المكتوب .. ما بين الأرزاق والهبات …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
21 أكتوبر، 2021
اراء ومقالات, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, متنوعات
850 زيارة

أنا وأنت وكل البشر .. بكل ما وصلنا له من تقدم .. مجرد .. لا شيء .. ، وكلما طال بك العمر في الدنيا تكتشف ما لم يكن يخطر على بالك ، وما كنت لتفهمه ولا تتخيل حدوثه من قبل ، فكلما طال بك العمر أكثر يزداد يقينك بأن كل ما تعلمته من الدنيا مجرد لا شيء ، وهو تحديدا ما يقوله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ، { .. وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً .. }الحج5 ، ولكننا كالعادة لا ننتبه لما يقوله سبحانه إلا عندما تصدمنا الحقائق ، فنحن حقيقة لا ندرك معنى قوله تعالى .. { .. وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، فكل ما نعرفه من العلوم على الأرض حتى اليوم ، لا يزيد عن كونه قليل القليل ، كأنك تراقب مستعمرة من النمل تبني جحورها ، وهي تظن أنها قد فعلت المستحيل ، وهي لا تدري أن قليل من الماء أو صخرة صغيرة قد تحول كل هذا العالم الذي يبنونه لخراب ، وكذلك الإنسان وكل ما يصاحبه من مخلوقات تحيا على الأرض أو في جوفها ، فهم جميعا وأرضهم التي يحيون عليها لا تمثل في الكون أكثر من ذرة رمل على شاطيء بحر السديم السماوي .

ولكن هذا لا يمنع أن يشعر كل منا أن هناك معطيات في حياته لا حيلة له فيها ، فنجد مثلا من يعمل أكثر من نصف ساعات يومه بجد واجتهاد وعلم ، ولكنه لا يحصل على ما نعتقد أنه يستحقه ، فلاعب كرة مثلا ، كل عبقريته أن يجيد الجري واللعب بكرة مملوءة بالهواء ، يصل راتبه الأسبوعي إلى أكثر مما يحصله عالم وأستاذ جامعي في عمره كله ، رغم أنه حاصل على كم من الشهادات العلمية قد لا يحصيها ، ورجل غني وموفور الصحة وزوجته من جميلات المجتمع ولكنهما يفشلان في إنجاب طفل ، ويقابله فقير يكاد لا يجد قوت يومه ، ولكنه لديه من الأبناء والبنات ما لا يتذكر أسماءهم ، بل أبسط من هذا ، دوما نجد مدرسا في مراحل التعليم الأساسي مثلا ، يتحصل على الآلاف من الدروس الخصوصية أسبوعيا ، بينما يزامله مدرس آخر وربما هو أفضل منه علميا وأخلاقيا ، ولكنه لا يكاد يتحصل على ما يكفي معيشته ، وعند هذه النقطة فإننا عادة نتوقف ونقول .. أرزاق يقسمها رب خلاق .

فما هي الأرزاق ، وكيف نفرق ما بينها وبين الهبات مثلا ، وهل كل ما يأتي الإنسان في حياته هي أرزاق أم هبات ، أم يمكننا أن نختصر التعبير فنقول أنه مقدر ومكتوب ، وللخروج من هذه المتاهة ، لا يجوز أن نسأل فلاسفة البشر وحكماءهم ، فهم بشر مثلنا ، خاصة وأن الخالق العظيم قد حسم هذه المسائل بآيات القرآن العظيم ، ولكن قبل أن نتعرف على معطيات الحياة لكل إنسان ، لابد أن نتوقف ونتعرف سريعا لماذا هذه المعطيات والغرض منها ، لأن الغرض منها هو خدمة الهدف الأكبر من حياة البشر ، فمن هم البشر ولماذا جاءوا للدنيا وما هي بدايتهم ورحلتهم للنهاية ، وكيف يصفها الخلاق العليم ، ومن نسأل سواه .. { .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122 ، ومن يحدثنا عن البشر { .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً }النساء87 ، خاصة وأنه سبحانه قد شرح كل هذا في القرآن العظيم الذي هجرناه بإغلاق أبواب الفهم والتدبر فيه ، بأيدي المجرمين المتآمرين ، وتورط الجهلاء الذين جعلوا كل آيات القرآن متشابهات لا يجوز الاقتراب منها ، واكتفينا يآيات الفرقان والتي نسميها الفقه ومعها آيات القصص والعبرة ، واعتبرناها هي كل علوم الدين ، متجاهلين أكثر من نصف كتاب الله ، والتي سماها سبحانه “القرآن العظيم” .

خلق الله بني آدم ليكونوا آخر سلالات البشر (أصحاب البشرة) ، والذين هم أحد سلالات الإنس المستخلفين على الأرض بديلا للجن ، فسبحانه يشير لهذا بقوله تعالى .. {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }الأنعام133 ، فتاريخ الاستخلاف على الأرض طويلا ، ومن سبقنا من سلالات مختلفة ، ولكنهم فسدوا وفسقوا وسفكوا الدماء فاستبدلهم سبحانه وتعالى بخلق آخر وسلالات متعاقبة ، وهو ما قالته الملائكة لله تعالى .. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30 ، فالملائكة قد شهدوا ما فعله المستخلفون قبل ابن آدم ، ولكن سبحانه هو علام الغيوب .. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14، جاء ببني آدم كمستخلفين على الأرض ليعمروها بالعلم والعمل والكد والكدح .

وقد أعطى الله بني آدم الفرصة الزمنية كاملة ليصلوا إلى الرشد الكامل قبل أن يكلفهم بكامل تكليفاته وأوامره بكتابه العزيز على يد آخر رسله ، فقد بدأت حياة بني آدم على الأرض بطفولة بشرية ، فقد كانوا حديثي عهد بالحياة فكانوا غلفا خشنين سذج ومحدودي الإدراك النفسي ، وكذلك القدرات العقلية والمادية ، فتدرج الله معهم في التكليف بداية من توحيد الله وحده وعدم الشرك به ، أو عبادة غيره معه ، مع كثير المعجزات والخوارق التي تهذب النفوس ، وتذكر ابن آدم أن له إله قادر على كل شيء ، وكذلك مع كثير من السماحيات في حدود هي محرمة علينا اليوم ، مثل زواج الأخ من أخته والتي كانت سارية حتى عهد نبي الله إبراهيم بعد حوالي ثلاثة آلاف سنة من استخلاف بني آدم ، وكذلك لم يجرم القتل إلا على عهد بني إسرائيل بعد حوالي اربعة آلاف سنة من عمر بني آدم على الأرض ، ولم يحرم زواج العمة والخالة إلا على عهد نبي الله عيسى ، ولم يكتمل التكليف وتحريم كافة المحرمات التي نعرفها اليوم إلا على عهد خاتم الرسل محمد (صلوات ربي وسلامه عليه) ، وذلك عندما اكتمل الميراث النفسي التاريخي للبشر ، فتهذبت نفوسهم وأصبحوا مستعدين لاستقبال كامل التكليف .

ومن إعجاز الله في خلقه هو تكرار الحياة للنفوس بمعطيات مختلفة في كل مرة ، وفي كل مرة يخلق الله جسدا مختلفا بمعطيات مختلفة لكل نفس ليعيدها للحياة من خلاله ، في اختبار جديد في كل معطياته ، حتى يعطي الفرصة كاملة للنفوس في اختباراتها المتكررة ، وشاء الله أن تفقد النفس ذاكرتها عن حيواتها السابقة بمجرد إنشائها في أي جسد جديد ، وتلك أهم أساسيات العدل في الاختبارات ، حتى لا تكون النفس متأثرة بتجارب سابقة ، وهو قوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، حتى لا يكون لابن آدم على الله حجة ، أنه لم يخلقه كافرا فيؤمن أو مؤمن فيحسن أو ذكرا فيجيد أو أنثى فتتقن أو قويا أو غنيا ، ولذلك شاء الله أن تختبر كل نفس في كل معطيات الحياة ، وتلك أسس القسط (تحري العدل) في اختبارات النفوس في الدنيا ، فإذا انتهت رحلة حيواته وجاء يوم القيامة وجد تسجيلا كاملا لحيواته السابقة في كتابه ، {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، وكل حياة عاشتها النفس ولها صفحة في كتابها الذي يسجل كل كبيرة و صغيرة ، كما يقول عنه المجرمون يوم القيامة .. {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً }الكهف49 ، وهو ما جاء لسان نبي الله موسى عندما سأله فرعون عن القرون الأولى .. {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى }طه52 ، ويضم كتاب كل نفس موازين حيواته التي عاشها ، ولكل حياة ميزانها الخاص ، كما يقوله سبحانه في الأعراف والقارعة ثم في المؤمنون {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ }المؤمنون102 ، 103 ،.

وعجبا أننا لم ننتبه إلى لومه سبحانه لنا على ظنوننا بأنها حياة لمرة واحدة لا تكرار لها .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، وبالطبع للبشر حق أن يختلط الأمر عليهم ويظنون أنهم يحيون مرة واحدة ، فالله يقول للذين يريدون العودة للحياة في كتابه العزيز .. {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }المؤمنون99 ، 100 ، والحقيقة والمراد من هذه الآية .. أن فلان بن فلان بمعطياته التي عاش بها لن يعود مرة أخرى ، فهو اختبار قد مضى وقته وانتهى ، ولكن هذا لا يمنع أن يعود في اختبار جديد بمعطيات مختلفة تماما ، فقد يعود الرجل في جسد أنثى بملة مختلفة ومعطيات حياة مختلفة وذلك تبعا لنتائج اختباراته السابقة وديونه التي اكتسبها منها ، ولذلك يضع سبحانه شروطا لعودة الإنسان لسداد ديون عليه في الواقعة بقوله تعالى .. فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ{86} تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{87} ، فلابد أن يكون صادقا عندما يسئل عن ديونه حتى يسمح له بالعودة لتخليصها ، ولذلك لا عجب أن نرى طفلا أو شابا يموت مقتولا ، فربما المقتول قد قتل طفلا من قبل في دورة حياة سابقة وجاء ليسدد ديونه ، ولله في خلقه شئون ، والقتل أحد الديون التي لابد وأن ترد في الدنيا قبل الآخرة .

ولكن قبل أن نعرف الفارق بين الأرزاق والهبات والابتلاءات لابد وأن نجيب على سؤال مهم ، هل الإنسان مسير أم مخير ، وهي معضلة البشر ورجال الدين على وجه الخصوص ، ولكننا حتى الآن لا نملك إجابة مقنعة واضحة ، فالكل يناور حول الحقيقة ولا يملك الحجة المنطقية المقنعة برأيه ، رغم أن الله حسم هذه المسألة تماما ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر