ذكر / أنثى) ، وقد نبهنا الله لهذا بقوله تعالى .. { .. قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً{50} أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ .. } الإسراء 50 ، فلا يمثل الجسد الحي للنفس التي تستخدمه سوى (مطية) ، ووسيلة تعامل مع الحياة ، وعلمنا سبحانه وتعالى أن النفس لا تستقيم في دخولها للجسد إلا لو توافرت فيه شروط محددة ، أولها أن يكون جسدا حيا (فيه روح) ، وثانيها أن يكون الجسد مكتمل التكوين ، ولذلك لا تدخل النفس في جسد الجنين إلا بعد اكتمال تكوينه في نهاية الشهر الرابع للحمل ، وثالثها هو رضا النفس وتوافقها مع معطيات ومواصفات هذا الجسد ، وإلا فسوف تدمره من الداخل ، وهو ما نراه دوما عندما تحزن النفوس لدرجة رفض الحياة ، فتتسارع عملية تدمير الجسد بأمراض أشهرها السرطانات ، فالنفس هي صاحبة الأمر على الجسد ، وهي المستخدمة للجسد ما دام حيا ، وهي الباقية بعد فقدها الجسد (الوفاة) الذي يعود جمادا بخروج الروح منه .

وقد أكد سبحانه وتعالى على عملية (إعادة إنشاء النفس مرة أخرى) في جسد جديد بعد أن يتوفاها ، فكما أنشأها الله في المرة الأولى أو السابقة فسوف ينشئها مرة أخرى ، ولكن في جسد جديد بمعطيات جديدة ، وهو ما يقوله سبحانه وتعالى في وصف لحظة الموت حيث يجيب سبحانه عن كل استفسارات الإنسان ساعة وفاته ، وذلك في سورة الواقعة بقوله تعالى .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، ولا تتم عملية الإنشاء الجديدة للنفس إلا في جسد جنين قد اكتمل بنهاية الشهر الرابع من الحمل ، حيث يتحول الجنين إلى خلقا مختلفا بدخول النفس ، وهي اللحظة التي يقول فيها سبحانه {.. ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، حيث يظل الخلق الجديد بعد الإنشاء في رحم أمه في رعاية كاملة ، ليتدرب على استخدام الجسد الجديد خمسة شهور كاملة ، وخلال عملية الإنشاء تتم عملية أكثر دقة ، والتي يمكن تسميتها بـ “التكويد” ما بين النفس والجسد ، والتي تضمن التوافق التام ما بين النفس والجسد ، وبالتالي سيطرة النفس على كامل الجسد ، وكذلك تضمن الاتصال التام ما بين النفس والجسد حتى خلال وجودها خارج الجسد للنوم ، وهو ما يضمن عدم دخول النفس لأي جسد غير جسدها ، وذلك خلال عودتها بعد عمليات مغادرتها اليومية للجسد للنوم .

فالنفس لا تستقر في الجسد مطلقا ، ولابد أن تغادر الجسد يوميا ، لعدم قدرة الجسد على تحمل وجودها باستمرار ، وتضطر النفس لمغادرة الجسد يوميا حتى يتفرغ الجسد لإعادة صيانة وإصلاح ما أفسدته النفس باستخدامها للجسد ، ويتوفى الله النفوس عند النوم ، كما يتوفاها عند موت الجسد ، ولكن عند الموت قضى الله أن تذوق النفس آلام خروج الروح (سر إحياء الجسد) من الجسد {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، بينما هذه النفس لم تحضر ولم تشهد لحظة دخول الروح لهذا الجسد ، عندما بدأ تشكيل الجسد بحيوان منوي في جسد رجل حي ، وبويضة في جسد أنثى حية ، والفارق بين (التوفي) في حالتي الموت والنوم ، أن التوفي عند الموت يكون عادة استعدادا لنشأة جديدة بجسد جديد ، تتوقف مواصفاتها ومعطياتها ، على نتائج الحياة التي يغادرها ، ولنا في هذا حديث طويل .

أما في حالة النوم ، فتتجول النفس حرة في ملك الله لترى ما لا تراه في حياتها من خلال الجسد ، وتذهب لأي مكان وزمان يشاء الله لها أن تراه ، ولا يحدها سوى درجة شفافيتها ونقائها وصدقها ، ولذلك فكل ما تراه وأنت نائم فهو حقائق ، ولكنها نسبية ، بمعنى ماذا رأيت ، وكيف رأيته ، وأين رأيته ، ومتى رأيته ، ولماذا رأيته ، والإجابة على هذه الأسئلة توضح جيدا حقيقة ما رأيت ، إن كان أسرارا وآيات لخلق الله في كونه ، أو رؤية صادقة لأحداث مستقبلية سوف تتحقق كما رأيتها بدقة ، أو رؤيا تحتاج لتأويل وتفسير لأنك رأيتها من وراء حجاب ، أو أضغاث أحلام ولهو للنفس ، أو تنفيس للنفس عن مكبوتاتها ، أو كوابيس نتيجة سوء أحوال النفس ، أو بعضا من حياة مستقبلية أخرى في نشأة مختلفة ، أو بعضا مما حدث للنفس في حياة أخرى بنشأة سابقة ، ولكل رؤيا دلالاتها وعلاماتها ومفاهيمها وتفسيراتها ، ولا يستطيع بشرا أن يجزم في كل ما يرى ابن آدم خلال نومه مطلقا .

نعم .. كما قرأت .. تلك هي الحقيقة التي وضحها الخالق العظيم ، وهي أن كل إنسان حي على الأرض ، قد سبق له الحياة من قبل في نشأة سابقة مختلفة ، فحياتك الآن ليست سوى إحدى رحلات اختبارك ، فرحلات الاختبار للنفوس مستمرة ، ومتتالية ، فيأتي الإنسان للدنيا مرات ومرات متعاقبة إلى يوم القيامة ، ما دام لم يحقق درجة الامتياز في بذل نفسه (لوجه الله) من أجل مرضاة الله في أحد مرات اختباره الدنيوية ، ومن يحقق الامتياز يلقبون بـــ (الصديقين والنبيين والشهداء) ، أو القديسين (كما يسمونهم في المسيحية) ، وهي الحالة التي يرتقي عندها الشخص (النفس) في الدنيا فتكون حياته ومماته لله رب العالمين مثلما يصفها سبحانه بقوله تعالى .. {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الأنعام162 ، وعندما يغادر هؤلاء سباق الاختبارات يلقبون بــ (السابقون) ، وقد سماهم سبحانه وتعالى بــ السابقون ، لأنهم سبقوا باقي البشر فأنهوا رحلات اختباراتهم ، ولن يكون عليهم أن يعودوا للاختبار مرة أخرى ، بعدما اجتازوا آخر رحلاتهم اختباراتهم بامتياز ، فانتهت رحلات اختباراتهم ، فلن يكملوا رحلات الاختبار مع باقي البشر مرة أخرى .

وهؤلاء السابقون لهم عند الله ما يستحقون من تكريم قبل يوم الحساب ، فهم لن يمكثوا في قبور ينتظرون يوم الحساب (كما يدعي البشر) ، ولكنهم يعودون للدنيا في أجساد يختارونها كيفما شاءوا ، ليتمتعوا في جنات نعيم في الدنيا ولهم رزقهم على الله كيفما شاء ، فيقول فيهم سبحانه ، { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيم } الواقعة (10: 12) ، ويقول فيمن يموت منهم .. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }البقرة154 ، فالسابقون هم المقربون ، وهم وإن كانوا قد ماتوا لديكم ودفنتم أجسادا كانوا يستخدمونها ، لكن نفوسهم ستعود في نشأة جديدة بأجساد جديدة لتحيا وترزق ، لأن أول هدية لهم عند وفاتهم هي (روح) ، يهديها الله لهم ليضعوها في الجسد الذي يريدونه ، فيعيشون به في الدنيا إلى يوم الحساب ، وهو قوله تعالى .. فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ } الواقعة (86 : 89) ، ولذلك ينهانا الله أن نقول عنهم أموات ، لأنهم أحياء (ولكن لا تشعرون) ، فلا نشعر بهم ، لأن ناموس الخالق في خلقه ، يقتضي أن لا تعود نفس لأي جسد غادرته مرة أخرى مطلقا ، فهم عند ربهم في دنياه ، وليسوا عندكم في الأجساد التي عرفتموهم بها مرة أخرى ، وهو قوله تعالى .. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169 .

ولا شك أيضا .. أننا ما دمنا لم نحقق الامتياز لنصبح من (السابقون) ، فإننا سنظل نكرر العودة للدنيا لنستكمل رحلة اختباراتنا ، وفي كل مرة يتم اختبارنا في اختبارات جديدة ومختلفة عما تم اختبارنا فيه في المرات السابقة ، ولكن في جسد ومعطيات مختلفة ، ولاشك أن البعض منا يعاد اختباره فيما رسب فيه في مرات سابقة (الملحق) ، ولا شك أن كل من على الأرض اليوم ، قد آتى للدنيا من قبل ، ولكنه لا يذكر شيئا من هذا ، لأنها رحمة الله وعدله في اختباراته لابن آدم ، تقتضي أن لا يتذكر الإنسان حيواته السابقة حتى لا تختلط عليه الأمور ، وتكون له فرصته كاملة لاتخاذ قرارته واختياراته بحيادية خالصة تعتمد على قدور إيمانه وأخلاقه المجردة ، دون تأثير أو ضغط من ذكريات سابقة ، ولا تتوقف رحلات اختبار الإنسان المتتالية حتى يوم القيامة ، ما لم يحقق التميز في أحد مرات اختباره ، ولكنه لا يعود لنفس الجسد والمعطيات مرة أخرى مطلقا ، وهو قوله تعالى .. حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} المؤمنون99، 100 ، والبرزخ هنا ليس فاصلا ماديا ، ولكنه مجرد قوانين الفصل بين الموجودات ، مثلما لا ترى عيوننا الجن ، إلا لو استخدمنا معدات رؤيا خاصة ، فلكل مخلوق على الأرض مكونات ونوعية خلق ونوعيات محددة من القدرات الحسية ، ونوعية حيز يتحرك فيه ويتفاعل معه في حدود تكوينه .

ولا ننسى أنه في كل مرة يعود الإنسان للدنيا تكون عودته في جسد مختلف ومعطيات مختلفة وبيئة وشروط مختلفة ، تتناسب مع نوعية الاختبارات التي جاء من أجلها ، ولذلك لا مانع أن تعود النفس للدنيا بجسد أنثى بمعطياتها ، أو بجسد ذكر بمعطياته ، وقد تعود مسلمة أو مسيحية أو ملحدة أو يهودية ، وقد تمنح جسدا من جنس أبيض أو أسود أو أصفر ، وقد يعود فقيرا أو غنيا ، شريفا أو حقيرا ، فكل هذه مجرد معطيات اختباراته التي سوف يحاسب على قدرها وطبقا لآداءه بها ، فلا شيئا من المعطيات يمنحه الله لابن آدم لأنه يستحقه أو عقابا له ، فالدنيا هي محل الاختبارات ، وليست محل استحقاق ، ولا شك أن نتائج آداء ابن آدم في كل مرة تؤثر في نوعية الاختبارات في المرة التالية ، وبالتالي يؤثر في المعطيات التالية ، فمن اعتاد أذية أواحتقار وتسفيه غيره من البشر ، فلابد أن يعود بمعطيات مماثلة لمن كان يؤذيه أو يحتقره ويسفهه ، ليذوق مرار ما فعله بغيره ، لأنه حمل نفسه ديونا لابد من القصاص منه فيها في الدنيا ، ولذلك لا عجب أن يقتل صبي أو فتاة في سن صغيرة ، كنوع من القصاص من هذه النفس ، لارتكابها القتل لنفس بمثل المعطيات في مرة سابقة (فـ لله في خلقه شئون) ، وقمة الغباء أن تتهم أحدا بالكفر وتصدر عليه حكما بالجحيم ، لأنك بذلك تتأله على عباد الله ، وتتحدى الخالق في خلقه ، وهو ما يجر عليك سخط الله ، فيحكم عليك بما قاله لسانك ، ويغفر لمن ادعيت عليه ، كما أنك جاهل بحقيقة اختلاف وتباين معطيات مرات الاختبار للبشر .

تلك قناعاتي والتي تعلمتها ، وأصبحت يقينا في نفسي ، كنتيجة مباشرة لدراسة لآيات القرآن العظيم لعقود طويلة ، والتي نتجاهل وجودها ومعانيها ، بل نصدق ونروج لأساطير بشرية ، على أنها قوانين الله رغم أنه سبحانه لم ينزلها في كتابه الخاتم ، ولم يشر إليها في رسالاته السابقة ، وناهينا عن أدلة إثبات تكرار العودة للحياة ، والتي من أشهرها قوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، فالهدف من الإعادة هو (القسط) ، وهو تحري وتدقيق العدل في حساب النفوس ، حتى لا تأتي نفس يوم الحساب ، وتقول أنها لم تختبر في صورة كذا أو كذا ، أو تقول لو أن الله خلقها في صورة كذا لكانت أهدى من غيرها ، فمن جاء الدنيا كأنثى أو غنيا أو شريفا أو جميلا ، فلابد وأن يختبر كذكر وفقير وقبيح وحقير ، ولكن كيف ومتى ، فالله أعلى وأعلم .. و..(لله في خلقه شئون) .

ولا يجوز مطلقا فرض قناعات ومعتقدات على أحد ، فالله منحنا العقل لنفهم وندرك ونتدبر ، ومنحنا الإرداة ليحاسبنا على حرية الاختيار ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فالاعتقاد لا يأتي جبرا ولا قسرا ، بل لابد أن يكون متوافقا مع فطرة الإنسان التي خلقها الله فيه ، وكذلك لابد وأن يكون ما نعتقده وما نؤمن به متوافقا مع الحقائق التي تؤكدها آيات كتاب الله الكريم ، حتى لو كانت تفاسير كل السابقين تقول بغير هذا ، فكفى السابقين فشلا في عجزهم عن فهم آيات خلق الله للنفس البشرية ، حتى خلطوا بينها وبين سر إحياء كل جماد وهي (الروح) ، بل وعجبا .. فبرغم أن الله قد أكد لنا أنه سبحانه يتوفى النفوس عند الموت بواسطة ملك الموت ، وهو ما وضحه الله ما بين قوله .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا .. } ، وبين قوله تعالى .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11 ، ولكننا ما زلنا مصرين أن نكذب آيات الله ، ونصدق المخرفين بظنونهم أن ملك الموت يقبض الأرواح ، ونتجاهل أنه سبحانه قد نهانا أن نتحدث عن الروح أو ندعي عليها بغير علم ، فقال لنا .. “ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” ، والمؤسف أن المسلمين الذين درسوا وألفوا ملايين الكتب في آيات الفروض والحدود والمعاملات والذي نسميه (الفقه) ، هم أنفسهم قد تجاهلوا تماما آيات النفس (424 آية) ، والتي زادت عن ضعف آيات الفقه (188 آية) ، بل وكذبوا آيات الله وتمسكوا بظنون وخيالات البشر عن النفس والروح .

وعجبا للبشر .. ورغم عشرات الآيات التي تؤكد انتقال نفس الإنسان من حياة إلى حياة ، تبعا لعمله ونجاحه في الحياة السابقة ، ورغم تأكيد الله في آيات عديدة أنه (يبدأ الخلق ثم يعيده) ، ورغم سخرية الله ولومه لمن يقولون بأن الحياة مرة واحدة في عدة مواضع أشهرها قوله تعالى {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، ولكن المسلمين جهلا وحماقة قد صدقوا أسطورة حياة القبور والتي ابتدعها المزورون ومن تآمروا لهدم دين الله ، فافتروا على رسول الله عشرات الأحاديث الموضوعة ليثبتوا الأكذوبة ، فصدقهم عامة المسلمون واعتبروها قيم مقدسة ، بل وأصبحوا يجتهدون في الدعاء أن يجعل الله قبورهم روضة من رياض الجنة ، لا حفرة من حفر النار ، رغم أن الله لم يقل هذا مطلقا ولا توجد إشارة ولا تلميحا واحدا في القرآن العظيم عن القبور وحياتها ونعيمها وعذابها ، ولا أثر لذلك في أي رسالة سماوية سابقة ، ولكنها موروثات بابلية ورومانية فرعونية ، ومطابقة لأسطورة عشتاروت آلهة الخصوبة التي دفنت عشيقها الإنسي حيا ، وسلطت عليه الثعبان الأقرع الجبار ، ذو الرؤوس السبعة لينهشه ليل نهار ، ويضربه على رأسه بمطرقة فيهوي في الأرض سبعين خريفا ، والعجيب أنها نفس تفاصيل عذاب القبر لدى المسلمين ، والتي ابتدعوها لإرهاب النفوس وتنفيرها من لقاء الله بالموت ، بل وشوهوا النفوس بكثير من الافتراءات بجهل خيالاتهم وظنونهم عن النفس التي كرمها الله .

ولابد أن نتساءل بهدوء ووعي ، كيف يقول سبحانه لابن آدم في لحظة موته { .. وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، بمعنى (سوف ننشيء نفوسكم في نشأة لا تعلمون عنها شيئا) ، ثم نجد رسول الله صاحب القرآن ومن بلغنا آيات الله وهو (الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) ، يكذب آيات الله وقرآنه العظيم ، ويخبرنا بتفاصيل النشأة ، وأنها سوف تكون في القبور ، وسوف نحاسب فيتحول القبر إلى روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، ولم يكتفي رسول الله بتكذيب آيات الله (حاش لله) بإخبارنا بما قال الله عنه (لا تعلمون) ، ولكنه استفاض في شرح ألوان العذاب ، (إمعانا في تكذيب آيات الله) ، ووصف لنا أحوال وأسباب من يلدغه الثعبان الأقرع الجبار ، ومن ترضخ رأسه بالحجارة ، ومن يضرب بالمطرقة فيهوي في الأرض سبعين خريفا ، ولماذا لم ننتبه أن هذه التفاصيل هي نقل حرفي من أسطورة عشتاروت البابلية ، … فهل هذا منطق مقبول ، أم أننا سقطنا في مستنقعات الأساطير ، وأصبحنا نهوى متعة الضلال ، فقبلنا واستسغنا الادعاء كذبا على الله ورسوله .

وأخيرا .. سوف تجد كثيرا من أعداء الله والمشركين يستغلون هذه الأكذوبة ليشككوا في آيات القرآن العظيم ، تحت شعار الضلالة الأخطر والتي أطلقوها منذ أكثر من ألف سنة ، بقولهم أن هناك ناسخ ومنسوخ في كتاب الله ، وأن بعض أحاديث رسول الله تنسخ بعض آيات من القرآن وتلغي معانيها ، فالضلال يناصر بعضه بعضا ، ولا يتوقف ضلال البشر ، المبني على خيالات وظنون كاذبة ووساوس شياطين ، وصدق الله في قوله تعالى .. {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116 ، وما أكثر الضلالات المقدسة بين المسلمين ، والتي لا يتسع لها آلاف الكتب .. ولكننا سوف نستعرض الأخطر منها لاحقا …
جمال عمر