بين العلم .. والخزعبلات ؟؟؟ … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
18 يونيو، 2022
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, شئون, متنوعات
658 زيارة

لاشك أن هناك فجوة هائلة في عقل الإنسان وفهمه ، بين معطيات العلم والحقائق العلمية التي تتكشف كل يوم وما بين معتقدات وخزعبلات الغيبيات عن حواسه الخمسة (السمع والبصر والشم والتذوق واللمس) ، ولذلك جعل الإنسان كثيرا من هذه الغيبيات مقدسات مسلم بها ليريح عقله ، ثم جعل بعضها جزءا من الدين بكل قدسياته ، رغم أن حقيقة الدين .. من واقع القرآن العظيم بريء تماما من كل الخزعبلات والضلالات ، بل إن القرآن العظيم هو خلاصة كل العلوم البحتة التي تحكم حركة الحياة في الكون بمنتهى الدقة والانتظام .

فمثلا لو سألك شخص عن حالك ، فربما تخشى أن تقول له الحقيقة لأي سبب ، فتدعي بعضا من المشاكل الصحية أو الاجتماعية وربما النفسية ، وعجبا .. فكل ما ادعيته كذبا سرعان ما سوف تجدك بالفعل تعاني منه ، حتى توارث الناس مقولة (اللي يخاف من العفريت يطلعله) ، ولذلك ينصحك رجال الدين والدعاة أن تقول الحقيقة ، ويقولون لك كثيرا من آيات وأحاديث تحثك دوما على حمد الله على كل حال ، وذكر نعمة الله والاستبشار بالخير ، مثل قول الله تعالى .. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ }الضحى11 ، وقول رسوله الكريم { استبشروا بالخير تجدوه} ، وتتطابق هنا نصائح الدين مع الواقع ، فكلما ادعيت شيئا تجده يصبح حقيقة خيرا أو شرا ، فهل هذا مجرد صدفة ، أم قوة غيبية خارقة مسخرة لتحقيق ما تدعيه بلسانك ؟؟؟ .

الحقيقة العلمية المؤكدة أن كل ما يحدث ما بين ما ينطق به لسانك ، وبين ما يحدث بعدها ، هو ترتيب منطقي ونتيجة علمية بحتة مطابقة لحقائق العلم ، بعيدا عن الخزعبلات والشعوذة والقوى الخارقة ، وتعالوا نتفق مبدئيا .. أنه لايوجد بشر كان له حرية الاختيار في والديه ولا نوعه (ذكرا أو أنثى) ، ولا معالم جسده ، ولا موعد ميلاده ، ولا بيئته ولا ظروف حياته ، ولا دينه ، ولا رزقه ولا هبات الله له ، ولا موعد وفاته ، بل كلها معطيات مفروضة من الخالق العظيم على الإنسان ، ومن إعجاز الله أن معطيات كل إنسان تتناسب وتتوافق معه بدقة متناهية وتلك حقيقة مثبتة وواضحة لمن وهبه الله الحكمة ، ولكن رغم كل الاختلافات والتباينات بين البشر ، إلا أنهم جميعا يشتركون في نفس الصفات الفطرية والنوازع والدوافع ، وبالتالي يعانون من نفس المتاعب والمشقة ، باختلاف قدورها وتوقيتاتها ، ولا عجب فكل البشر .. هم من أصل واحد ، ومردهم لأصلهم الواحد (نفس واحدة) ، وبالتالي فقمة الغباء والحماقة هي في التعصب الأعمي لأي من معطيات الله لبني آدم ، كالجنس أو العرق أو مسمى دين أو قومية أو رزق أو ولد أو أهل أو مجتمع ، فكلها معطيات لا خيار لبني آدم فيها ، ويصبح الأولى هو التفرغ لفهم وإدراك الحقائق المثبتة بالبراهين والأدلة العلمية الحقيقية التي لا تقبل الجدال ، وبالتالي لابد أن نتوقف عند مفاهيم أساسية زورها ابن آدم واتخذ منها ضلالات مقدسة كانت سببا في كل تخلف ودمار لبني جنسه .

أولا .. لا جدال .. أن الإنسان هو أحد إبداعات خلق الله في الكون ، وهو سبحانه وحده الذي يعلم حقائق خلق الإنسان ، ولا جدال أنه لفهم الحقائق لابد وأن نتعامل مع طبيعة تركيب الإنسان كما خلقه الله سبحانه وتعالى .. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 ، خاصة وأن تطور العلم عبر التاريخ أثبت أنه من الغباء سؤال الإنسان عن حقيقة تركيبه وتفاعلاته وردود أفعاله ، فالإنسان مهما أوتي من العلم فهو قليل ومحدود ، بل ويقف عاجزا أمام أكثر من 90% مما يحدث له ويواجهه في حياته ، فالأطباء مع احترامنا الكبير لهم ، لا يعرفون بدقة حقائق ما يحدث داخل جسد الإنسان مهما كان لديهم من وسائل للكشف والتحاليل والتصوير بمختلف الوسائل لجسد الإنسان ، وتوافر المعرفة بكثير من أجهزة الجسم ووظائفها وتفاعلاتها وأمراضها ، ولكنه في الحقيقة نقطة من بحر ، وذلك لأسباب كثيرة ، أولا .. أننا نتعامل مع الإنسان على أنه مجرد جسد يتكون من أجهزة بديعة التركيب والوظائف ، ويتجاهلون تماما أن الإنسان هو مجرد “نفس” ، تسكن جسدا وتتحكم فيه ، ويتأثر بها الجسد بنسبة 100% طبقا لحالة النفس ومتاعبها وأمراضها وتفاعلاتها .

ثانيا .. علماء وجهابزة الطب النفسي يبنون فهمهم للنفس البشرية على نظريات البشر ، المبنية أساسا على تجارب بعض الأطباء والعلماء على المختلين نفسيا أو عقليا ، والمقارنة بينهم وبين من يفترضون أنهم أصحاء ، ويتجاهلون تماما أكثر من (400) آية قرآنية ، يفصل فيها الخالق العظيم خلقه للنفس البشرية وحالاتها وأمراضها وعلاجها ، وقد حدث هذا لأن المسلمين (أصحاب الكتاب الخاتم) هجروا آيات العلوم في قرآنهم العظيم ، واكتفوا بادعائهم زورا أن علوم الدين هي فقط في آيات علوم الفروض والحدود والعاملات (علم الفقه) فألفوا فيه ملايين الكتب والدراسات والتفسيرات ، رغم أن آيات الفقه لا تزيد عن مائة وتسعون آية بنسبة أقل من 3% من كتاب الله ، بينما هجروا ما يزيد عن عشرة أضعاف هذه الآيات في خلق النفس والإنسان ، وتشتتوا وانحرفوا بمفاهيمهم فصدقوا البشر وكذبوا خالقهم ، رغم أن المسلمين دوما يتباهون بوجود علوم الخلق والعلوم البحتة في كتابهم ، خاصة كلما اكتشف العلماء حقيقة علمية أو كونية ، ولكنهم أبدا لا يسمحون ولا يتجرأون على دراسة آيات العلوم هذه ، وبل ويعتبرون من يحاول ذلك فاسقا وزنديقا (في قلوبهم زيغ) ، كما ورثوا ونقلوا عن علماءهم أولين ، وكان هذا نتاج مباشر للتزوير الأكبر في مفاهيم القرآن ، والتي خضع لها المسلمون وسلموا بها قرونا طويلة وصدقوا أن تفاسير الأقدمين هي قمة الفهم والعلم ، ولا يجوز تغييرها أو مناقشتها حتى لو كانت هراءا وخطئا واضحا لا يتناسب مع مفاهيم العصر الحالي وارتفاع قدرات الفهم والإدراك للبشر ، حتى أصبحت تفاسيرهم ومفاهيمهم الساذجة والفاشلة في الإقناع هي مقدسات مسلم بها ، ومن يقترب منها يواجه اتهامات بالزندقة والفسق وهدم الدين ، وذلك من جميع كهنة الدين ووكلاء الله على الأرض كما يدعون ، وكل هذا يتم برعاية وتشجيع وإيعاز وتحريض من خدام الماسونية الذين تعمدوا تضليل المفاهيم للسيطرة على المسلمين وتحويلهم لدروايش لا قيمة لهم .

ثالثا .. أن علماء وجهابزة الطب البشري لم يصلوا لجميع حقائق عمل أجهزة الجسد خاصة التوافقات الدقيقة للأجهزة مع بعضها البعض ، بل ويقفون عاجزين عن فهم كثير من أفعال وردود أفعال الجسد البشري ، ولذلك يقوم الطب على نظريات الاحتمالات الأكثر شيوعا ، خاصة لو كان الطبيب ممن يحفظون ولا يفهمون حقيقة ديناميكية جسد الإنسان ودقة أدائه ، ولا أعني هنا التخمين المبني على التخيلات ولكنه أعمق من هذا بكثير ، ولذلك سوف تجد طبيبا يصف لك العديد من الأدوية لحالة مرضية معينة ، بينما طبيب آخر سوف يصف مجرد مسكنا مؤقتا لآلامك مع توصية بتغيير مواعيد نومك واستيقاظك فقط ، أو شرب كوب من الماء قبل النوم وعند الاستيقاظ ، فتستجيب حالتك المرضية أسرع لعلاج الأخير ، وربما لا يشفى مرضك أو تصاب بأمراض جديدة مع صاحب الروشتة المعقدة كثيرة الأدوية .

رابعا .. سيطرة اللغة الإنجليزية على المفردات العلمة والطبية منذ قرون طويلة ، وميول الغالبية العظمى من الأطباء خاصة المسلمين لاستخدام المصطلحات الأجنبية في فهم وشرح وعلاج الأمراض ، وهذا أحد أهم أسباب تعرقل الطب وتقدمه في العالم عامة وبين المسلمين على وجه الخصوص ، وذلك لأن الخالق العظيم أنزل علومه بلغة عربية مفصلة ودقيقة وتحمل قدرات بيان وتفصيل وتدقيق توازي أضعاف أية لغة أخرى ، ولو اهتم الأطباء والعلماء بلغة القرآن لاختلفت قدراتهم ومفاهيمهم عن طبيعة جسد الإنسان ، وهذا ما يؤكد أسرار اهتمام دولا أوروبية وغربية بإنشاء مراكزا لدراسة علوم القرآن ، بعد اكتشافهم حقيقة صدق آيات العلم في هذا الكتاب العظيم ، ووضوح عجز اللغة الإنجليزية عن الإحاطة بكل أنواع وتفاصيل العلوم البحتة التي بنى الله على أساسها مخلوقاته في كونه .

خامسا .. تزوير مفهوم الدين نفسه لدى معظم البشر ، فبرغم أن الله واحد أحد ، والبشر جنس واحد ، على أرض واحدة ، ودين الله للبشر واحد لا اختلاف فيه ، ولكن البشر بتعصبهم وغطرسة (الأنا) في نفوسهم ، وبسوء استخدامهم لصفة الإبداع (الإتيان بالجديد) ، قاموا عبر التاريخ بتفريق شملهم لقوميات وأعراق ومذاهب ثم أديان ، ولم يكتفوا بهذا بل قاموا جميعا بحصر الدين عمدا في بعض مناسك الخضوع لله ، والتي فرضها الله من أجل تحقيق استقامة مفاهيم النفس في ممارستها لحركة الحياة ، فالمناسك هي إجراءات ومراسم الخضوع لله والغرض منها هو الحفاظ على الاستقامة ، ولكن كالعادة طمس المزورون (يهود الماسونية) عبر التاريخ البشري كل رسالة سماوية أنزلت للبشر ، وعندما فشلوافي تزويرالقرآن العظيم ، زوروامفاهيمه الأساسية ، وأولها .. حصر معنى الدين في مناسك ومراسم ومظاهر وحركات لا علاقة لها بحركة الحياة ، فتحول الدين لمظاهر ومناسبات كالميلاد والزواج والوفاة ، وبعض المناسبات التي طمسوا معالمها بهدف الانحراف عن الغرض منها ، فمثلا .. شهر الصيام .. الذي تحول لشهر استهلاكي وولائم ودراما ومسلسلات عري وجرائم وفضائح بغرض التسلية ، فسقط الهدف من رمضان ، وعلى الطرف الآخر .. تجد تجار الدين حولوا شهر رمضان لزمن توقف فيه حركة الحياة وتشدد فيه المناسك بصلوات القيام والتهجد والتي لم يفعلها رسول الله ، ثم اعتكاف طوال الليل ، يؤدي للانقطاع عن العمل والكسل وتعطيل لحركة الحياة باسم الدين ، فتم طمس معان الدين ومناسكه لدى الجميع دون استثناء .

سادسا .. ومن تزوير مفهوم الدين صدروا لنا أهم وأخطر وأكبر تزوير لمفهوم رئيسي في الدين ، وهو مفهوم العبادة ، وأجبرونا على حفظ مقولة “أن العبادة هي فعل “التعبد” لله بالمناسك والفروض” ، وذلك بتسمية هذه المناسك كذبا بالعبادات ، وهو مفهوم كاذب ومزور ومضلل ، لسببين رئيسيين ، الأول .. أن مالك الملك الخالق العظيم لم يسمي الفروض والمناسك (الصلاة – الزكاة – الصيام – الحج – ذكر الله) بالعبادات مطلقا ، بل سماها بالمناسك وقال سبحانه وتعالى .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ … }الحج67 ، ونفى سبحانه وتعالى أن يكون الدين هو الصلاة والزكاة والمناسك في قوله تعالى .. {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5 ، فإخلاصك للدين لله هو تحديدا (استقامتك في حركة حياتك خوفا من الله وتوقيرا له سبحانه ) ، ومن أجل الحفاظ على استقامتك فلابد أن تقيم الصلاة والزكاة وباقي المناسك لتضمن دوام هذه الاستقامة .

والثاني أن العبادة .. هي تنفيذ المهمة التي خلقنا الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخلفاء عليها “هو أنشأكم منها واستعمركم فيها” ، أي كلفكم بمهمة إعمارها ، ولذلك ينادي الله عباده الكفرة يوم القيامة بقوله عبادي .. ” {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17، ولذلك من يتقن إعمار الأرض يجعله الله سيدا عليها ، ولذلك أيضا أهان الله المسلمين في الأرض عندما زوروا دينه وادعوا كذبا أن العبادة هب في أداء مناسك وفروض ونوافل وادعاء التقرب إلى الله ، وأهملوا إعمار الدنيا بالعلوم البحتة التي أنزلها الله لهم في أكثر من نصف آيات القرآن العظيم ، وسوف يستبدلهم الله بغيرهم .. { .. وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }محمد38 ، وليس على الله بعزيز حتى ولو البشر جميعا .. {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }الأنعام133 .

ولا شك أنه قد مر علينا .. كلمات مثل .. {مثقال ذرة – نقير – فتيل – قطمير } ، مثل قوله تعالة .. { ..عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } سبأ3 ، وقوله تعالى .. { .. وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً }النساء124 ، وقوله تعالى .. { .. وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً }الإسراء71 ، وقوله تعالى .. { .. ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ }فاطر13 ، ، ، وسامح الله مفسرينا الذين أقنعونا طويلا أن الفتيل والنقير والقطمير هي مكونات للقشرة الشفافة التي تغطي نواة التمر الداخلية ، لنكتشف بعد أربعة عشرة قرنا من الزمان ، أن الذرة هي أصغر مكون لخلايا جميع مخلوقات الدنيا ، وأن لهذا المكون وزنا يميزه ، فهو باختصار وإعجاز يسميه سبحانه (مثقال ذرة) ، ثم ذكر سبحانه النقير ، أو يسميه العلماء بـ (الكوارك) وهو أصغر من الذرة بمائة ألف مرة ، ويوجد هذا الكوارك داخل الفوتون الضوئي في نواة الذرة ، وله حركة نقر مستمرة لا تتوقف ، ثم يذكر سبحانه الفتيل ، ويكتشف العلماء أن (الكوارك) عبارة عن كرة مفرغة بداخلها مائة ألف خيط من خيوط الطاقة التي تسمى (فتيل) ، وبذلك يقول لنا سبحانه أنه لا يظلم ما قدره مائة مليون جزء من الذرة .

وناهينا عن دقة وصف الله لمكونات مخلوقاته الدقيقة ، فالأهم هنا هو حركة هذه المكونات وتفاعلاتها المترتبة على بعضها نتيجة حكة حياة المخلوقات ، فالكلمة تقولها لا تنتهي أو تتلاشى في الهواء ، بل تظل تتردد إلى ما لا نهاية ، ونتيجة لترددها تحدث أشياء لا تراها العيون ولا تدركها الحواس الخمسة ، فمثلما تنثر عطرا أو رائحة معينة فتنتشر فتدركها بحاسة الشم في منطاق أخرى بعيدة عن مكان إطلاقها ، كذلك الكلمة تقولها ، فتصنع مجالا أليكترونيا حولك تنجذب إليه كل الأليكترونات والفوتونات الحرة المشابهة لكلماتك ، والتي تحمل نفس القدر والنوع من فوتونات الطاقة في الكون حولك ، فكلامك قد صنع مهبطا ومحطة استقبال قوية ومفتوحة لكلمات وأحداث تحمل نفس طاقات وترددات كلماتك التي تلقيها وأنت لا تدري ، فقولك كلاما جميلا مبهجا ، سوف يكون نتيجته استقبالك لكل ما هو مبهج ومفرح ، والعكس صحيح ، فكل كلمة سيئة أو تشاؤم وإحباط يصدر من لسانك ، فسوف يصنع محطة استقبال قوية لكل ما هو سيء ومحبط ومحزن لك ، وليس هذا تخيلا بل هو العلم البحت ، الذي أشار له سبحانه منذ ألف وأربعمائة عام ، ولعلمه أن البشر ليسوا مستعدين للفهم الدقيق في حينه ، ساق سبحانه على لسان رسوله خلاصة الأمر بأوامر ونصائح ووصايا ، بالاستبشار وعدم النطق إلا بما هو جميل وطيب وخير ، ونهانا عن قول السوء وتخيل السوء والتشاؤم ، ونهانا عن تصديق الوسواس الخناس الذي يوسوس بكل ما هو شر ومحزن .

ولذلك يعد المثل (اللي يخاف من العفريت يطلعله) مثالا صادقا علميا ، ووصية رسول الله (استبشروا بالخير تجدوه) هي وصية دقيقة علميا ، ووصيته لنا بألا نتحدث مع بشر بأي رؤية أو حلم سيء هي وصية في منتهى الدقة العلمية ، وأمره لنا (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) هو أمر دقيق علميا ، فحديثك عن الشرور والحوادث ومساويء وفضائح الناس ، سوف يفتح عليك أبوابا لهذه المساويء ، وسوف يجعل منك محطة استقبال للحوادث المشابهة ، ولذلك كان أمره سبحانه وتعالى .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }الأحزاب71 ، فالقول يصلح مجالات النفس فلا يأتيها ولا تستقبل إلا كل خير ، يصلح به العمل ويغفر به الذنوب ، وبالطبع ..لا يقدم اللسان على القول إلا بناء على نوايا وخبايا نفس الإنسان ، ولذلك يقول سبحانه .. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، حيث لا تملك النفس إلا النوايا ، ولذلك يقول صلوات الله وسلامه عليه .. { إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى } ، فالنوايا هي التي تفتح محطات الإرسال والاستقبال لنوعيات القول والفعل التي تهواها النفوس وتتوق إليها .

أخيرا .. تلك كانت لمحة علمية بحتة ، اكتشفها العلماء حديثا ، ويستخدمونها اليوم للسيطرة على البشر ، وتعد المخدرات الرقمية من أشهر استخداماتها السيئة ، ولمن لا يعرف فالمخدرات الرقمية عبارة عن تحميل ترددات معينة خارج حدود ما تدركه الأذن البشرية ترددات ، وهذه الترددات تتسلل إلى مراكز محددة في المخ ، فتسبب فيها خللا وظيفيا ، فقد تؤدي حسب تصميمها والغرض منها إلى فقدان السيطرة النفسية (كتأثير المخدرات تماما) ، مع بعض الهلاوس السمعية والبصرية ، وتلك هي أبسط أنواع استخداماتها ، والتي تتجاوز ذلك للسيطرة على عقول البشر وأجسادهم ، وهو ما يتم بصورة أخطر من خلال برامج وسائل الإعلام الدرامية والترفيهية سواء على الفضائيات أو عبر المحمول والتابلت والحواسب خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتيك توك واليوتيوب والألعاب المحملة أو أونلاين ، وبرامج ونوافذ المسابقات والجنس والشهوات والرغبات المحمومة وغيرها من التطبيقات الجذابة للشباب والصغار والكبار ، وهو يسمونه بحروب الجيل الخامس ، بتدمير الشعوب من داخلها وبأيديها ، بإطلاق العنان للشهوات بقول وفعل ما يخطر على البال ، كنوع من الحرية والتمتع بالحياة ، كنتيجة مباشرة للفهم الخاطيء للمهمة التي خلقنا الله من أجلها ، وحقيقة السعادة ونكيف نصل إليها في ظل ناموس الخالق في كونه .

ولا حماية من هذه الحروب إلا بالاستقامة ، وتجنب الحديث عن كل ما هو سيء أو مخل ، والإلتزام الجاد بحوافظ الاستقامة (المناسك والفروض) ، ولكن دون مغالاة وتشدد بحجة تعويض ما فات ، فالتوبة تجب ما قبلها ، أي تلغيه وكأنك قد ولدت من جديد ، لأن التشدد والمغالاة والدروشة أخطر على الإنسان من التسيب والانحراف ، لأنه يصل بها للشرك بالله ، وهو يظن أنه يقترب من الله ، وهو ما نراه متفشيا بين تجار الدين وبين البسطاء في الريف والمدن وفي كل مكان على وجه الأرض ، وأبسطها .. أن تجد من ترتدي النقاب ، وتقول لك أنها تعلم أنه ليس فرضا ولكنه تفضلا ، فهل تتفضلين على الله ، أم تزايدين على الله ، فإذا كان الله يكره منك التفريط ، فالله أشد كرها وسخطا على من يشدد في أوامره وفروضه ، لأن هذا يؤدي بالنفس للشرك والكفر ، ولا يقع في هذا إلا من سقط أسيرا لإبليس (وسوساه الخناس الذي يدفعه لذلك دفعا) ، وكأنها لم تسمع قول الله تعالى .. {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }الحجرات16 ، وربما لا تدري المصرة على النقاب أنها بذلك قد أشركت بالله قطعا ، لأنها اتخذت هوى نفسها شريكا لله فيما أمر به وقضاه ، وتظن أنها تحسن صنعا ، وأن لها على الله حجة وتفضلا بأنها فعلت ما لم يفعله بشرا غيرها ، حمانا الله ورعانا وسدد خطانا ، وعصمنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، وهدانا سبحانه لما يحبه ويرضاه ..
جمال عمر