المكتوب .. ما بين الأرزاق والهبات (2) …. بقلم : جمال عمر

من أجل معرفة الفرق الحقيقي ما بين الأرزاق والهبات ، استعرضنا سابقا حقيقة استخلاف الله لبني آدم على الأرض كآخر سلالات الإنس ، وتعرضنا لما أسميناه الميراث النفسي التاريخي للبشر ، وعرفنا كيف تدرج سبحانه في فرض التكليفات على البشر تبعا لتراكم الخبرات الإنسانية ، والتي سمحت للميراث النفسي أن يكتمل ، ويصل لمرحلة الرشد البشري ، وذلك على عهد خاتم الأنبياء والمرسلين ، فأنزل سبحانه دستوره الكامل والأخير للبشر ، “ليكون للعالمين نذيرا” ، وكذلك “هدى للناس وبينات من الهدى ةالفرقان” ، وعرفنا أن الله يعيد إنشاء النفوس في الحياة مرات ومرات ليمنحها الفرصة كاملة لتثبت حقيقتها من خلال حيوات مختلفة بمعطيات مختلفة ، فيكون حسابه يوم القيامة هو محصلة موازينه عن حيواته المختلفة .

 

وعرفنا أن بعض النفوس لا تكمل رحلة الاختبارات المتكررة مثل باقي البشر ، وذلك عندما يحققوا الامتياز في حياة اخيرة ، فيقبله الله ضمن الفئة المميزة والتي يسميها سبحانه وتعالى بت “السابقون” والذين يقول فيهم سبحانه في الواقعة .. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ{10} أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ{11} ، وهم انواع اربعة .. الأنبياء والصالحين والصديقين والشهداء ، وهم من يضحون بنفوسهم وحياتهم في الدنيا في سبيل الله ، وهؤلاء قد ارتقوا عن مستوى الاختبارات بالحياة في الدنيا ، فيقربهم الله ، فهم لا يعودون للدنيا للاختبار ، ولكنهم يعودون ليستمتعوا بالدنيا ، ويؤدون مهام بين البشر مثل مهام الملائكة ، يمنحهم الله هدايا ثلاثة محددة يذكرها في الواقعة ايضا .. فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ{88} فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ{89} ، فأول هدية هي “روح” ، لأن مشكلة النفس عندما يموت الجسد الذي تستخدمه هو مغادرة الروح للجسد ، والنفس لا علاقة لها بالروح ولا تستطيع السيطرة عليها ، ولذلك يمنح الله المقربين “روحا” ، يحيون بها في أي جسد يريدونه ، ولكنهم لا يعودون لأي جسد خرجوا منه مطلقا ، ولذلك يقول سبحانه عن الشهداء .. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }البقرة154 ، وكذلك يقول سبحانه وتعالى .. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169 ، وقوله تعالى (عند ربهم) معناها أنهم قد عادوا للحياة في الدنيا ويرزقون ، ولكن في أجساد جديدة ، ولكن ليست عندكم في أجسادهم التي غادروها وتعرفونهم بها ، و الأرض وما عليها كله هو عند الله .

وكان لابد وأن نتوقف قليلا عند هذا الإنسان المكلف بالاستخلاف على الأرض للاختبار عليها ، وماذا يملك حقيقة ، وهل هو مسير أم مخير ، وهي تلك المعضلة التي ما زالت محل جدال كبير بين العلماء والأجيال ، ولم يستطع أحد أن يحسمها حتى اليوم ، لأنهم فضلوا تصديق خيالاتهم عن الاهتمام بما قرره خالقهم في قرآنه العظيم ، ونفترض جدلا .. لو كان الإنسان مخيرا ؟ ، فكل إنسان يملك أن يقول ويفعل كل ما يشتهي ويتمنى ، ولو حدث هذا لتحولت الدنيا إلى غابة تعمها الفوضى والفساد بلا حدود ، ولا بقاء إلا للأقوى ، ولفسدت السماوات والأرض وهو قوله تعالى .. {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ }المؤمنون71 ، ولو كان الإنسان مسيرا وكل خطوات وهمسات وحركات حياته مكتوبة عليه أن يفعلها ، فلماذا وعلى ماذا يحاسبه ربه في الدنيا والآخرة ، تلك المعضلة التي أعجزت كل رجال الدين عبر التاريخ وحتى اليوم ، وقال أفضلهم أننا مخيرون في أمور ومسيرون في أمور أخرى ، وكأنهم لم يقرأوا قوله تعالى .. {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }الأنعام59 ، ولم يفهموا قوله تعالى .. {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }الحديد22 ، ولم يتدبروا قوله تعالى .. { .. إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق3 ، ولم يفهموا قوله تعالى .. { .. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 .

ومعنى ذلك ببساطة .. أننا مسيرون في كل حركة وسكنة ، وكل ما نقول ونفعل ، فهو مجرد “سيناريو محبوك ودقيق” ولايملك مخلوق أن يغير منه شيئا ، حتى ما نقوله ونفعله هو مكتوب علينا أن نفعله ، ولا خيرة لبشر في شيء مما يحدث في الدنيا من البشر أو غيرهم من مخلوقات الله ، بل إن الله قد أثبت هذا بقوله تعالى في مطلع سورة النحل .. {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }النحل1 ، فالله قد قضى أمره بتدبيره في كل شيء ، ثم يفصل سبحانه وتعالى ويفسر معنى هذه الآية المختصرة كما عودنا في سورة أخرى هي سورة السجدة بقوله تعالى .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، وهذا معناه أن كل ما يحدث وما يصدر من كائن أو مخلوق بما فيهم البشر على الأرض ، قد دبره وقضاه الله تعالى قبل لحظة حدوثه بخمسمائة سنة ، ولا يملك بشرا تغييره ، فمثلا .. لحظة مولد فلان على الأرض ، هي قد صدرت قدرا مكتوبا مقدرا في “الإمام المبين” ، وذلك قبل حدوثها على الأرض بخمسمائة سنة ، فالإمام المبين هو محل تدبير وتسجيل أحداث حياة البشر في السماء الدنيا ، لقوله تعالى .. {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }يس12 ، فينزل الحدث حيا (صوتا وصورة) تحمله ملائكة التبليغ عبر السماء حتى يصل إلى الأرض فيحدث ، ثم يعاد صعود الحدث (صوتا وصورة) ليعود إلى الإمام المبين ، بلاغا بتمام الحدوث وذلك في زمن رحلة كاملة (نزول ثم عروج) قدره ألف سنة مما نعد على الأرض .

ولذلك يرى كثير من الناس أحداثا في منامهم ثم يفاجئون بأنهم يرونها بعدها تحدث في الواقع تماما كما رأوها في المنام ، ولا يستطيعون تغيير شيئا منها ، وحقيقة ذلك .. أن الله قد شاء لهم أن يروا الحدث قبل حدوثه وذلك في مسار نزوله ، فلا يصدمهم الحدث عندما يقع ، وتلك رحمة من الله بخلقه ، وهذا ما تحدث عنه الجن في سورة الجن ، عن ليلة مولد خاتم المرسلين ، عندما منعوا من التصنت على ما ينزل من السماء ، حيث كان مسموحا للجن أن يتصنتوا على “خبر السماء” وهو في طريق نزوله إلى الأرض ، ثم يبلغونه للكهنة الذين كان لهم شأن عظيم بين البشر بعلمهم بما سيحدث غدا ، ولكن في ليلة مولد آخر الأنبياء والمرسلين ، أغلقت السماء وقطع خبر السماء (وهو ما قدره الله وسيحدث مستقبلا) على الأرض ، وذلك لبلوغ البشر الرشد النفسي ، بعد أكثر من خمسة آلاف سنة من بداية حياتهم على الأرض ، ، فقال الجن .. وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً{8} وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً{9} وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً{10} ، ولم يتبق بعد هذا إلا الرؤيا الصالحة ، وهي لعموم البشر ، فهي رحمة من الله بعباده جميعا ، فيريها لمن يشاء .

وهنا يلح علينا السؤال الأكبر ، إذا كان كل ما يحدث هو مكتوب علينا أن نحياه ، فعلى ماذا يحاسبنا الله تعالى ، وهنا نذكر أنفسنا وعلماءنا الكرام بقوله تعالى .. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، فكل نفس مرهونة بما تكسب ، ولكن ماذا تملك النفوس ؟؟ ، النفوس لا تملك إلا نواياها المبنية على شهواتها وظنونها وأمانيها ولا يحكمها إلا تقواها المبنية على قدور طاعتها لله ، وهو ما يقوله رسول الله .. “إنما الأعمال بالنيات ، ولكل امريء ما نوى” ، نعم مكتوب عليك مسبقا كل ما تقوله وتفعله ، ولكن أنت مسئول عن نيتك فيه ، ولا يقولن سارق أنه مكتوب علي أن أسرق ، ولكن اسأل نفسك ، كم مرة نويت السرقة ومنعك ربك ، فأنت قد عقدت النية وأصبحت أسيرها ، وأحاطت بك خطيئتك ، وعلى هذه النية تحاسب ، ولكنك لو تبت واستغفرت حتى وأنت تفعل الذنب ، لتاب عليك الله وغفر لك ، فالاستغفار إلهام من الله ، فلا ترفضه ولا تتجاهله ، ولا يصورن لك وسواسك الخناس أنه لا يجوز الاستغفار وأنت لا تقوى على ترك الخطيئة ، فالله يلهمك الاستغفار لأنه يغفر الذنوب جميعا ، وهو يتوب عليك فتتوب ، ويقبلك لو أصررت على الاستغفار ولم تستسهل الذنب ، فالنية هي محل الحساب وهي ما يسألك الله عنها ، وأبسط مثال ، أنني عندما أكتب هذا الكلام لا يعرف نيتي فيه إلا الله ، فربما كنت أريد أكتسب شهرة ، أو مالا ، وربما أريد أن أنال به منصبا أو قدرا ، وربما أقوله خالصا لوجه الله ليستفيد به غيري من بعدي ، وكلها نوايا مختلفة ، وكل نية منهم لها ميزانها المختلف وبالتالي حسابها وجزائها ثوابا أو عقابا عند الله .

ولكن ابن آدم يهوى السيطرة ، فيظن زورا وبهتانا أنه صاحب المشيئة ، ويستطيع أن يقول ويفعل ما يشاء ، ولا يدري أن الله يستخدمه كأحد أسباب حدوث ما قدره الله ، ولكن .. رحمة من الله تعالى .. أن من يحسن النوايا دوما يجري الله على يديه الخير ، ومن يسيء النوايا .. يجري الله على يديه الشر ، وحتى لا يظن ابن آدم أنه صاحب المشيئة ، فكثيرا ما ينتوي ابن آدم شيئا .. فيحدث عكس نيته ، ولا يمكنه الله من تحقيقه أبدا ، وذلك ليذكر الله ابن آدم دوما أنه وحده صاحب المشيئة ، وهو قوله تعالى .. وقوله تعالى .. { .. وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ، إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ .. } ، ولذلك لو أحسن ابن آدم نواياه ، لأجرى الله على يديه خير القول والفعل في الدنيا ، ولو أحسن الظن بالله في خلقه ودنياه لجعل الله الدنيا خيرا عليه ، حتى ولو كانت شرا على كل البشر غيره ، ولا يملك ابن آدم إحسان الظن بالله إلا لو مس اليقين بالله قلبه ، فالنفوس الضعيفة الإيمان دوما أسيرة لوسواسها الخناس ، ومهما رددت وسمعت عن اليقين والثقة في الله ، فهي دوما متعلقة بالأسباب والبشر وأفعالهم ، وكأنهم يظنون أن الناس بأفعالهم ونواياهم وشرورهم ندا لرب الأسباب ، فهم بهذه الظنون والوساوس  يسيئون الظن بالله ، ولو اعتادوا اليقين في قدرة البشر ، لسقطوا في الإشراك بالله وهو لا يدرون ، فيحق عليهم عقاب الله في الدنيا ، فلا يأتيهم إلا ما يخشونه من شر من الدنيا والناس ، ولذلك يقول سبحانه وتعالى .. {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ }الصافات87 ، ثم يقول في حديثه القدسي .. “أنا عند ظن عبدي بي ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر” .

ولأن كل ما يحدث لابن آدم مكتوب سواءا له أو عليه ، ولأن هذا المكتوب هو مجرد أسئلة اختبارات متتالية لابن آدم عبر حياته ، فلا يصح مطلقا التعلق بها أو التأثر بها لدرجة الاختيال والفخر أو الجنون أو اليأس والإحباط ، وهو ما يقوله سبحانه .. {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }الحديد23 ، فالاختيال أن تعتز وتفرخ بنفسك ، وفخور أن تحتقر غيرك مقارنة بنفسك ، فأنت وكل من تلاقيه في الدنيا “جميعكم” مجرد معطيات اختبارات للجميع في هذه الحياة ، فأبنائك اليوم هم نفوس مثلك ، وقد كان لك آلاف الأباء والأبناء من قبل ومع نفوس أخرى غيرك ، وكذلك كان لك والدين وأقارب لا تحصيهم ، وقد تلتقي النفوس ببعضها في الدنيا مرات عديدة ، ويخيل للنفوس أنها تعرف بعضها من قبل ، رغم أن صور الوجوه والأجسام لم تلتقي من قبل ، ولكنها الحقيقة أن النفوس تتعارف وتتآلف ، وتذكر ودها أو عداوتها من حيوات سابقة ، ولكنها لا تذكر أية تفاصيل ، ولذلك فيوم القيامة لن تهتم أن تسأل عن أحد ، ولا يعنيك منهم حتى القرابة والأنساب ، فيقول سبحانه وتعالى .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 .

وقوله تعالى .. “فلا أنساب بينهم” هي حقيقة مطلقة .. تحدث يوم القيامة ، لأن من مشاهد يوم القيامة الكبرى هو عودة النفوس الناقصة التي انقسمت لتصبح ناقصة تحتاج لمن يكملها كضرورات حياة على الأرض ، بقيام الساعة قد انتفت أسباب انقسامها ، وقد حان موعد عودتها لنصفها الآخر ، فتلتئم أنصاف النفوس لتصبح نفسا وحدة متكاملة ، وهو قوله تعالى .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ، وعندها تختفي الأنساب تماما ، فالأنساب والقرابات هي فقط من أساسيات معطيات الحياة الدنيا ، والتي تنتهي تماما وتنتفي أسباب بقائها بالنفخ في الصور ليوم القيامة ، فتعود النفوس لحالها قبل الاستخلاف نفسا واحدة متكاملة ، لا هي ذكر ولا هي أنثى ، وذلك تحديدا ما يوضح الوضع الحقيقي لمعضلة “الحور العين” فهي ليست للرجال الذكور دون النساء ، لأنه ما عاد بعد يوم القيامة هناك ذكورا ولا إناثا ، فحور العين يوم القيامة للنفس الكاملة (فلا ذكر ولا أنثى) .

أما قوله تعالى “ولا يتساءلون” .. فحقيقته .. أن كل نفس في حيواتها المتكررة في الدنيا ، كان لها آلاف من الوالدين والأنساب والأقارب والأبناء ، فعمن منهم سوف تسأل وهم كانوا مجرد مواد ومعطيات اختبارات ، ولا تسألن كيف سيحاسب الله النفس الكاملة ، “فلا يظلم ربك أحدا” ، بل ولا يظلم ربك مثقال ذرة .. {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }النساء40 ، فالذي خلقك وسواك واستخلفك ورعاك قادر على كل شيء وأقله حسابكم ، فلا يصح أن نقيس قدرات الله على قدراتنا ، فهو ليس كمثله شيء ، {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11، وسبحانه قد قضى بمشيئته كثيرا من المعطيات للبشر في حياتهم الدنيا ، كضرورات اختبار وتنتهي بانتهاء الدنيا ، ومنها ما هو مقدر ومكتوب لكل نفس في كل حياة من أرزاق وهبات وابتلاءات ، ولكن لنعرف الحكمة من هذه الأرزاق والهبات ، لابد وأن نتعرف جيدا على المهمة المكلف بها الإنسان على الأرض ، وهي التي خلقه الله من أجلها وأداؤها هو العبادة الحقيقية ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *