المكتوب .. ما بين الأرزاق والهبات …. بقلم : جمال عمر

أنا وأنت وكل البشر .. بكل ما وصلنا له من تقدم .. مجرد .. لا شيء .. ، وكلما طال بك العمر في الدنيا تكتشف ما لم يكن يخطر على بالك ، وما كنت لتفهمه ولا تتخيل حدوثه من قبل ، فكلما طال بك العمر أكثر يزداد يقينك بأن كل ما تعلمته من الدنيا مجرد لا شيء ، وهو تحديدا ما يقوله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ، { .. وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً .. }الحج5 ، ولكننا كالعادة لا ننتبه لما يقوله سبحانه إلا عندما تصدمنا الحقائق ، فنحن حقيقة لا ندرك معنى قوله تعالى .. { .. وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، فكل ما نعرفه من العلوم على الأرض حتى اليوم ، لا يزيد عن كونه قليل القليل ، كأنك تراقب مستعمرة من النمل تبني جحورها ، وهي تظن أنها قد فعلت المستحيل ، وهي لا تدري أن قليل من الماء أو صخرة صغيرة قد تحول كل هذا العالم الذي يبنونه لخراب ، وكذلك الإنسان وكل ما يصاحبه من مخلوقات تحيا على الأرض أو في جوفها ، فهم جميعا وأرضهم التي يحيون عليها لا تمثل في الكون أكثر من ذرة رمل على شاطيء بحر السديم السماوي .

ولكن هذا لا يمنع أن يشعر كل منا أن هناك معطيات في حياته لا حيلة له فيها ، فنجد مثلا من يعمل أكثر من نصف ساعات يومه بجد واجتهاد وعلم ، ولكنه لا يحصل على ما نعتقد أنه يستحقه ، فلاعب كرة مثلا ، كل عبقريته أن يجيد الجري واللعب بكرة مملوءة بالهواء ، يصل راتبه الأسبوعي إلى أكثر مما يحصله عالم وأستاذ جامعي في عمره كله ، رغم أنه حاصل على كم من الشهادات العلمية قد لا يحصيها ، ورجل غني وموفور الصحة وزوجته من جميلات المجتمع ولكنهما يفشلان في إنجاب طفل ، ويقابله فقير يكاد لا يجد قوت يومه ، ولكنه لديه من الأبناء والبنات ما لا يتذكر أسماءهم ، بل أبسط من هذا ، دوما نجد مدرسا في مراحل التعليم الأساسي مثلا ، يتحصل على الآلاف من الدروس الخصوصية أسبوعيا ، بينما يزامله مدرس آخر وربما هو أفضل منه علميا وأخلاقيا ، ولكنه لا يكاد يتحصل على ما يكفي معيشته ، وعند هذه النقطة فإننا عادة نتوقف ونقول .. أرزاق يقسمها رب خلاق .

فما هي الأرزاق ، وكيف نفرق ما بينها وبين الهبات مثلا ، وهل كل ما يأتي الإنسان في حياته هي أرزاق أم هبات ، أم يمكننا أن نختصر التعبير فنقول أنه مقدر ومكتوب ، وللخروج من هذه المتاهة ، لا يجوز أن نسأل فلاسفة البشر وحكماءهم ، فهم بشر مثلنا ، خاصة وأن الخالق العظيم قد حسم هذه المسائل بآيات القرآن العظيم ، ولكن قبل أن نتعرف على معطيات الحياة لكل إنسان ، لابد أن نتوقف ونتعرف سريعا لماذا هذه المعطيات والغرض منها ، لأن الغرض منها هو خدمة الهدف الأكبر من حياة البشر ، فمن هم البشر ولماذا جاءوا للدنيا وما هي بدايتهم ورحلتهم للنهاية ، وكيف يصفها الخلاق العليم ، ومن نسأل سواه .. { .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122 ، ومن يحدثنا عن البشر { .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً }النساء87 ، خاصة وأنه سبحانه قد شرح كل هذا في القرآن العظيم الذي هجرناه بإغلاق أبواب الفهم والتدبر فيه ، بأيدي المجرمين المتآمرين ، وتورط الجهلاء الذين جعلوا كل آيات القرآن متشابهات لا يجوز الاقتراب منها ، واكتفينا يآيات الفرقان والتي نسميها الفقه ومعها آيات القصص والعبرة ، واعتبرناها هي كل علوم الدين ، متجاهلين أكثر من نصف كتاب الله ، والتي سماها سبحانه “القرآن العظيم” .

خلق الله بني آدم ليكونوا آخر سلالات البشر (أصحاب البشرة) ، والذين هم أحد سلالات الإنس المستخلفين على الأرض بديلا للجن ، فسبحانه يشير لهذا بقوله تعالى .. {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }الأنعام133 ، فتاريخ الاستخلاف على الأرض طويلا ، ومن سبقنا من سلالات مختلفة ، ولكنهم فسدوا وفسقوا وسفكوا الدماء فاستبدلهم سبحانه وتعالى بخلق آخر وسلالات متعاقبة ، وهو ما قالته الملائكة لله تعالى .. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة30 ، فالملائكة قد شهدوا ما فعله المستخلفون قبل ابن آدم ، ولكن سبحانه هو علام الغيوب .. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14، جاء ببني آدم كمستخلفين على الأرض ليعمروها بالعلم والعمل والكد والكدح .

وقد أعطى الله بني آدم الفرصة الزمنية كاملة ليصلوا إلى الرشد الكامل قبل أن يكلفهم بكامل تكليفاته وأوامره بكتابه العزيز على يد آخر رسله ، فقد بدأت حياة بني آدم على الأرض بطفولة بشرية ، فقد كانوا حديثي عهد بالحياة فكانوا غلفا خشنين سذج ومحدودي الإدراك النفسي ، وكذلك القدرات العقلية والمادية ، فتدرج الله معهم في التكليف بداية من توحيد الله وحده وعدم الشرك به ، أو عبادة غيره معه ، مع كثير المعجزات والخوارق التي تهذب النفوس ، وتذكر ابن آدم أن له إله قادر على كل شيء ، وكذلك مع كثير من السماحيات في حدود هي محرمة علينا اليوم ، مثل زواج الأخ من أخته والتي كانت سارية حتى عهد نبي الله إبراهيم بعد حوالي ثلاثة آلاف سنة من استخلاف بني آدم ، وكذلك لم يجرم القتل إلا على عهد بني إسرائيل بعد حوالي اربعة آلاف سنة من عمر بني آدم على الأرض ، ولم يحرم زواج العمة والخالة إلا على عهد نبي الله عيسى ، ولم يكتمل التكليف وتحريم كافة المحرمات التي نعرفها اليوم إلا على عهد خاتم الرسل محمد (صلوات ربي وسلامه عليه) ، وذلك عندما اكتمل الميراث النفسي التاريخي للبشر ، فتهذبت نفوسهم وأصبحوا مستعدين لاستقبال كامل التكليف .

ومن إعجاز الله في خلقه هو تكرار الحياة للنفوس بمعطيات مختلفة في كل مرة ، وفي كل مرة يخلق الله جسدا مختلفا بمعطيات مختلفة لكل نفس ليعيدها للحياة من خلاله ، في اختبار جديد في كل معطياته ، حتى يعطي الفرصة كاملة للنفوس في اختباراتها المتكررة ، وشاء الله أن تفقد النفس ذاكرتها عن حيواتها السابقة بمجرد إنشائها في أي جسد جديد ، وتلك أهم أساسيات العدل في الاختبارات ، حتى لا تكون النفس متأثرة بتجارب سابقة ، وهو قوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، حتى لا يكون لابن آدم على الله حجة ، أنه لم يخلقه كافرا فيؤمن أو مؤمن فيحسن أو ذكرا فيجيد أو أنثى فتتقن أو قويا أو غنيا ، ولذلك شاء الله أن تختبر كل نفس في كل معطيات الحياة ، وتلك أسس القسط (تحري العدل) في اختبارات النفوس في الدنيا ، فإذا انتهت رحلة حيواته وجاء يوم القيامة وجد تسجيلا كاملا لحيواته السابقة في كتابه ، {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، وكل حياة عاشتها النفس ولها صفحة في كتابها الذي يسجل كل كبيرة و صغيرة ، كما يقول عنه المجرمون يوم القيامة .. {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً }الكهف49 ، وهو ما جاء لسان نبي الله موسى عندما سأله فرعون عن القرون الأولى .. {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى }طه52 ، ويضم كتاب كل نفس موازين حيواته التي عاشها ، ولكل حياة ميزانها الخاص ، كما يقوله سبحانه في الأعراف والقارعة ثم في المؤمنون {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ }المؤمنون102 ، 103 ،.

وعجبا أننا لم ننتبه إلى لومه سبحانه لنا على ظنوننا بأنها حياة لمرة واحدة لا تكرار لها .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، وبالطبع للبشر حق أن يختلط الأمر عليهم ويظنون أنهم يحيون مرة واحدة ، فالله يقول للذين يريدون العودة للحياة في كتابه العزيز .. {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }المؤمنون99 ، 100 ، والحقيقة والمراد من هذه الآية .. أن فلان بن فلان بمعطياته التي عاش بها لن يعود مرة أخرى ، فهو اختبار قد مضى وقته وانتهى ، ولكن هذا لا يمنع أن يعود في اختبار جديد بمعطيات مختلفة تماما ، فقد يعود الرجل في جسد أنثى بملة مختلفة ومعطيات حياة مختلفة وذلك تبعا لنتائج اختباراته السابقة وديونه التي اكتسبها منها ، ولذلك يضع سبحانه شروطا لعودة الإنسان لسداد ديون عليه في الواقعة بقوله تعالى .. فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ{86} تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{87} ، فلابد أن يكون صادقا عندما يسئل عن ديونه حتى يسمح له بالعودة لتخليصها ، ولذلك لا عجب أن نرى طفلا أو شابا يموت مقتولا ، فربما المقتول قد قتل طفلا من قبل في دورة حياة سابقة وجاء ليسدد ديونه ، ولله في خلقه شئون ، والقتل أحد الديون التي لابد وأن ترد في الدنيا قبل الآخرة .

ولكن قبل أن نعرف الفارق بين الأرزاق والهبات والابتلاءات لابد وأن نجيب على سؤال مهم ، هل الإنسان مسير أم مخير ، وهي معضلة البشر ورجال الدين على وجه الخصوص ، ولكننا حتى الآن لا نملك إجابة مقنعة واضحة ، فالكل يناور حول الحقيقة ولا يملك الحجة المنطقية المقنعة برأيه ، رغم أن الله حسم هذه المسألة تماما ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..                                                                                                    

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *