الفساد وعنصرية النفوس (1) … بقلم : جمال عمر

توقفت كثيرا عند قول الله تعالى في كتابه العزيز .. {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41 ، فالآية تقرير من الخالق أن الفساد في الدنيا قد ظهر نتيجة لبعض أفعال الناس ، فهذه الأفعال ليست هي كل ما ارتكبته نفوسهم من شرور ، ولكنها بعضها فقط ، والتي قد إذن الله وشاء أن يتحقق بعض هذه النوايا الشريرة وتصبح أفعالا على أرض الواقع ، وذلك ليذيق الناس بعض سوء نواياهم لعلهم يرتدعون ويرجعون عن شرور أنفسهم ، والغريب أن الفساد لا يعرف فارقا بين الفقير والغني ولا المؤمن والكافر ولا الأبيض والأسود ، فالفساد هو شرور النفس البشرية ، ولكنه يكون أكثر خطورة عندما يكون فاعله أكثر قوة وتقدما وسيطرة على الدنيا ، وهو ما نراه جليا في شرور الغرب والدول المتقدمة ، حيث يدفع العالم أجمع ثمن شرورهم ، ولنا في الفارق بين شرور الأطفال وبين شرور الكبار الأشداء مثال بليغ .

ولا شك .. أن الغرب قد حقق الكثير في مجالات التقدم العلمي التكنولوجي خلال القرون القليلة الماضية ، وهي القرون التي خضع فيها الشرق للاحتلال الغربي ، وأكبر شرور الغرب كانت عنصريته ، حيث أنه حرص على عدم تقدم أيا من دول الشرق الأوسط وإفريقيا وكثير من دول آسيا ، للسيطرة على ثرواتها ومقدرات أمورها ، وهم ليسوا المجرمين وحدهم ، بل تتحمل الشعوب والحكومات المتخلفة مسئوليات الاستسلام للغرب ، وفتح أبوابها للثقافة الغربية بما فيها من فساد وانحراف ممنهج وموجه للشعوب لإفسادها عمدا منذ قرون مضت ، فهم قد تعمدوا نشر الفساد الأخلاقي وهدم القيم والدين في الدول والأمم التي اخترقوها ، ليسهل عليهم السيطرة عليها ثم تفكيكها وتشريد شعوبها ، وذلك عندما تكتمل مقومات التفكيك مثلما حدث في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا وتونس والسودان واليمن ، وهم يعترفون بهذا بمنتهى البساطة والتباهي علانية ، بعدما أفقدونا حتى القدرة على الفهم والمواجهة والمطالبة بحقوقنا التي نهبوها ، وشعوبنا التي شردوها تحت شعارات الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية المزيفة .

ولا عجب أن نكتشف ونعترف أن جميع هذه الشعارات مزيفة ، ولا وجود لها على كوكب الأرض منذ آدم وحتى يومنا هذا ، فالحرية شعار رائع وبراق ، ولكنها سلاح ذو حدين ، الحد الأول يمنحك حرية الحياة بالطريقة التي تريدها ونحن نعلم أن نفس الإنسان فاجرة بفطرتها لو وجدت السبيل .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 ، والحد الثاني يحدد لك يوقف تماديك في حريتك ، ويضع لها حدودا لا تتجاوزها لأنها سوف تمس حقوق غيرك ، فمن حقك أن تلبس ما تشاء ولكن ليس من حقك أن تلبس ملابس كاشفة لجسدك للعامة ، لأن هذا سوف يؤذي حياء غيرك وقد يثير شهواته ويصبح تلوثا بصريا ، ومن حقك أن تسمع ما تشاء ولكن ليس من حقك أن تفرض سماعه على غيرك مطلقا مثلما نرى سائق توك توك أو ميكروباس يزعج كل مكان يمر به بما ينطلق من سماعات مسجله من تلوث سمعي ، ومن حقك أن تشرب ما تشاء ولكن ليس من حقك أن تشرب الخمر علانية ، ومن حق الأنثى أن تعجب بجسدها ، ولكن ليس من حقها عرضه لكل العيون تباهيا به ، لأن هذا معناه فساد النفس وعهرها ، ويثير الشهوات ويفسد النفوس والمجتمع ، وخلاصة القول أن حريتك لها حدود وحدودها تنتهي عند حقوق الآخرين ، وكل هذا مخالف تماما لما يحاول الغرب دسه في نفوسنا ، بإطلاق الحريات لدرجة الانحراف وإهدار كرامة وأخلاق الإنسان لدرجة الشذوذ ، والذي يهتز له عرش الرحمن ، ويجر سخط الله وغضبه على من يفعله ومن يوافق عليه ومن يشجعه ومن يصمت ويتجاهل حدوثه باسم الحريات ، وفي التاريخ دروسا قاسية بخسف الله الأرض بمن يشيع فيهم الشذوذ ، { .. وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ }هود89 .

وأما الديموقراطية فهي أيضا احد شعارات الماسونية المزيفة ، والتي أكدوا في دستورهم وفي بروتوكولات حكماء صهيون أنهم ابتدعوها ليخترقوا بها المجتمعات الغبية (قالوا هذا الوصف تحديدا) ، لأن الغبي الأحمق فقط هو من يصدق أن هناك ديموقراطية ، والتي تعني حق الشعوب أو الرعية أيا كانت أن تشترك في حكم نفسها ، بمعنى أنك لابد وأن تكون شفافا ، وتروي لأولادك كيف تتعامل مع زوجتك (أمهم) في غرفة النوم لأنه يؤثر على حياتهم ، وهم يقررون ما يوافقون عليه وما يرفضونه ، وكذلك الشعوب لابد من اشتراكها في حكم نفسها ، فيروي الحاكم لشعبه كل شيء وهم يقررون ما يتفقون عليه ، وهذا من المستحيلات ، لأن الشعوب لا ولن تتفق على شيء مطلقا ، وثانيها أنه لا يصلح أن يقول الحاكم كل ما يعرفه لشعبه ، فيكثر الهرج والمرج والجدال والفوضى ، وتلك حقيقة فطرية إلهية ، فلا وجود للديموقراطية مطلقا ولا حتى لدى صانعيه ومخترعيه في الغرب ، وإلا كيف عرف دونالد ترامب أنه الرئيس رقم 45 لأمريكا قبلها بثلاثين سنة كاملة ، وكيف ظلت أنجيلا ميريكل تحكم ألمانيا 24 سنة ، وتحكم الاتحاد الأوروبي 20 سنة ، وكيف يكون جميع ملوك ووزراء أوروبا وأمريكا من عائلات يهودية الأصل ومعروفة بلقب “الأنجلوساكسونية” ، ولماذا في كل انتخابات في الغرب ، تصنع الصهيونية للشعوب الغربية دوما مرشحان تابعين لها ، ليختاروا منهم واحدا ، وقد سبق تحديده ، بل ويزورون الانتخابات لصالح من يريدون ، مثلما فعلوا لاختيار بايدن الرئيس الحالي لأمريكا .

وأما العدالة الاجتماعية فهي الخدعة الكبرى ، لأن من يدعون لها هم أصحاب الفكر الرأسمالي ، وبلادهم يحكمها أغنياء اليهود في العالم وهم ثلاثة عشرة أسرة تتحكم في 85% من ثروات العالم ، وتسيطر على 90% من وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل ، وأمريكا وحدها يعيش فيها أكثر من 20 مليون مشرد تحت الكباري وفي الخرائب وفي أنفاق المترو ، وفرنسا لديها أكثر من 8 مليون يعيشون في العشش الصفيح والخشب ، وأخيرا أين العدالة الاجتماعية عندما تستولي دول أوروبا على 98% من سفن القمح الأوكراني المصدر للدول الفقيرة ، ولا ترسل سوى سفينتين فقط للدول المنكوبة في إفريقيا ، وكيف تصبح فرنسا الدولة الأولى في تصدير الذهب في العالم ، وليس لديها منجم واحد داخل فرنسا ، ولكنه ذهب من مناجم النيجر ومالي ، وأمريكا تضع يديها على نفط وغاز السعودية وقطر والعراق وسوريا وليبيا واليمن وتحاول الوصول لنفط إيران ومصر الجزائر .

فالحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية هي شعارات ماسونية لاختراق وتفكيك الدول الغبية والحمقاء ، ولا يسمح بترديدها في بلادهم سوى في مظاهرات مقننة وبتصريحات أمنية دقيقة وبالتوقيت والمكان والمدة ، ومخالفة هذا تواجه بالاعتقال والرصاص الحي والمحاكمات والسجن ، مثلما فعل كاميرون رئيس وزراء بريطانيا في عام 2011م مع عمال المناجم ، وقال .. “لا تحدثوني عن حقوق الإنسان عندما يمس الأمن القومي لبريطانيا العظمى” ، وكذلك مثلما يفعل البوليس الأمريكي والإيطالي والألماني والفرنسي مع المتظاهرين ، بل وينزل الجيش لديهم للشعوارع لمجرد حادث إرهاب واحد ، ويسمونه حماية الأمن القومي ، ولكن هذا يعتبرونه اعتداء سافر على الديموقراطية لو حدث في أي دولة مستهدف تفكيكها والتربص بها ، بل إن الغرب ينفق المليارات على إعداد وتدريب جماعات وفرق من كل دولة مستهدفة ، وتكليفهم بإشعال الفوضى والثورات بمعاونة اللجان الأليكترونية على شبكات التواصل وكلاب الإعلام الهاربين من كل دولة ، لتمزيق الدول وتفيكيها وهدم مؤسساتها بالفوضى التي يسمونها الخلاقة ، وهو ما اعترف به علنا كثير من قادتهم في مذكراتهم وتصريحاتهم المتغطرسة .

وليس عجيبا أن يكون الغرب هو صانع الفساد والانحراف ، فهم يتباهون بحرية وقانونية العلاقات المحرمة والشذوذ في بلادهم ، لدرجة أن الغالبية العظمى من الرجال والنساء والأطفال لا يعرفون من أباهم ، وربما لا يعرفون أمهاتهم ، فالسائد لديهم هو تربية الملاجيء ، بل وبلغ بهم حقارة وبجاحة الانحراف أن يعرض التليفزيون الأمريكي برنامجا اسمه (أنت لست الأب) يثبتون فيه أن معظم أبناء الأسر المستضافة ليسوا أبناء الزوج ، بإجراء التحليلات على الهواء ، ثم تعترف الزوجة أنها لا تعرف من هم آباء أبنائها وبناتها ، فهي قد عاشرت عددا لا تحصيه ولا تذكره من الرجال في وقت الحمل ، وسط إعجاب المشاهدين والمتابعين ، والمفجع أن البرنامج قد عرض أكثر من (15 ألف) خمسة عشرة ألف حالة حتى الآن ، فهو يُعرض منذ عام 1991م ، ومُكوَّن من 19 موسم و 3500 حلقة ، في كل حلقة يتم عرض 3 حالات على الأقل ، ويُعرض على قناة NBC الأمريكية ، وليس عجيبا أن هذا البرنامج يُظهِر مدى الإنحلال الأخلاقي وضياع الأنساب الذي يُعاني منه المجتمع الغربي عامة والأمريكي على وجه الخصوص ، لأجل ذلك يُحاربون نظام الأُسرة في المُجتمعات الشرقية عموماً والعربيَّة خاصة ، وذلك عبر نشر الفساد بالعري والحب والغرام والحرية الشخصية ، وتمويل المنظمات النسائية المُتمرِّدة على الدين والقِيم ، ونشر ثقافة البغاء باسم الحرية الشخصية ، وتمويل ما تُسمَّى بمنظمات حقوق المرأة ، بدعوى أنَّ الإسلام قد ظلم المرأة ، فضلا أن هذا البرنامج يكشِف لنا مدى المهانة والحقارة والإهانة التي تُعاني منها المرأة الغربية عامة والأمريكية خاصة ، وهي تبحث ولا تعرف هويَّة أباء أطفالها ، وكأنها (من كلاب الطرقات) .

بل بلغ الفساد والانحراف أن تعلن منظمات نسائية في بريطانيا مؤخرا ومنذ أيام ، أن كثير من النساء أصبحن يمارسن الدعارة كوسيلة لزيادة الدخل في ظل الأزمات الأخيرة ” كورونا والحرب الأوكرانية” ، ولماذا العجب فهذه المجتمعات أقرب للحيوانات منهم للبشر في سلوكياتهم الشخصية ، فهم يتفشى فيهم الأمراض التناسلية والهضمية والشرجية ، لأنهم لا يستخدمون الماء للنظافة الشخصية مطلقا ، ويشربون الخمر كالماء ، والمخدرات مثل الطعام ، ويطلقون شعور المناطق الحساسة ، ولا يعتزلون النساء في فترة الحيض الشهري ، ويمارسون زنا المحارم ، وزنا الحيوانات والشذوذ للرجل مع الرجل والمرأ مع المرأة ، ويتبادلون الزوجات والعشيقات ، والنتيجة كارثية ، ففي فرنسا سجلت الشرطة 10 عشرة آلاف حالة طفل تم اغتصابه والتحرش به في الكنائس خلال عام واحد ، وسجلت الشرطة في حادثة واحد في ألمانيا عدد (314) حادثة اغتصاب ارتكبها 200 مسئول في أبرشية كولونيا في عام 2020م ، ناهيك عن تسجيل أعلى معدلات التحرش والاغتصاب والقتل للنساء في أمريكا خلال السنوات الخمس الماضية ، يليها السويد والدانمارك وفرنسا وألمانيا وبريطانيا ، وتلك هي أغنى دول العالم وأعلى معدلات للدخل والرفاهية ، فهل هذا هو التقدم الذي يريدونه لشعوبنا .

ودعنا من فسادهم رغم أنهم يتعمدون نشر هذه الثقافة في بلادنا بمختلف الوسائل ، لدرجة تهديد الأمم المتحدة بفرض عقوبات على الدول التي لا توقع على اتفاقية “سيداو”  ، والتي في عنوانها لضمان حقوق المرأة وفي بنودها تضمن نشر البغاء والدعارة وتقنن حقوق الشواذ والزنا والعلاقات المحرمة باسم الحرية وحقوق الإنسان ، ولنتوقف فقط عند كم الأكاذيب التي تبثها وسائل الإعلام ، والتي يسيطرون على أكثر من 90% منها ، لدرجة أن جميع وكلات الأنباء والفضائيات العاملة في منطقتنا العربية ، هم شركاء مسيطرون على أكثر من 95% منها بما فيها ، بل ويمتلكون العديد من القنوات مثل الجزيرة وإم بي سي ، وسكاي نيوز والسي إن إن ..  وغيرها الكثير ، ففي خلال الحرب الأوكرانية اكتشفنا أن أكثر من 90% من تصريحات القادة في الغرب مليئة بالمغالطات والأكاذيب والادعاءات الباطلة ، وهم لا يستحون خاصة الأمريكان ، والذين لا يصبيهم الخزي من كشف أكاذيبهم ، وفضح مؤامراتهم على العالم أجمع ، بما فيه حلفائهم في أوروبا ، فأمريكا كل القوى التي تظهر مثل روسيا وأوروبا ، فهي قد خططت وتنفذ مؤامرة متكاملة لهدم أوروبا وتقليص قدراتها الشاملة ، وكذلك تكسير عظام كل الدول النامية ونشر المجاعة والفقر في العالم أجمع من خلال الأزمات الاقتصادية الناتجة عن فرض العقوبات على روسيا ورفع نسبة الفائدة في البنوك الأمريكية المسيطرة بالدولار على اقتصاد العالم  ، وهم يعترفون أنهم ورطوا روسيا ودفعوها لهذه الحرب ، ويعترفون أن أمريكا تزداد ثراءا من بيع الأسلحة والنفط والغاز من خلال تصعيد وتيرة الحرب ، وهو ما اكتشفه الأوربيون مؤخرا ، وينذر بانقلاب في موازين القوى سريعا .

وأخيرا .. لا بد وأن نقف ونتساءل كيف يحدث هذا ، ولماذا ؟؟ ، وما هي الدوافع التي تجعل بشرا يتآمرون على معظم البشر غيرهم ، وهو سؤال يجيب عليه التاريخ ، فمن لم يقرأ التاريخ ويفهمه فهو جاهل بماضيه وحاضره وفاقد الاتجاه في مستقبله ، ولابد أن نسأل أنفسنا لماذا نفشل في السيطرة على حياتنا وأبناءنا ، ولماذا نصبح أحيانا أسرى للحزن والاكتئاب والقلق والخوف من المستقبل ، رغم أننا نحيا أفضل ملايين المرات من ملوك وقياصرة وأباطرة سبقونا ببضع سنوات أو عقود قليلة ، ورغم هذا يشتد الصراع والتوتر والإحباط في نفوسنا وينتشر بيننا كأنه النار في الهشيم ، ولماذا لا نملك في نفوسنا ما يسيطر عليها , ويصحح مفاهيمها ويسعد أحوالها .. ولماذا تفشى بين أبناءنا الاختلال النفسي .. وكيف نعالجه بهدوء .. وهو ما سوف نجيب عليه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *