
استعرضنا من قبل الفارق بين المتعة وين السعادة ، وعرفنا أن الله قد جعل السعادة في العطاء وخدمة الآخرين ، وجعل المتعة في الأخذ ، وجعل لكل من السعادة والمتعة ميزانا بيولجيا في الجسم ، فمن اعتاد المتعة أدمن جسده هرمون الدوبامين القاتل ، ومن اعتاد العطاء أدمن جسده هرمونات السكينة والرضا والسعادة وعلى رأسها “السيروتونين” ، فلا سعادة بلا عطاء ، وعرفنا أن قمة السعادة عندما تقترن المتعة بالسعادة والتي تحدث في حالات خاصة جدا عندما تستمتع النفس بالعطاء لشخص أو أناس آخرين وهي ترغب في إسعادهم ، وأبسطها في ممارسة الرجل أو الأنثى للعلاقة الحميمية مع زوجته التي يرغب في إسعادها ، ولذلك تتسبب العلاقات من أجل متعة الشهوة فقط في كثير من الأمراض النفسية كالاكتئاب والإحباط وكراهية النفس والنرجسية والفصام أحيانا ، وربما تتطور بإصدار النفس أوامرها بتدمير الجسد وهو ما نسميه بالانتحار النفسي .

واستعرضنا أخيرا الصفات السبع الفطرية التي وضعها الله في النفس المجردة ، والتي يولد الإنسان بها ، وهي “الشفافية” أو ما يمكن تسميته بالوعي الموقوت ، ثم فطرة الأمان والبحث الدائم عنه ، ثم المصداقية وهي نزعة النفس للصدق من الآخرين ، ثم فطرة الأنا الخطيرة ، ثم يليها فطرة الإبداع وهي الرغبة المتزايدة للإتيان بالجديد ، ثم فطرة تلبية الشهوات كالطعام والجنس والسلطة والمال والشهرة ، وأخير فطرة حب الخير ، والتي تنحرف بتأثيرات انحراف فطرات أخرى كالأنا والإبداع ، فترى البعض لا يقدم خيره إلا لخاصته أو من يستفيد منهم فقط ، وعلمنا أن النفس تولد وهي كاملة الصفات الفطرية خاصة فطرة الشفافية ، والتي تعني قدرة الطفل على فهم تعاملات النفوس البشرية المجردة .

أخيرا يبقى لنا ثوابت أسس التربية للنفس ثم للأطفال ، وكيفية توجيه أطفالنا بهدوء وسلاسة ، وماذا نصدق من برامج وعلوم التربية للطفل ، والاختلافات ما بين تربية الولد والبنت ، وكيفية مواجهة المواقف الحادة والمفاجئة في تربية الأبناء ، وكيفية التعامل واتخاذ القرارات المصيرية في مستقبل تربية الأطفال خاصة في حالات الانفصال ، وتعتبر أسس التربية لنفوس الأطفال من أخطر الأركان التي يبنى عليها شخصية الطفل في مستقبله وقدراته وإمكانياته النفسية ، التي سوف يحتاجها لمواجهة كبد الحياة حتى آخر عمره ، ومن أبرز هذه الأسس كما يلي .
أولا .. سرعة الاستجابة لاحتياجات الطفل الأساسية التي لا يستطيع فعلها بمفرده كالحنان والطعام والنظافة الشخصية بعد قضاء حاجته ، وذلك حتى تنمو قدراته على التصرف بمفرده ، وتلك أحد أهم وأخطر ما يدمر نفوس الأطفال المعتادين على الحضانة ، فطفل الحضانة لن يجد أمه عندما ينزعج ، ولن يجد ما يطمئنه في حضن أمه ، والذي لديه مجالات مغناطيسية يعرفها جيدا واعتاد عليها جنينا ، ولن تسعفه بالاطمئنان دقات قلبها التي يعرف ترددها وبصمتها الصوتية جيدا ، وقد يظل لساعات طويلة وهو يتعذب بقاذورات قضاء حاجته ، وهو ما يدمر نفسه ويعلمها القسوة مبكرا ، ولا عجب أن يلقي هذا الإبن أو الإبنة بالأم في دار المسنين يوما ما ، فهو تلقى الدرس عمليا على نفسه .

ثانيا .. تحمل المسئولية .. وتلك التي تبدأ بدفع الطفل لتحمل مسئولية بعض احتياجاته قدر الإمكان ، وعدم الوقوع في الخطأ الفادح باعتبار الطفل عاجزا كليا عن مساعدة نفسه ، فلا يجوز مثلا أن تمنع الأم طفلها أن يستخدم يديه ليأكل وحده لو رغب في هذا مبكرا ، ولا يجوز ترك الطفل بعد قضاء حاجته دون نظافة لفترة طويلة ، كما لا يجوز أن يترك الطفل دون تدريبه على تنظيم قضاء حاجته بنفسه تدريجيا ، فلابد من تدريبه على الاعتماد على نفسه قدر الإمكان ، فذلك ينمي مهارات جسده ويسرع من عمليات نموه الجسدي وتهذيب نفسه .

ثالثا .. الصبر .. وهذه الصفة لا يتعلمها الصغير بسهولة ، ولكنه يجب أن يجربها بنفسه ويراها في غيره ، والأمهات مؤهلة بالفطرة لهذه المهمة ، فهي تصبر طويلا على أخطاء الصغار ، ولكنها قد ترتكب أخطاءا كبيرة بخضوعها المتكرر لابتزاز الصغير بالبكاء للحصول على ما يريد ، وهنا يجب على الأم التفريق ما بين الحاجات الضرورية حتى ولو كانت اللعب الذي ينمي مهاراته وبين الدلال المتجاوز لحدوده ، ولكنه سيتعلم أكثر من تصرفات المحيطين به ، فهو يعي جيدا التعاملات النفسية بين المحيطين به ، ولذلك يجب أن يتحلى الوالدان بكثير من الصبر في تعاملاتهم مع بعضهم البعض أمام الصغير ، مع مراعاة تجنب الانفعال والصراخ خاصة في المواقف الحرجة ، ومراعاة عدم الشجار أمام الصغير ، وإن كان لابد منه فلنحسن اختيار الألفاظ ونبرة الصوت ، وأساليب النقاش لأنها تحفر في نفس الصغير ، مع الابتعاد تماما عن التدني لمستويات الشجار بالأيدي والسباب والألفاظ النابية والجارحة ، فالصغير مهما كان عمره ولو أسابيع لن ينسى هذا مطلقا .

رابعا .. التفاؤل والمرح .. وليس هذا دعوة للتسيب ولكنه المناخ النفسي الذي يجب أن نعتاده قبل أن يكون لدينا أطفال ، فإذا كنت جادا متجهما وتعرضت لموقف مستفز فسوف تنتقل سريعا لردود أفعال عنيفة ومؤذية ، بخلاف لو كنت معتادا على المرح والتفاؤل ، فأنت قد وفرت لنفسك مساحات نفسية كبيرة تنتقل عبرها قبل أن تصل للعنف والغضب ، ولذلك قبل أن تصبح مسئولا عن تربية طفل ، لابد أن يكون مناخك ومزاجك المعتاد مرحا متفائلا ، لأن هذا المناخ سينتقل مباشرة ليصبح محفورا في نفوس الصغار ، وكنك لكي تصل لهذا المستوى من المزاج العام ، لابد وأن يكون لديك يقين بأن كل شيء بيد الله ، وأنه لن يحدث إلا ما فيه خيرا لك ، وأن الله أرحم بعباده جميعا من الأم برضيعها ، فلن يأتيك إلا خيرا ، وهو ما نسميه حسن الظن بالله ، فأنت لن تصبح كئيبا تخشى من كل مجهول إلا لو كنت سيء الظن بالله في خلقه وقدرته وقدره المكتوب عليك ، فأنت من يصنع قدره بظنونه كما يقول رب العالمين .. { وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} .. ثم يلومنا ويذكرنا سبحانه بقوله تعالى .. { فما ظنكم برب العالمين} .

خامسا .. الطيبة في التعامل مع الآخرين .. والحرص على جبر خواطر المحيطين به ومن يتعاملون معه .. وتلك الصفة تنتقل مباشرة من الوالدين للطفل إذا اعتاد رؤيتها في تعاملاتهم ، والطيبة وجبر الخواطر مبنية على حسن الظن بالله في خلقه وما يكتبه علينا ، والثقة واليقين في رحمة الله وكرمه ، والصغير يلتقط هذه الصفة وتريح نفسه وتبسطها وتجعله قادرا على استيعاب الآخرين ، وتوفر عليه انشغاله الدائم بما يخشاه من الآخرين ، فيشب صحيح النفس قويا ، وليس كما نرى اليوم من تفشي ظواهر فساد النفوس بين شبابنا ، الذي لا يجيد التعامل مع الآخرين إلا بما يفيد نفسه ويمتعها ، ويرون في الطيبة خيبة وهطل ونوع من العبط والغباء والسذاجة ، فإن لم يتعود الصغير الطيبة من المحيطين به ، فمن الصعب أن يتعلمها كبيرا ، وسوف يدفع ثمن هذا غاليا من نفسه في صور الاكتئاب والإحباط والخوف من شرور الآخرين .

سادسا .. حب الآخرين كما يحب نفسه .. وليست هذه دعوة للتعاطف والغرام .. ولكنه ذكاء في التعامل مع الله ، فكل الخلق عباده وعياله (الذين يعولهم) ، ويحبهم ويغار عليهم جميعا مؤمنهم وكافرهم وملحدهم ، وبالتالي فمن أكرمهم أكرمه الله ومن أحسن إليهم أحبه الله وأحسن إليه ومن مكر بهم مكر به الله ، وهذه أسس إن يتعلمها الصغير بمشاهداته عبر حياته من والديه ، فلن يفهمها ولن يتعلمها بعد ذلك ، ولذلك وجب أن يؤمن بها وينفذ متطلباتها كل من يريد أن يكون له طفل يربيه ، أولا ليكون الطفل شخصا نافعا لغيره في حياته فيحبه خالقه ويرزقه حب الناس من حوله ، والأهم والأخطر أنه إن لم يصبح هذا أساسا في نفسه ، فسوف يأتي يوم يفرط هذا الصغير في والديه من أجل مصلحته ليذيقهم وبال تربيتهم الأنانية الحمقاء عقابا من الله .

سابعا .. العفو والتسامح .. وهي قدرة نفسية تحتاج للتدريب عليها كثيرا واعتياد رؤية الصغير لتنفيذها من الوالدين مرارا وتكرار ، لأن العفو والتسامح هو الشرط الوحيد الذي يفرضه سبحانه وتعالى ليغفر للبشر ذنوبهم وأخطاءهم ، وهو قوله تعالى .. { وليعفو وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} ، فالله لا يغفر ولا يعفو عمن لا يسامح ولا يعفو عن غيره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، فترى كثيرا من شبابنا على وسائل الإعلام وصفحات التواصل يصدرون تصريحات وتوصيات مليئة بالكبر والتعنت ورفض العفو والتسامح ، فكيف يريدون من الله أن يعفو عنهم ويسامحهم ويجعل حياتهم سهلة عليهم ، وهذه الصفة يتعلمها الصغير سريعا من تعامل والديه مع بعضهما ومع إخوته وجيرانهم ومن يعرفون ، وبالتالي لو كنت تتمنى أن يسامحك طفلك ويعفو عن أخطائك في حقه فتأكد أنك تتعامل أمامه ومعه بنفس المنطق ، فالصغير سوف يعيد ما تعلمه منك بقية عمره .

ثامنا .. الصدق .. فالطفل يراك ويراقبك بدقة وشفافية وشغف ليتعلم منك ، ويعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك ويتذكر جيدا تصرفاتك وأقوالك ، فإذا كذبت أمامخ فهو لن يتهمك ولكنه سوف يعتبر هذا قرآنا ودستورا مسلم به ، فلا عيب في الكذب ، بل سوف يتخذه أسلوب حياة ، خاصة وأنه سوف يجنبه كثيرا من المحاسبة والمواقف الحرجة ، وتعلم الصغير للصدق يحتاج لكثير من الصبر ، وكثير من الأمثلة العملية المضروبة أمامه من الوالدين والمحيطين ، وكثيرا من التشجيع ، حتى توقن نفسه أن الصدق هو أقصر الطرق للحياة الكريمة والمحترمة ، ولكن هناك شعرة فارقة ما بين الصدق والصراحة مع الآخرين ، وبين الوقاحة والبهت ، فبعض الشباب يعتبر مواجهة الآخرين أمام الآخرين نوع من الصدق والصراحة وهي شرعا تسمى بهتا (إيذاء النفوس) ، وأخلاقيا تعرف بالوقاحة التي تورث البغض والكراهية بين الناس ، فضلا أن الصدق سوف يصبح مانعا للنفوس من الخطأ حتى لا تحرج نفسها عند المحاسبة ، فلو شئت أولادا صادقين ، فعلم نفسك الصدق أولا ، فهو صفة تنتقل بالعدوى مثل غيرها .

تاسعا .. التواضع .. وهي صفة يتعلمها الصغير من والديه سريعا ولا تحتاج لكلام بل تصرفات ، فالوالد المتباهي دوما بثروته أو عائلته أو دينه أو سلطته أو ذكائه أو قدراته سوف يشب أبناءه ومحفور في نفوسهم الكبر والغرور ، والأب أو الأم الذين يسبون فلانا ويحتقرونه أمام الأطفال للاختلاف معه ، هم يعلمون ابناءهم كيف يتكبرون على غيرهم ، وكذلك الأم المتباهية دوما بأي شيء ، والمعتادة ذكر مساويء من تكره أمام الأطفال ، هي صاحبة نفس ضعيفة تحاول إثبات قوتها بمساويء غيرها أو بالتباهي بكل شيء لديها أو تملكه ، وكارثة الكبر والغرور أنه يجر سخط الله وغضبه ، فيكتب له الله البغضاء في الأرض فتكرهه حتى ثيابه قبل البشر ، على عكس التواضع واللين وخفض الجناح للآخرين ، وإمساك اللسان عن مساويء من نختلف معه أو نكرهه ، وهذا ما يكسب صاحبه رضا الله وكرمه فيرفعه ويمكن له في الدنيا والآخرة ، ولابد لهذا الصغير الذي شرب الكبر والغرور من سلوك الوالدين أن يجرب ثم يمارس غروره وكبره بقية عمره على والديه أولا ثم على أهله وجيرانه ومعارفه وباقي البشر ، ليذوق وليدفع المتكبر والمتكبرة ثمن كبرهما غاليا على أيدي أبناءهما في الدنيا قبل الآخرة .

أخيرا طفلك أمانة ، وكلنا يتمنى أن يربي أطفالا سعيدة تستمتع بالسعادة عبر عمرها في الدنيا ، ولن يدرك بشرا السعادة مطلقا إلا لو احترف العطاء دون انتظار المقابل إلا من خالقه ، لأن انتظار المقابل من البشر هو ضعف ثقة في الله سبحانه من بيده كل نفوس البشر ، وقادر أن يسخر كل خلقه لإسعاد من يسعد خلقه بالعطاء من أجل رضا الله عنه ، ويترك من يشرك بالله لشركه وسوء ظنه وذلك لظنه أن البشر على قادرين على نفعه أو ضره ، فتربية الطفل هنا ليست ضربا من الدين والدروشة كما يعتقد البعض ولكنها توافقا مع فطرة خلق النفوس كما وضحها لنا سبحانه وتعالى في قرآنه العظيم بأكثر من اربعمائة آية ، وجعل في النفوس والأجساد (نفسيا وفسيولوجيا) ما يضمن سعادتها فقط بالعطاء ، وليس بالأخذ والمتع ، ولننتبه جيدا أن محاولة إيجاد السعادة بالإكثار من المتع هي في الحقيقة محاولة لري الظمأ من ماء البحر ، أو البحث عن الجنة في طرقات جهنم ، أو قل هي محاولة لإدراك الشفاء بقتل المريض ، وسبحان من خلق ابن آدم وفطره على السعادة في العطاء .. ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك .. فقنا عذابات مفاهيمنا الخاطئة .. إنك على كل شيء قدير ..
جمال عمر
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر