قليل من السياسة .. للتذكرة … بقلم : جمال عمر


ماذا يحدث على الساحة العالمية أو في أروقة السياسة الدولية ؟؟ ، أسئلة كثيرة تتردد ويتناولها الإعلام وكثير من محنكي السياسة ، ولكن كالعادة .. لا يوجد شيء مطلق ولا حقيقة مطلقة ، فالثوابت والقناعات تسقط فجأة وبلا مقدمات ، فما يقال اليوم سوف يتغير غدا وربما بعد ساعة أو حتى دقائق ، وذلك فقط .. لأن معدلات تسارع الأحداث وردود الأفعال أصبحت محمومة مجنونة ، ولكن يبقى في الأفق ملامح أيدولوجيات ثابتة في خلفية المعلن من تفاعلات أطراف السياسة الدولية ، والتي ما عاد لها نمطا يمكن تتبعه ، خاصة بعد التغيرات الحادة في نوعية وقدرات العناصر الفاعلة والمحركة للسياسة الدولية ، والتي تبدو جلية في الأفق ، وترسم ملامح لما هو قادم خلال سنوات أو ربما شهور أو أسابيع ، ولنا في المتغيرات الأمريكية والروسية والغربية أمثلة واضحة على ملامح التغيرات المنتظرة .

 

ولا يعنينا منها كمصريين إلا ما سوف يمس حياتنا ومستقبلنا على المدى القريب والبعيد ، خاصة وأننا تأكدنا خلال السنوات العشرة السابقة من قدور التأثير المصري في معطيات ونتائج الحراك في السياسة الدولية خاصة على المستوى الإقليمي وما يمس الأمن القومي المصري ، فقد أصبح لمصر وزنا مختلفا تماما عن العقود الخمسة الماضية ، بعد أن دخلت مصر لنادي الدول العشرة الأقوى في العالم عسكريا ، بل وتتقدم بقفزات كبيرة وغير مسبوقة ، حتى أجمعت مراكز الدراسات الاستراتيجية في الغرب والشرق أن مصر قادمة كدولة عظمى في غضون سنوات قليلة قادمة ، وهو ما سوف يحدث تغيرات حادة في تفاعلات الحراك السياسي العالمي ، ويفرض معطيات جديدة بل ويعيد للحياة بعضا من قيم مختلفة تناسها العالم منذ عقود طويلة أو ربما قرون سابقة ، وهو ما اختصره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ شهور بقوله "أننا نتعامل بشرف في عالم عز فيه الشرف" ، وتلك حقيقة فرضت نفسها بقوة ، وفرضت لمصر قدورا عظيمة من الاحترام المعلن ، رغم مؤامرات وكراهية كثير من قوى العالم الكبرى .

والمتابع لمتغيرات السياسة الأمريكية خلال السنوات السابقة لابد أن يلاحظ ، أولا .. أن أمريكا لا تزيد عن كونها قطعة شطرنج تحركها قوى أكبر لتنفيذ استراتيجية ثابتة منذ عقود طويلة سابقة للسيطرة على مقدرات العالم ، وهي تؤدي بنجاح دور "الشرطة الدولية" والتي في حقيقتها لا تزيد عن دور "البلطجي الدولي" المستخدم بإفراط لتسريع معدلات تنفيذ الأهداف المرحلية بداية من ضرب هيروشيما ونجازاكي بالقنبلة النووية ، ومرورا بفيتنام وكوبا والشيشان وباكستان وأفغانستان ثم دول أمريكا اللاتينية ، ثم العراق وسوريا وقطر والخليج وليبيا واليمن والصومال والسودان وأثيوبيا ومصر وتونس ، ولكن الملحوظة الأهم هي في تزايد حدة التخبط في كيفية استخدام البلطجي الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ، وهو ما نراه في تبادل الأدوار بين أساليب التعامل من إدارة لأخرى تبعا لمتطلبات المراحل المختلفة بداية من نيكسون ومرورا بريجان ثم بوش الأب إلى كارتر فكلينتون ثم بوش الإبن فأوباما ثم ترامب وبعده العودة لنائب أوباما بايدن مؤخرا .

فكل رئيس منهم جاء لتنفيذ أهداف مرحلية محددة ، ولا يمكن لعاقل أن يصدق أن رئيسا لأمريكا يملك صناعة اية قرارات أو حتى الانحراف باتجاهات السياسة تبعا لقناعاته أو رؤيته الخاصة مطلقا حتى ولو كان هذا الرئيس هو "دونالد ترامب" ، فكما يقولون دوما .. "السياسة لعبة قذرة تمارس بدبلوماسية وقحة" ، ولذلك على المدى القريب يعد بايدن أقل خطورة من ترامب على مصر بوجه خاص ، وإن كان شديد الخطورة إقليميا ، فالإدارة الجديدة تستخدم أدوات مختلفة هذه المرة تتشابه مع أدوات أوباما لأنهم نفس المدرسة ، وعلى رأس أدواتهم للتدخل في شئون الدول وتوجيهها هي ما يسمونه "حقوق الإنسان" ، والتي يديرونها بمكاييل وموازين مختلفة ، فميزان التربص مثلا مع مصر يختلف بحدة عن ميزان غض الطرف عن كوارث حقوق الإنسان في تركيا ، فالأمريكان لا يعنيهم حقوق الإنسان مطلقا ، ولكنها وسيلة للضغط على الدول والكيانات ، ومجرد أوراق للتفاوض لتحقيق أهداف الماسونية العليا في المنطقة ومصر على وجه الخصوص ، وإن كانت الإدارة الأمريكية قد لا تملك الوقت ولا القدرات الكاملة للضغط على مصر على المدى القريب أو البعيد ، لأن أمريكا نفسها تعاني بشدة من داخل يقترب من الانفجار تحت السطح ، وتعاني أكثر من تهديدات خارجية صينية وروسية بل ولا تينية من جنوب القارة الأمريكية .

وعلى الجانب الآخر في مصر توجد إدارة قوية واعية وهادئة ولكنها حازمة ، تعرف كيف تدير أمور سياساتها الخارجية والداخلية ، ولديها أوراق أكثر قوة مما يتخيل قادة الماسونية في الغرب ، بل ولديها في الغرب نفسه حلفاء وأصحاب مصالح مشتركة ، لن تمكن الإدارة الأمريكية الجديدة من امتلاك قدور الضغط التي كانت تملكها في عهد سابق طوال عقود أربعة قبل ثورة يناير 2011م ، كما أن صراعات السلطة الأمريكية الأخيرة كانت فاضحة للأساليب الأمريكية والغربية في التعامل مع الشرق الأوسط خاصة مصر ، ففقدت أمريكا والغرب كثيرا من مصداقية أدواتها بمجرد تسريب إيميلات هيلاري كلينتون ، فضلا عن اعترافات كثيرا من رجال السياسة والمخابرات الغربية السابقين والتي تم تسريبها عفوا أو عن عمد ، ولكنها خلقت جوا مختلفا يفرض على طبيعة التعامل القادم لونا من الوضوح ، أو على الأقل يمنح مصر ودول المنطقة قدرات أفضل لتقرير مصيرها دون ضغوط مزيفة مثل ادعاءات حرص الغرب على نشر الديموقراطية والحرية ومراعاة حقوق الإنسان ، والتي لم يكن لها محلا في جميع تعاملات الدول في الغرب مع شعوبها عندما تعرضت لحوادث إرهاب فردية .

ولا يمكن أن نغفل أو نتجاهل حجم الصراعات بين أجنحة الماسونية داخل معقلها وقلعتها الأكبر "بريطانيا" ، وتلك التي بدأت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد سلسلة من الصراعات السياسية الغربية ، ودفعت فرنسا للانحياز لمصر منذ سنوات ، وغيرت جوهريا من موقف ألمانيا من مصر في السنوات الخمسة الأخير ، ثم أخيرا تورط رئيسة وزراء بريطانيا السابقة "تريزا ماي" في مواجهة حادة داخل أروقة البرلمان البرطاني ، حيث أعلنت رفضها القاطع لما أسمته "مؤامرة المليار الذهبي" ، والتي أفصحت "تريزا ماي" جائحة كورونا ليست أكثر من مؤامرة كبرى على البشرية ، ولذلك فهي ترفض تعاطي أو فرض اللقاح على الشعوب والبلدان والبريطانيي بوجه خاص ، وكانت تلك هي أخطر مواجهة كاشفة لحجم التآمر على العالم وشعوبه في القرن الحالي ، ولذلك تم التعتيم الإعلامي الصارم على نشر هذه المواجهة وتداعياتها على الغرب وأوروبا ، ولكنها أحدثت رفضا متفشيا بين الأطقم الطبية في الغرب لتعاطي اللقاح أو استخدامه ، وهو أحد أهم الأسباب لتباطؤ نشر اللقاحات في الغرب ، وأحد أهم أسباب إعلانات حملات التبرع الجريئة من الغرب للدول الفقيرة بمليارات الجرعات من اللقاح .

أخيرا .. قد لا تلقى وجهة النظر هذه رواجا أو استحسانا من الكثيرين ، لاعتبارها جزءا من نظريات المؤامرة التي يتصدى لها جنود الماسونية بكل وسائل الإعلام والتواصل في العالم ، ولا يستحسنها كثير ممن لا يعنيهم الكثير من تفاعلات السياسة الدولية بقدر ما يعنيهم قدور من يحصلون عليه من احتياجاتهم اليومية وكماليات الحياة بعيدا عن إشغال العقل بما يتخيلون أنهم لا يملكون معه حيلة ، ولكن يبقى في النهاية حقيقة أن هناك قوى أصبحت عظمى بتغافل الشعوب والأمم عن أياديها الأخطبوطية التي تسلللت داخل الدول واخترقت قيم الشعوب ومقدراتها ، فأحدثت تفككا وتشتيتا لترابط الشعوب وقدراتها على التصدي للمؤامرات الماسونية التي لا تتوقف مطلقا ، فرأينا الشباب في مختلف دول العالم مشغولون بما أبهر عقولهم وخطف نفوسهم من متع وملذات وشهوات الحياة ، وهو ما خططت له الماسونية ونفذته ليسهل عليها السيطرة على دول وكيانات عديدة وعلى رأسها الشرق الأوسط بكل ما فيه من ثروات وقدرات أيدولوجية قادرة على صناعة مستقبل أفضل للبشرية ، فقط لو أفاقت هذه الدول واستطاعت التصدي لحملات ومؤامرات هدم الدول من الداخل بأدوات حروب الجيل الرابع والخامس والمتمثلة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي ، وشعارات الحرية والعدالة والديموقراطية وحقوق الإنسان ، وفي النهاية .. لن يحدث على الأرض إلا ما يشاء الله له أن يحدث .. وبما تستحقه هذه الشعوب نتاج قدراتها على التصدي سواءا القوية الصامدة أم المفرطة والمهترئة ، بل أدق من هذا .. فلن يصاب بشر بشيء إلا نتاج نواياه وأفعاله وتفاعلاته الشخصية مع معطيات الحياة ، وهو وعد الله للبشر ، فالخير لأصحابه ودعاته .. ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله .. "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *