الفساد صناعة النفوس (2) … بقلم : جمال عمر

استعرضنا سابقا ما آلت إليه أحوال البشر على الأرض من فساد وانحراف ، كنتيجة طبيعية لسقوط البشر ضحية لشهواتهم وأنانيتهم ، والتي تزامنت مع وساوس الشياطين ، وفتن الدنيا وزخرفها ، مما أدى لسوء استخدام البشر لهبات الله لهم وأهمها هبة الإبداع (الرغبة في الإتيان بالجديد) ، والتي وهبها الله لبني آدم لتعينهم على تنفيذ مهمة العبودية (العبادة) ، والتي خلقهم الله من أجلها ، وهي إعمار الأرض كخلفاء عليها ، فزوروا دينهم وابتدعوا أديانا جديدة وتفرقوا مللا وفرقا وجماعات متناحرة ومتصارعة ، وساعد على تفاقم الانحراف والفساد واستيطانه النفوس ، وجود الرغبة الفطرية لدى البشر للفجور لدى البشر .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 ، وتجاهلنا بلاغ الله لنا بأن النفس البشرية كثيرا ما تأمر بالسوء .. { .. إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53 ، ونتيجة للجهل أو تجاهل الإنسان لطبيعة خلقه ، وسقوط الغالبية العظمى أسرى لوسواسهم الخناس ، وسيطرته المطلقة على النفوس ، تفشت الحماقة والتنطع بل والغطرسة بين الناس ، لدرجة أنك نادرا ما تجد بين الناس من يتهم نفسه ، ويعترف بخطئها ، ويحاسبها ويقوم اعوجاجها ، أو حتى ينتبه لما يبثه وسواسه الخناس في نفسه باستمرار ، لدرجة أننا نرى البشر يقولون ويفعلون الشر ويمارسون الفساد ، وهم مقتنعون أنه حقهم ، وأنه من خلاصة ذكائهم وعبقرية عقولهم .

 

ولا شك أن عنصرية النفوس كان لها الأثر الأكبر والأخطر في فرقة وعداء البشر لبعضهم البعض ، فالغرب ينظر لأهل الشرق على أنهم لا يستحقون الحياة ، لأنهم مهد الديانات ، والغرب سقطوا ضحية إبليس فأصبحوا أعداء لكل دين ، لأنه يقيد أيديهم عن غيرهم من البشر ، ولا يمثل الدين لهم إلا عباءات الخداع التي يسيطرون بها على الحمقى والأغبياء ، فالمسيحيون الكاثوليك وهم الأغلبية في الغرب وأمريكا ، يكفرون غيرهم من الملل خاصة الأرثوذكس فالكاثوليكية ملة يهودية المنشأ والأصل ويحكمون بها أمريكا ومعظم دول أوروبا ، وكذلك البرتوستنانت والتي أنشأها اليهود ليحكموا بها الجزيرة البريطانية اليهودية المنشأ ، وتسيطر الماسونية على الكاثوليك بالسيطرة على بابا الفاتيكان ، والملل المسيحية تكفر وتشلح بعضها بعضا ، واليهود والمسيحيون يكفرون المسلمين ، ويحللون دماءهم وأموالهم وبلادهم ، ويرون أنهم لا يستحقون الحياة ، وناهينا عن كم العنصريات في العالم ، والتي تصل إلى عنصرية الرجل ضد المرأة ، فالمرأة ما زالت سلعة تباع وتشترى في الغرب ، وتعاني من نظرة دونية في الشرق ، فالعنصرية هي فتنة إبليس التي يبثها بين البشر ، فيقتل بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضا ، حتى يقتل الأخ أخته وأمه وأخاه وأباه ، تحت شعارات براقة كالحرية والعدالة والتطور ، ومدفوعين بشهوات وفتن تزداد وتتسارع يوما بعد يوم ، في ظل الفساد الممنهج لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي .

ولا شك أن أول ملامح العنصرية في نفسك ، أن تسمح لنفسك أن تظن أنك أفضل من أي إنسان على الأرض ، وتتناسى أن كل خلق الله عياله ورعيته ، ويحبهم جميعا ويغار عليهم ، ولا أفضلية لمن جاء به الله مسلما أو مسيحيا أو ملحدا أو بوذيا أو مشركا ، فلا اختيار لبشر في والديه ولا موعد ولادته ولا نوعه (ذكرا أو أنثى) ، ولا أيا من معطيات حياته ، ولا حتى موعد وفاته ، فتلك اختلافات شاء الله وجودها بين البشر ، ليختبرهم كل إنسان فيما آتاه من معطيات ، وتلك المعطيات ليست تكريما ولا عقابا ، ولا علاقة لها مطلقا بما يستحقه الإنسان ، فهي في الحقيقة لا تمثل إلا مجالات ومواد اختباراته في الدنيا (ليبلوكم فيما آتاكم) ، .. وهو ما أعلنه الله مرارا وتكرارا خاصة في كتابه الأخير على يد خاتم رسله ، مثل قوله تعالى .. { .. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 ، فاختلاف المعطيات خاصة “الدين” هي مشيئة الله وحكمته ، ولذلك لا علاقة لنا بها ، وليس لنا ولا علينا أن نكره أو نجبر أحد على تغيير معتقداته بالقوة ، ولا أن نعاديه أو نمكر به ، أو نحرض على إئذائه أو نتربص به ، بل علينا أن نحترم اختلافات غيرنا ، لكي يحترم اختلافاتنا ، ولكن فقط .. علينا تنفيذ أمر الله بالتسابق في فعل الخير للبشر جميعا ، ونترك الاختلاف بيننا ليحكم الله فيه يوم القيامة .

ومن منطلق أننا جميعا سواسية وكلنا من خلق الله وعياله ورعيته ، فمن أكرم الناس أكرمه الله ، ومن مكر بهم مكر الله به في الدنيا والآخرة ، وهو ناموس لله على أرضه ، ولا تبديل لناموس الله ، وللأسف يظن البعض أن مهمته هي هداية غيره ولو بالقوة ، ويعتبر هذا تقربا لله وتدينا تحت شعارات شيطانية وهو يحسبها دينية ، ويظن أنه يستطيع فعل أو تغيير شيء لم يكتبه الله ، وينسى أن مقادير عمره وعمر غيره وما في الكون جميعا ، كلها بيد الله من يوم وجوده وحتى فنائه ، وننسى أننا لا نملك من أمرنا شيئا ، فيصور لنا غرور نفوسنا وجهلها ووسوسة الشياطين أننا نستطيع أن نفعل ما نشاء ، ولا يعترف أحد بقدرة الله إلا عندما تضيق عليه الدنيا ، فيلجأ إلى ربه ويسلم له نادما وخاضعا ، فالدنيا تخطف البشر فيعيثون فسادا بحجة تقليد غيرهم من البشر ، مدفوعين بكبر نفوسهم وشهواتها ، فتلهيهم وتخطفهم الدنيا ، ويبررون ويكذبون ويدعون الأكاذيب من أجل تحقيق رغبات نفوسهم وشهواتها ، ويجادلون ويكذبون ويمكرون ، لدرجة ازدواج المعايير ، فتجد من يرى أن نعم الله عليه قد جاءته من ذكائه ومهارته لأنه يستحقها من الله ، أما مشكلات ومصاعب الحياة فهي تأتيه من أفعال غيره ممن يكرههم ويتربص بهم .

فمثلا .. لو ناقشت إخوانيا أو ليبراليا أو أحمقا ، فسوف يدعي أن المشكلة الاقتصادية في مصر ليست بسبب الأزمات الوبائية والاقتصادية التي اجتاحت العالم وأذلت حتى شعوب أوروبا ، ولكنها بسبب غباء النظام الحاكم في مصر ، وتحديدا “عبد الفتاح السيسي” الذي يدمر مصر (على حد ادعاءاتهم) ، ولو ذكرته بأن أحوال مصر أفضل ملايين المرات من سنوات سابقة ، وأنه يحيا الآن أفضل من كثير من الشعوب حوله ، فسوف يقول لك أن هذا من نعمة الله وفضله ، وهو ما كتبه الله له لأنه يستحقه ، ولا فضل لبشر فيه ، فالمعايير لديهم مختلة ، فاحترفوا الكيل بمكاييل تبعا لأهوائهم وفساد نفوسهم وضمائرهم التي تستحل الكذب والبهتان والضلال ، ومن المؤكد أن هذا نتيجة منطقية للجهل بناموس الله في خلقه ، ولذلك هم لا يستحقون العداء ، بقدر ما يستحقون الشفقة لأن نفوسهم مريضة ، والمرض النفسي أشد وأخطر من أي مرض عضوي ، وندعو الله ألا يكون ذلك عقابا لهم من الله ، فالله يسلط كثير من الناس على نفوسهم ، فتختل معاييرهم وعقولهم ولا يهتدون حتى يروا العذاب الأليم في الدنيا والآخرة .

ولذلك دوما ننصح أبناءنا وبناتنا أن لا يستسلموا لإبليس ، وينتبهوا لوسوسة الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ليل نهار ، ونوصيهم بالاستعاذة منه دوما ولو مائة مرة في اليوم ، لأنه مسلط على ابن آدم منذ مولده وحتى لحظة وفاته ، ووظيفته “التي لا يمل ولا يكل منها” هو غواية ابن آدم ، وإفساد نفسه ، ودفعه لما يضره ، وجعله أسيرا للأنانية والطمع والجشع والفواحش ، وذلك حتى يضمن أن يصل بالإنسان للحزن والاكتئاب وكراهية نفسه وكراهية البشر والخوف منهم ، لعله يصل به أن يفسد في الأرض أو حتى يقتل غيره أو ينتحر ، فيموت كافرا ، وقمة نجاح الوسواس الخناس (القرين) ، أن يفقد الإنسان إحساسه بوجوده ووسوته ، ويقنع الإنسان بأن كل ما يسمعه في أذنيه وما يراه من مشاهد على شاشة عقله ، ليست إلا نتاج ذكائه وفطنته وخبرته وحكمته ، فجميع أسرى وسواسهم الخناس من البشر لا يصدق بوجوده ، بل ويغضب لو قلت له استعذ بالله من الشيطان الرجيم ، ولكن الحقيقة أن من يغضب ليس الإنسان ، ولكن شيطانه “وسواسه الخناس” ، الذي يخشى أن يفتضح أمره ، فيدفع الإنسان ليغضب منك وينفعل عليك ، وذلك حتى لا يفيق الأسير وينتبه لوسواسه الخناس فيطرده بالاستعاذة بالله .

ولو شئت أن تسمع صوت وسواسك الخناس عاليا وواضحا ، فراقب نفسك عندما تبدأ الصلاة ، أو تركز في عمل شيء فيه خير أو عمار للدنيا ، فحينها لن يتركك لتنجزه كاملا أبدا ، ولن يسمح لك أن تركز في عمل صالح أو أن تخشع في صلاتك أبدا ، بل سوف يخوفك ويشكك فيما تفعله ، ويلقي في نفسك مشاهد مثيرة أو مغرية ، أو مشاكل ترعبك ، أو يذكرك بموضوعات تستهويك حتى يضمن انشغالك ولو لحظة عما تفعله ، خاصة لو كان صلاة أو علم أو فعل خير لوجه الله ، ولذلك نعاني كثيرا مع أبناءنا لدفعهم للتعليم والاستذكار ، بل أبسط من هذا أن وسواسك الخناس لا يتركك تستمتع بأي فرحة أو لحظة سعادة أبدا ، بل سوف يلقي على شاشة مخك (عقلك) صورا ومشاهد ليذكرك بما يحزنك ويخوفك ويؤرق نفسك ، فيطفيء في نفسك فرحتها ومتعتها ، لدرجة أن بعض الناس لو ضحكت قليلا تبادر بقولها “اللهم اجعله خير” ، لأن وسواسه أقنعه أن كل فرحة لابد أن يعقبها شر وحزن ، مع إن الله قال لنا وعلمنا عكس هذا .. {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً }الشرح5 ، فالوسواس الخناس لا يترك لقرينه الإنسان فرصة للراحة والسكينة والسعادة مطلقا ، فيبذل كل جهده ليحرمه منها ، لدرجة أن بعض الصالحين كان إذا فقد شيئا (ضاع منه) ، توضأ وصلى ركعتين بخشوع ، ويؤكد أنه قبل أن يختم صلاته يكون وسواسه الخناس قد أخبره بمكان ما فقده أو ضاع منه .

وبالتالي .. فلا عجب أن نرى الانحرافات النفسية والمشاكل تهاجم أبناءنا وبناتنا ، وتتفشى بينهم ، لأننا تلهينا الدنيا عنهم ، وهم يتعرضون لطوفان من التشتيت والإلهاء ، مما يثير ويؤرق نفوسهم ، والتي بالفعل لم تجد من يربيها ويهذب ها ويعلمها كيف تتعامل مع مغريات وفتن الدنيا ، وبالتالي فشلنا في تربيتهم ، لأن معظمنا يظن أن التربية هي توفير الطعام والملبس والمسكن والتعليم اللائق لهم في البيوت ، والتي أصبحت كمرابض البهائم والتي يسمونها (المعلفة) ، وأصبح كل همنا هو تلبية كل ما يحلمون به ويشتهونه ، بحجة أننا لا نريد أبناءنا أن يحرموا من شيء ، أو يعانون مما عانينا منه ، وننسى أن الأهم هو التربية للنفوس ، وننسى أن تربية النفوس تحتاج للحكمة ، بالمنح والمنع والثواب والعقاب واللين والشدة ، والصبر والتحمل ، والالتزام بناموس الله في خلقه ، ولعل أخطر من نهمله ونستهين بخطورته مثلا .. ، هو السهر بالليل ، والنوم بالنهار ، والذي يفسد العمليات الحيوية لإصلاح وصيانه أجهزة وخلايا الجسم ، والنتيجة هي انتشار الأمراض المزمنة الخبيثة بين الأطفال والشباب ، فالتربية هي أن نعلمهم بسلوكياتنا أن وجودهم في الدنيا هو للكد والكدح والعمل والتعلم لإعمار الدنيا لأنها هي العبادة الحقيقية ، وكفانا أهدارا وتضييعا لهبات الله (الأبناء) .

وكذلك من الضروري .. أن نعلم أبناءنا أن الصيف ليس للكسل والنوم والعشوائية والمتع ، ولكنه لتعلم ممارسة الحياة وللعمل لاكتساب خبرات الحياة والمال الحلال ، وبناء أجسادهم التي تترهل من الكسل والجلوس طويلا ، فالأبناء المتسكعين العاطلين طوال الصيف بحجة أنهم طلبة ويرتاحون من المذاكرة طوال السنة ، يحفر في نفوسهم متعة أن يكونوا عالة على نفوسهم والمجتمع ، فيستمرءون فساد نفوسهم ، لأننا كودناهم أن يكونوا “خراف المعلفة” بحجة المذاكرة ، فتكون النتيجة كما نرى ونشكو ونعاني منه ، في شباب فاشل في تحمل أية مسئوليات ، متردد وخائف من اتخاذ أي قرار ، خاصة من عودتهم الأمهات أن تفعل لهم كل شيء ، فدمرت قدراتهم وشخصياتهم فشبوا بلا قدرات أو شخصية ، وفجرت في نفوسهم التواكل والأنانية والتفاهة والعنصرية ، فتجد زوجة شابة لا تجيد رعاية بيتها ، ولا تربية الأطفال ، ولا خبرة لها في التعامل مع الزوج ، ولا حتى العناية والنظافة الشخصية بنفسها ، وشابا لا يجيد فعل شيء في حياته سوى الاستمتاع بشهواته ، والحصول على ما يريده كما عوده والديه ، ثم نعود لنشكو من تزايد معدلات الطلاق والمشكلات الأسرية ، والحقيقة أننا من أجرم في حق أبناءه ، فنحن من علمهم عدم تحمل مسئولية شيء في حياتهم ، وأبسط معالم فساد تربيتنا هي كم الفوضى والعشوائية في حجراتهم الخاصة في بيوتنا ، ونحن لا يتحرك لنا ساكن ، فلا نلومن إلا أنفسنا ، وسوف نتحمل ذنوبهم وفسادهم إلى يوم القيامة .

والعجيب أننا لا نتعلم مما نشاهده من تجارب الحياة ، فنحن دوما نتباهى ونفخر بمن نبغوا وتفوقوا رغم صعوبة نشأتهم ، ولكنهم كدحوا وتحدوا مصاعب الحياة ونجحوا رغم حرمانهم من أساسيات الحياة خلال نشأتهم ، ونعلم أن هذا الحرمان لم يفسدهم مطلقا ، بل على العكس فجر طاقاتهم وقدراتهم ، وعلمهم حكمة ناموس الله ، فلا مكسب بلا كد وكدح وتعب ، ولا فرح ولا سعادة بلا صبر وتحمل ، فلماذا نفسد أبناءنا بتربيتنا الفاسدة المدللة ؟ ، لماذا لا نكلف الأبناء بواجبات منزلية يومية مستديمة تحملهم المسئولية ، وتشغل عقولهم وتعيد تشكيلها وتهذيبها ، ولماذا لا ندفع أبناءنا لتعلم صنعة أو مهارة بجانب الدراسة ، فالحرفة اليدوية تنمي مهارات التوافق العضلي العصبي ، وتنمي الجسد وتقوي بنيانهم ، وتجعلهم يكتشفون حقيقة الحياة مبكرا ، فتهذب أخلاقهم وتنمي قدراتهم ، وتشغلهم عن تفريغ طاقاتهم في التوافه والانحرافات ، ولماذا نستسلم لعواطف الأمهات المدمرة ، والتي تريد أن تعيد ابنها الشاب إلى بطنها حتى لا يتعرض للهواء ، والنتيجة فساد الأبناء ودمار قدراتهم وانحرافهم ، فترى صبيا يدمن الألعاب الالكترونية التي تدمر عقله ونفسه وجسده ، وتجعله متوحدا فاقدا للقدرة على التواصل والعمل والكدح وتحمل المسئوليات ، وربما تدفعه لتعاطى المخدرات ، ونحن نجهل أن المخدرات أصبح منها أنواع رقمية ، بمقطوعات موسيقية تصاحب الألعاب الالكترونية ، تؤثر على مراكز الإحساس والقرار في المخ ، فتدفعه للانحراف والشذوذ ، ونحن سعداء بإلهائه والتخلص من مشاكله طوال اليوم بألعاب البلاي ستايشن وفيديوهات التاب والموبايل ، فلا عجب أن تنحرف أبناءنا سواء بالتحول للعدوانية أو الانطوائية التي تدمر نفوسهم في صمت مثل كثير من بناتنا .

أخيرا .. متى نتعلم كيف نربي أبناءنا ، كما علمنا القرآن ، بتحمليهم المسئولية بالتدريج وبالترغيب والترهيب ومنذ نهاية فترة الرضاعة ودون تأخير ، فالإحساس بالمسئولية إن لم يحفر في نفس الطفل في الثالثة من عمره ، فلن يكون سهلا أن يقبله بقية عمره ، وسيتعلم كيف يهرب منها ، لأنها لم تحفر ضمن أصول نفسه مبكرا ، ولابد من زيادة جرعات ومعدلات المسئولية حتى سن البلوغ ، وحينها تكلف البنت بما تتحملها أمها ، ويكلف الصبي بما يتحمله أباه ، فيشاركون في تحمل مسئولية أنفسهم وإخوتهم ووالديهم وعائلاتهم  ، كتدريب لهم على تحمل المسئولية ، فالإنسان بفطرته وقدراته النفسية قادر على ذلك منذ صغره ، ولذلك ضرب الله لنا مثلا بإسماعيل الإبن الأكبر لنبي الله إبراهيم ، والذي يقول عنه سبحانه .. {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ .. }الصافات102، فالسعي هو القدرة على السير وتلبية احتياجات نفسه منفردا ، وكما عهدنا ونراه في الريف خارج المدن حيث يبدأ السعي من سن الثانية عشرة أو حولها ، أو ليتنا نتعلم من الغرب الذي لا نستورد منه سوى فساده ، فالغرب يخرجون أبناءهم عند سن السادسة عشرة أو الثامنة عشرة من البيوت ليعمل ويسكن وحده ويتكفل بنفسه وحياته ، وليت كل منا يتعلم كيف يتوقف للتأمل وإعادة حساباته ولو أسبوعيا ليراجع حياته ، ويقيمها ويراجع نفسه ويقومها قبل فوات الآوان ، فما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ، وصدق الله العظيم في قوله .. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ }  الحشر19 ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *