استعرضنا سابقا جنوح ابن آدم للضلال والبهتان في أسوأ استخدام لهبة الإبداع (التي ميز الله بها فئة العمار من مخلوقاته) ، لتعينه على تنفيذ المهمة التي خلقه من أجلها وهي إعمار الأرض ، فكان أخطر ما قام بتزويره هو حقائق خلقه وقوانين ناموس الله في حركة الحياة على الأرض والتي أخبره الله بها ، وأنزلها إليه تدريجيا على أيدي رسله من البشر ، بل ورغم أنه سبحانه وتعالى قد أتم رسالاته برسول خاتم جاء بدستور الحياة كاملا ، إلا أن البشر أغلقوا الفهم والتدبر في هذا الدستور “القرآن العظيم” ، وصنعوا دينا جديدا مختلفا تبعا لأهوائهم ، وادعوا أنه دين الله الخاتم والمكتمل ، بعدما اضطرهم تزويرهم لمفهوم “الدين” إلى استكمال تزوير باقي معظم المفاهيم الأساسية كاملة ، وكان أخطر ما تم تزويره من المفاهيم بالإضافة للدين ، هو مفهوم خلق النفس والتي فصلها سبحانه وتعالى كاملة في القرآن العظيم بعدد من الآيات أكثر من ضعف آيات الفقه (الفروض – الحدود – المعاملات) ، بداية من خلق النفس ثم تصويرها وحركاتها وأمراضها وعلاجها ورحلتها في الدنيا حتى يوم الحساب ، ومن تزوير هذا المفهوم الأساسي تم تزوير مفاهيم كل من العبادة وحقيقة الهدف من خلق الإنسان ، ومفهوم حقيقة رحلات اختبارات الإنسان بالحياة على الأرض ، وبالتالي مفهوم معطيات الله لابن آدم (الأرزاق – الهبات – المنن) والهدف منها ، ثم مفهوم الأمانة ، وحقيقة المخير والمسير ، وكيفية حساب الإنسان بعد انتهاء اختباراته .

وعجبا .. أن تجد المسلمين أصحاب القرآن ، ومن لديهم أكثر من (400آية) تشرح لهم حقيقة خلق النفس وبدايتها وحركاتها ونهايتها وأمراضها وعلاجها ، هم من أبرز من يدرسون علوم النفس الغربية ، ويستخدمونها للعلاج ، رغم علمهم أنها مبنية على تجارب بعض العلماء المشركين والكفرة على المختلين والمرضى العقليين ، والكارثة هنا أنهم لم يقارنوا ما بين خيالات البشر وبين ما يبلغهم به الله من حقائق ، وهو الخالق العظيم للكون وما فيه ، ولكنهم تجاهلوا تماما ما يقوله خالقهم ، وربما منهم من يكذبونه حمقا وجحودا ، ويصدقون تخيلات العقول القاصرة ، فما زال المسلمين يقولون ما قاله أرسطو وأفلاطون وفرويد وباندورا وابن سيناء وابن رشد وابن القيم ، أن الروح هي النفس أو جزء منها ، رغم أن خالقهم قال لهم .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، فالروح هي سر الله لإحياء أي جماد ، فهي “الروح” في الإنسان والحيوان والنبات والحشرات والخلية الأحادية ، والروح لا يسيطر عليها ولا يمسها مخلوق (فهي من أمر الله) ، يدخلها الله في أي جسد فيحيا وينمو ، ويستردها سبحانه من أي جسد فيموت ويعود ترابا ، ولا يمسها مخلوق ولا حتى الملائكة .

ويبلغنا سبحانه أن الإنسان .. أصله نفس ، خلقها الله على صورته ، كما قال رسول الله ” لا تقبحوا الوجوه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن“ ، والله خلق النفس من مادة غير مرئية ولا يستطيع ابن آدم امتلاكها أو تقليدها ، والنفوس خلقها الله جميعا من أصل واحد ، ولذلك تتشابه النوازع والشهوات والرغبات والقدرات النفسية لدى جميع البشر ، ولكن النفس لا تحيا إلا بدخولها لجسد حي في المكان الذي يشاء الله لها أن تحيا فيه ، ولكي تحيا النفس على الأرض ، لابد لها من جسد من مادة الأرض ، ولابد أن يكون هذا الجسد حيا (فيه روح) ، ولذلك يبدا سبحانه وتعالى عملية الخلق للإنسان بتكوين الجسد ، وهو ما يحدث عندما يلقح حيوان منوي لذكر لبويضة أنثوية ، فتصبح علقة تتعلق في رحم ، ويتطور نموها عبر مراحل (أطوار خلق متدرجة) ، حتى يكتمل الجسد بكل أجهزته وأعضاءه بنهاية الشهر الرابع من الحمل ، وعندها يصبح الجسد مستعدا لاستقبال النفس ، وعندها فقط .. تدخل النفس الجسد للمرة الأولى ، وذلك في أول يوم من الشهر الخامس للحمل ، فتقول الأم أن الجنين قد تحرك ، ويقول العلم أنه أصبح له حركات إرادية (لتواجد النفس) ، وهو بخلاف حركات قلبه وخلاياه المنتظمة بدقة قبل هذه اللحظة ، ومنذ هذه اللحظة قد أصبح الجنين إنسانا كاملا .

وتدخل النفس للجسد في عملية يسميها سبحانه وتعالى مسميان إثنان ، المسمى الأول هو المسمى العملياتي التكتيكي للحظة التحول من مخلوق حي بلا إرادة إلى إنسان كامل ، فيسمي سبحانه هذه العملية بــ “الإنشاء” ، حيث يتم إنشاء النفس داخل الجسد للمرة الأولى ، والتي يصبح هذا الجسد الحي مخلوقا جديدا مختلفا عما سبق هذه اللحظة ، ويوضح الله ما حدث بقوله تعالى .. “ثم إنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين” ، والمسمى الثاني وهو مسمى استراتيجي متعلق بطبيعة النفس ، والتغيرات التي تحدث عليها بالدخول والانحصار داخل جسد ، حيث يسميها سبحانه بـ “التصوير” ، وهي عملية حصر النفس بكل نوازعها الكبيرة والهائلة داخل جسد محدود الحجم والقدرات “خلقناكم ثم صورناكم” ، وذلك هو سر الاإحساس النفسي الذي ينتابنا في كثير من المواقف ، بأننا نستطيع فعل أشياء أكبر من قدرات أجسادنا ، وتتم عملية التصوير بتصوير الجسد وتشكيله في الرحم ، ثم تصوير النفس داخل الجسد بعملية الإنشاء ، “وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء” ، وكذلك لابد أن يتم خلال عملية “الإنشاء” ، ما نسميه نحن بـ “التكويد” ، وهذا التكويد هو ما يمنع دخول النفس لجسد أحد غيرها ، كلما عادت لدخول الجسد بعد خروجها اليومي والمتكرر للنوم ، حيث لا تبقى النفس في الجسد إلا ساعات معدودة في اليوم طوال حياة الإنسان ، ولابد من خروجها ومغادرتها للجسد ، حتى يستطيع الجسد عمل الصيانات اللازمة للجسد الذي يرهقه ويتلفه وجود النفس الدائم ، وسوء استخدام النفس للجسد ، أو المطية أو بمعنى أدق هو وسيلة تعامل النفس مع الحياة .

ولا شك أن تزوير مفاهيم النفس وحقائقها كان وما زال من أخطر ما تم تزويره ، لأنه طمس حقائق علاقات النفوس ببعضها ، وأهم ما فيها حقيقة أن كل نفوس البشر جميعا متكاملة ، وما يضر واحدة فهو يضر بالجميع ، وقد ساعدت عنصرية النفوس والرغبة في التميز والتفرد على هذا تفشي الجهل ، وهو ما يسمونه في علم النفس “الأنا” ، ونتيجة لتفشي العنصرية في نفوس البشر ، استمرأ البشر قتل بعضهم بعضا باسم الدين ، والتقرب إلى الله ، وأصبح فكر المؤامرات هو المسيطر على نفوس الغالبية من البشر ، وما أوضح المؤامرات التي يحيكها البشر لبعضهم ، لتحقيق مكاسب ولو تافهة على جثث غيرهم ، وما أكثر الجرائم اللا أخلاقية واللا إنسانية التي يرتكبها البعض في حق البعض وفي حق الكل من أجل إرضاء عنصرية النفوس المريضة .

فمثلا .. ظلت البشرية عقودا طويلة تحارب الدهون الحيوانية ، وتحملها مسئولية كثير من الأمراض الفتاكة خاصة أمراض القلب والشرايين والمخ والأعصاب ، وتفشى في العالم الاعتماد على الزيوت النباتية بكل أنواعها خاصة المهدرجة منها كبديل للدهون الطبيعية أو الحيوانية ، ثم فجأة ومنذ سنوات قليلة تتكشف الحقيقة ، ويفتضح أن اليهود قرروا أن يحرموا الدهون على العالم ، لأنهم حرموها على أنفسهم منذ قرون طويلة ، ويتضح أنهم وراء تلك الأكذوبة ، والتي كسبوا منها التريليونات بعدما أصابوا مليارات البشر بأمراض فتاكة نتيجة الاعتماد على الدهون النباتية ، ولم يقف الأمر عند هذا بل واعتمادا على نفس المختبرات المأجورة والمعاهد والجامعات والعلماء المرتشين ، استطاعوا إخفاء أسباب نفوق مليارات الأسراب من النحل في العالم سنويا نتيجة استخدام المبيدات الحشرية ، لتستمر مكاسب شركات المبيدات عقودا طويلة وهم يخفون الحقيقة .

بل أغرب من هذا أن الجميع يعرف أن السرطانات ليست مرضا ، ولكنها تحول في سلوك الخلايا ومن السهل علاجه ، وبأعشاب أولية وتغيير لنمط الحياة ، ولكن إعلان ذلك سوف يفلس شركات الأدوية وكيانات يهودية ضخمة ، وكذلك امبراطوريات التبغ في العالم التي تمتلك جيشا من المختبرات والمعامل والمختبرات ، وتدفع المليارات من الرشاوى سنويا لإخفاء حقيقة أضرار التدخين المدمرة على صحة الإنسان ، وتزداد مبيعاتها سنويا ، بل أبسط من هذا نجده في تفشي استخدام الأكياس والزجاجات والعبوات البلاستيك للمأكولات والمشروبات والمياه ، رغم أننا نعلم علميا ودون جدال ، أن البلاستيك يترك آثارا سمية صناعية مشابهة لهرمون الاستروجين على كل طعام وشراب يمس البلاستيك ، وهذه الرواسب السمية تسبب الإصابة بالسرطان مباشرة ، ولكن لا يجرؤ أحد على تحريمها في ظل امبراطوريات البلاستيك في العالم ، وكذلك في كثير من الصناعات الأساسية والترفيهية حول العالم .

فالعلم والذي من المفروض أن يكون لخدمة البشر والحفاظ على صحتهم ورفاهيتهم ، أصبح سلاحا لقتل البشر ، نتيجة تآمر الإنسان وعنصريته ، وأصبح هناك مؤسسات علمية حسب الطلب ولمن يدفع أكثر ، واختفت نهائيا الثقة في معظم المؤسسات العلمية ، والتي أصبحت تعمل تحت سيطرة امبراطوريات المال ، والتي يخضع معظمها لعائلات يهودية كروتشيلد وروكفيلر ، وأبسط مثال لهذا هو ذلك الاندفاع المحموم نحو نمط الحياة الحديث ، والذي يدمر صحة الإنسان وقدراته الجسدية والعقلية بلا رجعة ، ويدير هذا الاندفاع أباطرة المال بواسطة ماكينات الإعلام العملاقة والتي تسيطر اليوم على أكثر من 95% من عقول ونفوس البشر في شتى بقاع الأرض ، فهي تقدم للبشر أحلاما وردية بالمتعة والراحة وتحقيق الأحلام التي بثوها في النفوس ، وتشبعت بها منذ نعومة أظافرها ، وبلغت الدناءة والحقارة أن يتم تجهيز الأجيال القادمة لمزيد من الانحراف والسقوط ، لدرجة دس فكر وقيم الشذوذ في مسلسلات الكرتون للأطفال لسهولة السيطرة عليهم مستقبلا ، بعدما دمروا الرغبة والقدرة على العمل والكدح والاجتهاد بملايين المسابقات التي تحولك لمليونير في لحظة ، متوازيا مع برامج المواهب لاحتراف الفن ويصورونه أنه “الإبداع” ، وهو في الحقيقة قمة خداع البشر وتهميش لقدراتهم وعقولهم وامكانيات نفوسهم العقلية والجسدية لإعمار الأرض.

بل وبلغت حقارة التدني إلى إنشاء منظمات منحوها الصفة الدولية ، تحت مسميات براقة لحقوق الإنسان ، ولكنها لا تستخدم إلا فقط لاختراق الدول المستهدفة ، وإشعال الثورات ونشر الفوضى باسم الحرية وحقوق المنحرفين (الإنسان) ، وتدريب جماعات وفرق من كل دولة مستهدفة على إشعال الثورات وإسقاط الجكومات والدول ، وإنشاء فرق وجماعات إرهابية لتنفيذ الحروب بالوكالة في الدول المستهدفة مثل الدول العربية والشرق الأوسط ، مثل تنظيم القاعدة وداعش وبوكوحرام والتي ولدت من رحم الوهابية وإخوان المسلمين وجماعات باسم الدين ، وبخلاف والعديد من الفرق والجماعات التي ينشئونها بمواصفات خاصة تبعا لنوعية الاستهداف ، ولا يستحون أن يعلنوا ذلك ويتباهون به من منطلق يقينهم بغباء الدول المستهدفة ، واستحالة توحد العقل الجمعي لأية أمة سقطت في مستنقع الديموقراطية أو العنصرية العرقية أو الطائفية ، ويجهلون قانون الله الأبدي أن “الشر يأكل صانعه في النهاية” .

ولا عجب .. من تآمر الإنسان على نفسه وجنسه ، بعدما خضع الغالبية العظمى من البشر لإبليس وشياطينه واتخذوه وليا ، فاستمرأوا واعتادوا تجاهل حقائق حياتهم وخلقهم التي أنزلها الله لهم ، ويكفي أن معظمنا لا يصدق أن كل إنسان وأولهم نفسه ، فالكل لديه وسواس خناس مسلط عليه ومكلف بغوايته ، والأخطر هو جهلنا أن قمة سيطرة هذا الوسواس الخناس على ابن آدم ، عندما ينسى الإنسان ويفقد الشعور بوجوده ، ثم ينكر وجود هذا الوسواس نهائيا ، بل ويغضب لو قيل له “أستعذ بالله من الشيطان الرجيم” ، والحقيقة أنه ليس الإنسان هو الذي يغضب ، ولكن من يغضب هو (قرينه من الشياطين) وسواسه الخناس الذي يشعر بالخطر والخوف من نزع سيطرته علي الإنسان ، فينزغ إبليس ابن آدم (يدفعه) ليغضب ممن يذكره ويعاديه ويرفض أن يستمع له ، ولابد أن نكرر دوما .. أن أفضل وسيلة للشعور بوسوسة قرينك الخناس ، أن تراقب نفسك عندما تبدأ الصلاة ، أو تبدأ في عمل مساعدة لإنسان بلا مقابل ، ولاحظ كم من الأفكار والصور السلبية والأسباب التي تلمع في راسك ، لتشغلك وتفسد عليك أي عمل فيه طلبا لرضا الله .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
