نفسك .. كما لم تعرفها (1) .. ؟؟ … بقلم : جمال عمر

لا شك أننا جميعا تمر علينا لحظات تشتت وفقدان اتزان ، وغالبا ما تمر على عقولنا فيها مشاهد وصورا غريبة  ، مثلما يحدث معك وأنت تستيقظ من النوم ، ولا تعرف في أي عالم أنت ، وأيهما الحقيقة وأيهما الحلم ، لدرجة أن تختلط عليك الأمور أحيانا فلا تدرك ، أيهما هو عالمك الذي تعيش فيه حياتك ، وأيهما الغريب الذي تزوره أحيانا ، وتراه في أحلامك ، وما هو الخط الفاصل ما بين الحياة التي نحياها ، وبين ما نراه في أحلامنا ، أو ما بين النوم والاستيقاظ ، وهنا أن نتذكر لماذا عندما ننام لبضع ساعات قليلة ، نجد أنفسنا قد انتقلنا خلالها لدنيا أخرى نمارس فيها الحياة لساعات طويلة بل وربما أيام ، ثم نستيقظ فنكتشف أن كل هذا قد حدث لنا خلال ساعات نوم قليلة ، وهو ما يحدث لمعظم الناس فتثير فضولهم ، ولكن سريعا ما تخطفهم حركة الحياة فيتجاهلوا ذلك مجبرين ، وينسون أو يتناسون كل شيء تدريجيا ، ولا يصبح هاما ومقلقا إلا عندما تختلط المفاهيم ببعضها ، فلا يستطيع صاحبها التفريق بينها ، والحقيقة ربما يكون ذلك مجرد رحمة من الله به ، بالتمهيد له لما هو قادم من أحداث كبيرة وخطيرة أو ربما تمهيدا لنهاية الرحلة ، والتي عندها سوف يكشف الغطاء عن رؤياك ليتحقق قول الله تعالى .. “فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد” .

 

 ولعلنا نعرف جيدا أن معظم الناس عند اقترابهم من الرحيل ، يتعرضون لمشاهد وأحداث مماثلة ، ولذلك لابد أن نتوقف عندها ونستعرض حقائقها ، لعلها تنفع بعض النفوس في رحلتها الحالية أو القادمة ، ولا شك أن هناك فارق كبير بين ما تراه عيوننا ونحن مستيقظين أو نحيا في النيا مستخدمين أجسادنا بقدراتها المحدودة ، وبين قدرات النفوس على الرؤية والتعامل في عالم الحقيقة خارج حياة حلم الحياة القصير جدا مقارنة بعمر النفوس ، ولا شك أن المتدبر لآيان الخلق للنفوس والحياة والتي تزيد عن (400) اربعمائة آية ، سوف تذهله كم الحقائق التي يسوقها الخالق العظيم لابن آدم ، والتي نتجاهلها تماما تحت سطوة أساطير البشر وضلالاتهم الغير محدودة ، وأهمها تأكيد الله أن النفس هي أصل الإنسان ، وأنها تحيا على الأرض من خلال تصويرها (إنشاءها) في جسد من مادة الأرض ، ولكي يكون الجسد صالحا لاستخدام النفس ، يجب أن يكون حيا (فيه روح) ، ولا علاقة للنفس بالروح مطلقا ، بل لا علاقة لمخلوق بالروح مطلقا ، ولا يمسها مخلوق ولا حتى الملائكة إلا بإذن الله ، فالروح تدخل الجماد (الجسد) لتحييه بإذن الله وتخرج منه فيموت بإذن الله ، ولو كان الجسد هو جسد إنسان ، فحينها تفقد النفس الجسد الحي الذي تستخدمه في حركة الحياة ، وحينها يتوفى الله (النفس) بواسطة ملك الموت ومعه رسل الله من الحفظة ، وهم لا يمسون ولا يدركون الروح ، ولا علاقة لهم بها ، وتلك هي حقائق قررها سبحانه في كتابه العزيز .

والأعجب .. أن الإنسان الذي ينام كل يوم لم يسأل نفسه ، كيف ينام وما الذي يجعل الجسد ساكنا لا يتحرك ، ولم يسأل نفسه ما الذي يبقي جسده حيا حتى يستيقظ ، وما الذي يغادر ويترك الجسد ليصبح الإنسان (نائما) ، ولكن الله أجاب ابن آدم بكلمات بسيطة قال فيها  {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، فالنفس تغادر الجسد عند النوم ، ويبقى الجسد الحي بلا نفس ، ولكي يؤكد لنا سبحانه أننا لسنا سوى نفوس يقول لنا .. {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأنعام60 ، فالله يتوفانا عند النوم وعند الموت (يتوفى الأنفس) ، ولذلك فالجسد أثناء النوم يكون حيا ولكن بلا نفس ، فالنفس هي الأصل والمكلفة والتي تستخدم الجسد للتعامل مع حركة الحياة ، ويبقى الجسد حيا لأن الروح ما زالت فيه ، ولكن لو استرد الله الروح (أمرها بالخروج) ، لمات الجسد ، فلا تستطيع النفس العودة إلى الجسد مرة أخرى ، فعندما ينتهي الأجل وتحين لحظة الموت ، فيتوفى الله النفس بلا رجعة لهذا الجسد ، وسبحانه يتوفى الأنفس بواسطة ملك الموت ، وهو ملك يقبض النفوس ، يقول سبحانه .. {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }السجدة11 ، ولا يقبضها وحده ، ولكن ومعه وفد من رسل الله الحفظة وهم يتوفون النفس ، لقوله تعالى .. {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ }الأنعام61 .

وبالتالي فإن النفس لا تستقر مطلقا داخل الجسد منذ دخولها أول مرة في رحم الأم ببداية الشهر الخامس للحمل ، ولكنها تغادر الجسد بمنتهى السهولة والبساطة ، يوميا للنوم وأحيانا دون مقدمات كالإغماء ، وغالبا دون أن ندري فيما نسميه بـ (السرحان) وفقدان التركيز ، بدليل أنك أحيانا تسقط من ذاكرتك لحظات كثيرة لا تذكر ماذا فعلت خلالها ، وهي تلك اللحظات التي تفقد فيها كثير من أشيائك مثل نظارتك والمفاتيح والمحمول ، ولا تتذكر أين وضعتها ، ليس لأنك قد صابك الزهايمر ، ولكن تلك المشكلة التي نسميها (إنعدام أو ضعف التركيز) ، وهي اللحظات تكون النفس فيها خارج الجسد بنسبة كبيرة ، أو على الأقل جزئيا مشغولة بما هو أهم ، ولذلك نخطيء كثيرا ونتهم البعض بأنه غبي أو ضعيف الفهم ، والحقيقة أنه رافض نفسيا لما نجبره على محاولة التركيز فيه ، بينما هو لن يعطي من تركيز نفسه شيئا ، بدليل أن المصابين بالتوحد ، نجد لديهم قدرات حسابية أو منطقية مذهلة في الأشياء التي تستهوي نفوسهم ، ولذلك لابد من التدريب النفسي الواعي للطفل ، لوشئنا أن نصنع منه قيمة إنسانية في مستقبله .

ولا شك أن عملية التركيز هي عملية دقيقة وهامة ، وتحتاج للوعي والقدرة على ضبط توجيه النفس ، واتقان التعامل بها لما يفيد الإنسان ، فكل إنسان يملك القدرة على التركيز لأنها فطرية ، ولكن قليل من يملك القدرة على توجيه التركيز بما يتوافق مع حركة حياته ، لأن النفس واقعة تحت تأثيرات كبيرة وخطيرة ، أولها شهوات النفس ، وثانيها الوسواس الخناس (القرين) ، والذي يوسوس لابن آدم طوال لحظات حياته ، ثالثها .. فتن الدنيا وأحداثها من حوله ، والنفس الواعية .. تلك التي تملك القدرة على توجيه تواجدها (تركيزها) لإنجاز مهامها وواجباتها ورغباتها في توقيتاتها الصحيحة ، وتلك قدرة النفس على التحكم في اتجاهات وأماكن تواجدها ، والتي يتعلمها الأبناء والبنات خلال مراحل تربيتهم من والديهم والمحيطين بهم ، وهي أهم ما يجب على الوالدين والمربين مراعاته ، لأن الطفل المشتت التركيز وفاقد القدرة على توجيه (تواجد نفسه) ، يشب عشوائيا تقوده شهواته ورغباته ، وهذا النوع يكون ضحية غباء وجهل والديه الذين دمروا قدراته النفسية بتدليله وتلبية جميع رغباته ، وأحيانا القيام بواجباته بدلا منه ، مثل ظاهرة الماميز اللائي يهتممن بكل صغيرة وكبيرة لأبناءهن ، لدرجة تجهيز مذكراته ومساعدته في الاستذكار ، واختيار ملابسه وطعامه وشرابه ومواعيد نومه وكل ما في حركة حياته ، وهي لا تدري أنها تقتل قدراته وتدمر إمكانياته ، ولذلك فالحرمان والفقر بل وربما اليتم ليس سيئا بالدرجة التي نتخيلها ، لأنه غالبا ما يكون هاما للطفل لسرعة اعتماده على نفسه ، ونمو قدراته على ضبط النفس وفهم حكمة الحياة ، وبالتالي إجادة التعامل معها وتوجيه قدراته وتركيزه فيما يفيده ويعلمه التحكم في شهواته ورغاباته .

ولا شك .. أن التركيز .. والذي هو في حقيقته ، هو قدرة النفس على التواجد في المكان الصحيح في التوقيت الصحيح ، هو أحد قدرات النفس الغير محدودة والذي يتمتع بعض الناس فيها بقدرات خاصة جدا ، حيث تستطيع بعض النفوس مثلا رؤية أحداث بعيدة بل ومستقبلية سواء في المستقبل القريب أو البعيد ، أو لديهم قدرات التخاطر مع أشخاص بعيدين ، وتبليغ الرسائل والاطلاع على ما تريد معرفته ، وقد تلاحظها ببساطة في نفسك ، عندما تتذكر شخصا غائبا عنك ، ثم تجده بعدها بدقائق يتصل بك أو يدخل عليك ، فتتعجب أنه “كان على بالك منذ دقائق” ، والحقيقة بسيطة ، فأنت رأيته بجزء من نفسك ، وهو يهم بالاتصال بك أو في طريقه إليك ، وكذلك نراه بوضوح في يقين الأمهات عن أحوال أبناءهن خاصة لو حدث لهم مكروه ، فتجد الأم أول من يشعر بذلك ، ونقول اختصارا هو “قلب الأم” ، والحقيقة أن تركيز تواجد نفس الأم بجانب ولدها ، وتكون حينها بجزء كبير من نفسها مرافقة لولدها ، ولو كان ولدها (شفاف النفس) لشعر بوجودها بجانبه ، فقدرات النفوس على الحركة عالية وقوية وتتخطى حدود المكان والزمان ، ولكننا لا نستخدمها ولا نعرف عنها شيئا ، بل وكثيرا ما نسخر منها ونكذبها ، لجهلنا الشديد بقدرات نفوسنا وكيفية استخدامها أو لأننا خطفتنا ماديات حياتنا ، وشوشت على قدراتنا كم الموجات الكهرومغناطيسية المتداخلة حولنا.

ولا شك أن تاريخنا الإنساني زاخرا بروايات وقصص عن قدرات نفسية لأشخاص ومشاهير ، مثل عمر بن الخطاب ، الذي توقف فجأة عن خطبة الجمعة صارخا (الجبل الجبل يا سارية) ، وعندما سألوه أجاب بأنه رأى سارية قائد جيوشه وقد حاصره أعداؤه (وهو على مسافة آلاف الأميال منه) ، ولا مخرج له إلا بالتحصن بالجبل ، فنادى عليه بلزوم الجبل ، وعجبا عندما يأتي رسول الجيش ، يسارع الناس ليسألوه عن ذلك ، فيقول لهم نعم لقد أمرنا سارية بالتحصن بالجبل فانتصرنا ، وأخبرنا أن ذلك كان بناء على أمر سمعه عاليا بصوت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، ولم تقف الأمر عند القصص والروايات ، ولكن تحول الأمر لتجارب علمية على بعض الأشخاص ، أثبتت بالفعل أن بعض الناس لديهم قدرات التركيز والتوجيه للنفس عالية ، وكانت أشهرها التجربة التي أجراها باحثون في علوم الأعصاب بقيادة الطبيب النفسي “كارليس غراو” عام 2014م؛ وفي هذه التجربة أثبتوا أن هناك إمكانية للتواصل ونقل الأفكار بين عقل وآخر ، يفصلهما مسافة ثمانية آلاف كيلومتر ، وكالعادة في هذه التجربة وفي غيرها ، خلط العلماء ما بين قدرات النفس وحركاتها ، وما بين (المخ) كمركز العمليات الذي تستخدمه النفس لإدخال وإخراج المعلومات لحيز الحياة ، فسقط الإنسان في مستنقعات الجهل مدعيا أنها قدرات مغناطيسية رادارية للمخ البشري ، وذلك لأنهم لا يؤمنون ولا يصدقون ما يقوله خالقهم ، ويتجاهلون تماما أنها قدرات للنفس ولا علاقة لها بالجسد المستخدم بواسطة النفس ، والحقيقة ليست سوى أن النفس قد سجلت نشاطها وما أدركته على شاشة المخ ، والذي تجاوب معها بالإشارات المغناطيسية التي سجلوها ، فتجاهلوا الأصل والفاعل وهي النفس ، ونسبوا الفضل للمخ البشري (الجماد الحي) .

أخيرا .. لا عجب أن يضل هؤلاء ، لأن الأعجب أن أصحاب القرآن العظيم الزاخر بالعلوم ، كذبوا آيات خالقهم وصدقوا خرافات خلقه ، وما زالوا يغطون في ثبات الجهل مستسلمين للدروشة وتجاهل آيات العلم في قرآنهم العظيم ، والذي يحتوي على حدود كل العلوم البحتة التي نتخيلها ، سواءا في آيات العلم الصريحة أو في آيات القصص الزاخرة بقوانين وثوابت الكون ، وما يحكم حركة حياة البشر ، مثل مستقبل ابن آدم وأحداث حياته اليومية الماضية والقادمة وقدرات الإنسان على فهمها والتعامل معها ، والتي شوهها الإنسان بنظريات مثل نظرية (الديجافو) والتي ما زالت تحير البشرية حتى اليوم ، وأين تذهب النفس بعد الموت ، وما هي حقيقة أكذوبة حياة القبور وعذابها ونعيمها ، ولماذا سقط الإنسان ضحية خرافاته .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

عالم النفوس .. بين الحقيقة والخيال (3) … بقلم : جمال عمر

استعرضنا من قبل … وتوقفنا طويلا أمام تلك الحقائق التي قد لا يصدقها ابن آدم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *