توقفنا سابقا عند أعداء النفس الثلاثة (نفسه – إبليس – فتن الدنيا) التي تحرمه من السعادة ، واستعرضنا “النفس” كأول أعداء الإنسان ، وتعرضنا لصفات النفس الفطرية ، والتي تمثل ضرورات لتنفيذ مهمة الاستخلاف على الأرض ، وعرفنا أن هذه الصفات الفطرية (الإرادة – المبادرة – المحاسبة – العزة – العلم – الإبداع – الاحتياج) ، ولكن هذه الصفات الفطرية بسلبياتها تتحول إلى أعداء للنفس ، ولذلك نسميها .. “آفات النفس السبعة” وهي { الأمر بالسوء – الفجور – اللوم – الكبر – الجهل – سوء استخدام الإبداع – الضعف (هلوعا جزوعا منوعا ) } ، وتوقفنا عند آفة النفس الخامسة .. وهي الجهل حيث ذكرنا أحد أبرز حالات الجهل ، وهي جهل النفس بحكمة ناموس الخالق في حركة حياة البشر وهي أن حقيقة الكبد هو سر سعادة الإنسان لو كان كبده مشقة فيما يصلح حال الدنيا والبشر من حوله وهو العطاء ، فالعطاء هو كبد السعادة .

وبالتالي لابد .. أن ننصح أبناءنا الصغار دوما .. ، “لو شئت أن يحفظ الله عليك صحتك فاخدم بها غيرك ، وسخرها فيما ينفع الناس ، ولو شئت أن يحفظ عليك عقلك فاحترف تعليم غيرك كل ما تعلمت” ، وتلك حقيقة يثبتها واقع الحياة ، فتجد عمال البناء والزراعة قد تعدوا سن الستين ، وبصحة جيدة أفضل من شباب تحت العشرين ، وكذلك تجد من يستخدم عقله ويعلم غيره ، يظل عقله واعيا حتى وفاته ، ولا ينزلق لتوافه الأمور وهموم المشاكل مع من حوله مثل كثير من كبار السن ، الذين توقفوا عن العمل والعطاء ، وفضلوا الراحة مكتفين من الكد والكدح ، فطبقا لناموس الخالق .. أولئك لا حاجة لهم في صحتهم ولا حاجة لهم في كمال عقولهم ، فيتحولون إلى “عواجيز” مزعجين لمن حولهم بكثرة النصائح والتنظير والمقارنات والشجار ، أو ترى منهم كثيرا من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء .

ولذلك لابد أن نتذكر دوما .. “أن الراحة هي أول الطريق للموت” ، وسعادتك في كبدك من أجل غيرك ، وهذا هو ناموس الله في خلقه ، والتفسير المتكامل لقوله تعالى .. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد4 ، ولابد أن نتذكر دوما أن الإنسان هو من يختار كبده بنواياه التي يضمرها في نفسه ، فلو كانت نواياه مستقرة عند تحمل مشقة التعب من أجل الآخرين دون انتظار الشكر والعرفان منهم ، فسوف تكون مكافأته في الدنيا أن يحفظ الله عليه ما سوف يستخدمه دون كلل أو ملل طوال حياته ، سواءا كانت صحته أو عقله أو كلاهما ، ولو كانت نواياه في البحث عن الراحة والمتعة ، والاكتفاء من التعب والكد والكدح ، فسوف يذوق كبده هما ومرضا ، وذلك هو واقع الحياة الذي نراه حيا في معاناة البشر حولنا .

وعلمنا أن الجهل يعد أكثر خطورة لو اقترن بآفة أخرى مثل ضعف الفهم (الغباء) ، ويتحول الأمر إلى كارثة على النفس لو اقترن الغباء بالكبر ، والذي يأتي نتيجة للانحراف في تربية الطفل سواء بتدليله أو القسوة عليه ، فهي حالة تراكمية تبنى بعضها على البعض كآلية دفاع نفسية لمقاومة الاعتراف بضعف الفهم أو الغباء ، فترفض النفس أي محاولة للفهم ، فيتحول الغباء إلى حماقة ، وكلنا يعلم أن “كل داء له دواء إلا الحماقة أعيت من يداويها” ، ولا يتوقف الأمر عند الجهل بمعلومة واحدة مثل الجهل بحكمة الله من خلقه البشر ، بل يتطور الأمر ليصبح مدمرا للنفس ، خاصة لو وقع الإنسان في مستنقع اتباع الأفكار المنحرفة أو المتشددة أو الليبرالية المتحررة ، فالإنسان يميل بطبعه للانحياز لفكر وعقيدة تحكم حركة حياته تحقيقا لشهوة التميز والتفرد ، وهو ما يوقع النفوس في ضلالات يجعلها مقدسة ، وما أكثر الضلالات المقدسة لدى البشر .

ولا شك أن ابن آدم منذ بداية استخلافه على الأرض وهو سريع الانزلاق في الضلالات كنتيجة أولية لدوافع نفسه الفطرية للإبداع (الإتيان بالجديد) وهي آفة النفس السادسة ، وهي فطرة سائدة لدى نفوس كل البشر ،منحها الله لابن آدم ليعمر بها الأرض ، وهي السبب الأساسي أن ابن آدم استطاع تطوير وسائل ممارسة الحياة ، فركب السيارة والطائرة والصاروخ ، وسكن في القصور وناطحات السحاب ، وامتلك الكثير من وسائل الرفاهية ، وذلك هو حسن استخدام هبة الإبداع ، لأن بها وفيها إعمار الأرض ، ولكن على الطرف الآخر يظهر دوما سوء استخدام هذه الهبة ، والتي تظهر بوضوح بين الجماعات حتى لو كانوا أطفالا ، فكل منهم يريد أن يثبت تفرده وتميزه ، ولذلك سوف تلاحظها جلية في المناقشات التي تتطور إلى جدال بين البشر ، وقد تصدر منك ، أوتسمعها من أي إنسان يريد أن يثبت لك شيئا بعينه ، خاصة عندما تتصارع النفوس رافعين شعارات “الأنا” ، وعندها تتصارع النفوس ولو كذبا وبهتانا من أجل إثبات تفردها وتميزها عن بعضها البعض .

ولا شك أنك سوف تلاحظها بوضوح عندما تناقش شيئا متعلق بالقدرات الشخصية مع أختك أو خطيبتك أو زوجتك ، فسوف تسمع منها كثيرا أنها مختلفة عن غيرها ، والحقيقة أنها محقة ، فلم يجعل الله بشرا مثل آخر مطلقا ، فلا فائدة من الجدال في هذا ، والأفضل هو سرعة الاعتراف والثناء عليها بروعة تفردها بين البشر ، لأن الأخطر .. أنك لو جادلت فسوف تضطرها أن تثبت لك هذا بأية وسيلة ، حتى لو كانت الوسيلة مدمرة للعلاقة بينكما ، فهي إن لم تجد وسيلة فسوف تسيء استخدام هبة الإبداع الربانية ، فتصبح النتائج كارثية ، وهذا ما فعله البشر عندما زوروا كل كتاب أو رسالة سماوية من ربهم عبر التاريخ ، ليثبتوا لأنفسهم أنهم متفردين وقادرين ، وهكذا خدعهم إبليس وأوقعهم في شرور قدراتهم ، وخدعهم أكثر عندما استغل شهواتهم للتميز ، فنشر العنصرية بين النفوس ، والمجتمعات والشعوب والدول والديانات ، فتربص الجميع بالجميع ليثبت أنه الأفضل ، وتآمر البعض على البعض أو البعض على الكل ، وتطور الأمر فطور ابن آدم امتلاكه لأسلحة كافية لتدمير غيره ، حتى وصل الأمر لامتلاك البشر اليوم لأسلحة دمار شامل قادرة على إفناء البشرية عشرات المرات .

ونتوقف عند سابع آفات النفس البشرية وهي (الضعف والاحتياج) ، وضعف ابن آدم يعد من أهم قوانين الخالق في خلقه لابن آدم ، فالضعف ضرورة أبدية لاستمرار التعاون بين البشر ، فالرجل في حاجة لأنثى ، والأنثى في حاجة لذكر ، فإذا التقيا استمتعا بقربهما نفسيا وجسديا ، ونتج عن لقائهما جيل جديد يكون لهما قرة أعين ، يحبونه ويعتنون به ويربونه ، فالضعف والاحتياج هو ضمان استمرار الاستقرار في حركة الاستخلاف على الأرض ، ولذلك كان الضعف والاحتياج هما ناموس الاستخلاف على الأرض ، فخلقنا سبحانه مختلفين في النفوس والأجساد والمفاهيم والقدرات ، ولكل منا نقاط ضعفه ونقاط قوته ، ليكون كل منا محتاجا لغيره دوما ، فلو كنت طبيبا عالما ، فأنت تحتاج لزوجة وأبناء ، كما تحتاج للبائع وعامل النظافة والبواب والخباز والطباخ والسائق والميكانيكي وجندي المرور ، وعامل مرفق المياه والصرف الصحي .. إلخ ، فلا تستمر الحياة إلا بتعاون الجميع .

وهكذا نكتشف حجم الجهل والحماقة في دعاء بعض الناس بقولهم .. ” اللهم لا تحوجني لأحد سواك ” ، وهي دعوة كثيرا ما يطلقها كبار السن خاصة النساء ، عندما تطلب شيئا من أحد ولا يلبيه لها ، ولو استجاب الله لدعائها لتوفاها في حينها ، لأنها دعو لله أن يميتها ولا يبقيها في الدنيا ، وتلك هي الحالة الوحيدة التي لن تحتاج فيها لأحد ، وكما تعلمنا فأن لكل شيء في الحياة حكمته وفائدته وكذلك فإن كل شيء مهما كان جميلا ومفيدا فلابد من وجود العيوب والسلبيات ، ولكن العيوب والسلبيات لا تظهر إلا عندما يحيد ابن آدم عن قوانين الخالق ، ويطلق العنان لرغباته وشهواته ، فمن الضعف يخطيء ابن آدم ويأخذ ما ليس له فيه حق ، فيسرق ويقتل ويزني ويعيث فسادا ، بحجة حاجته وضعف نفسه عن كبح جماحها ، خاصة لو اقترن الضعف بفتن الدنيا من حوله وما أكثرها ، ولا سيما لو أصبحت النفس أسيرة لدى قرينها الشيطاني “وسواسها الخناس” ، تصدق كل ما يقوله ويوسوس لها به ، بل كثير من الناس يصل درجة خضوعه لوسواسه الخناس أنه لا يشعر بوجوده ، ويظن أن كل ما يخطر في نفسه وعقله هو من ذكاءه وفطنته وفهمه .

ولا شك أن منظومة الضعف والاحتياج النفسية كناموس رباني ، لابد وأن تقترن في النفوس بيقين وثقة في الله وقيوميته ، وإلا سوف تصبح النفسة “هلوعة وجزوعة ومنوعة” خاصة عندما تتعرض لمصاعب الدنيا ، والثقة في قيومية الله في أبسط معانيها هي ثقة النفس في أن الله لا يأتي إلا بكل الخير ، وأن المصاعب في الدنيا تأتي ومعها التيسير ، تنفيذا لوعد الله الكريم في قوله تعالى .. “إن مع العسر يسر ، إن مع العسر يسرا” ، وإلا سوف يقع ابن آدم فيما وقع فيه إبليس ، عندما ظن أن الله يهينه بأمره تعالى له بالسجود لآدم ، واستكبر بنفسه على أمر الله فكان من الكافرين ، مثلما نسمع كثيرا من بعض الناس يعترض على مصائب الدنيا سائلا ربه لماذا أنا ؟؟ ، وماذا فعلت لأستحق هذا ؟؟ ، ونراها أيضا في الشرك بالله ، وهو ما يقع فيه كثير من الناس وهم لا يعلمون ، مثلما تقول لبشر لا تخشى “فلانا” فالأمر بيد الله ، فيقول لك .. ونعم بالله ولكن فلانا هذا يستطيع أن يفعل كذا وكذا ، وهو بذلك يساوي بين قدرة ومشيئة الخالق العظيم ، وبين بشر مثله لا يملك من أمره شيئا ، وذلك بلا شك يعتبر شركا صريحا بالله لا يقبله الله ولا يرضاه ، فيترك صاحبه لظنونه وشركه .

ولا شك .. أن صفات النفس الفطرية (الإرادة – المبادرة – المحاسبة – العزة – العلم – الإبداع – الاحتياج) هي ضرورات حتمية لتنفيذ مهمته التي خلقه الله من إجلها وهي إعمار الأرض ، وهذه الصفات أو بعضها عادة ما يسيء استخدامها فتتحول إلى آفات {الأمر بالسوء – الفجور – اللوم – الكبر – الجهل – سوء استخدام الإبداع – الضعف (هلوعا جزوعا منوعا )} فتصبح عيوبا تتضافر وتؤثر سلبا في حركة حياة الإنسان ومن حوله ، وكلما ازدادت سلبيات هذه الصفات كلما ازدادت مشاكل ومصاعب النفس في حركة حياتها ، ولكن هناك آفات بعينها لو تمكنت من النفس وتضافرت مع غيرها من الآفات فسوف تدمر النفس وتحيل حياتها لجحيم ، مثل “الفجور” ، و “الجهل” ، و “الكبر” ، وما أخطر الجهل على حياة البشر ، خاصة لو اقترن بالكبر ، وصادفهم في النفس ضعفا بشهوات تثيرها فتن الدنيا ، فيصبح الأمر كارثيا فينتشر الانحراف ومتع الشهوات في المجتمع حتى يصبح عادة يدافع عنها المفسدون والمستمتعون بالفساد ، تماما مثلما انتشر في المجتمعات المسلمة ملابس النساء والفتيات الضيقة والمبرزة لجميع مفاتن الجسد ، فاحتل انشغال النفوس بممارسة الجنس والفجور مكانا كبيرا في عقول وقلوب كثيرا من البشر ، وهو ما يفسد النفوس ويشغلها عن التركيز في إعمار دنياهم وتطويرها ، بل ويتسبب في كثير من المشاكل والجرائم الاجتماعية ، ورغم أن الجميع يعرف ذلك جيدا ، ويعلم أن هذا السلوك يعد إفسادا اجتماعيا بعيدا عن قواعد الدين ، إلا أن الجهل تضافر في بلاد المتدينين مع تشدقات وأكاذيب الدين ، فتفشى بينهم العري باسم التطور ومواكبة الموضة ، خاصة لو وجد هذا السلوك مدافعين ممولين أو جهلاء أو مستمتعين بالفساد ، رغم علمنا أن جميع دول العالم بلا استثناء تمنع وتجرم الملابس العارية والضيقة والمثيرة في أماكن العمل الرسمية ، لتأثيراته السلبية على إنتاجية العمل والأخلاق والتعاملات داخل المؤسسات .

ولا عجب أن نجد كثيرا من المتناقضات في سلوك البشر ، كنتيجة مباشرة لانعدام استخدام العقل ومقاومة استخدامه وسيطرة الآفات النفسية ، فمثلا .. تفشت الرشوة وخطف الفرص واغتصاب حق الغير بالواسطة أو بالرشوة ، ورغم أن الجميع يشكو ويجرم ويسب كل من يفعل هذا ، إلا أن الغالبية تفعله بلا أدنى وجل ، لو تعلق الأمر بمصالحها وشهواتها ، وأبسط من هذا ، ففي بلاد الغرب وكثير من دول العالم ، لن تجد الماء متاحا في دورة المياه للتشطيف والنظافة الشخصية بعد قضاء الحاجة ، مما يجعلك واثقا أن غالبية من سوف تقابلهم يتمتعون بقدر كبير من القذارة الداخلية ، ولا عجب أن تعرف أن أغنى الأطباء لديهم هم أطباء تخصصات القولون والمسالك البولية والجلدية والتناسلية ، وأن معظم المرضى ينتهي بهم تطورات القذارة بتفاقم المرض وتحوله للسرطانات في هذه المناطق تحديدا ، ورغم أن الوقاية بسيطة باستخدام الماء للنظافة ، إلا أنهم يحرمون استخدام الماء اعتقادا منهم أنه يجلب عليهم الشياطين ، ثم أن في ذلك مخالفة المسلمين الذين يحرصون على استخدام الماء في النظافة الشخصية ، فهو حفاظا على تراث الأجداد من القذارة التاريخية ، حيث كانوا يتباهون في تاريخهم بأن الملكة “ماري أنطوانيت” ظلت أربعين سنة دون استحمام ، ولم ينتشر الاستحمام بينهم إلا عندما غزاهم المسلمين واحتلوهم لقرون طويلة .

اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
