الكتاب والفرقان والقرآن العظيم (4) ….. بقلم : جمال عمر


استعرضنا فيما سبق ما وصلت إليه حجم الضلالات المقدسة نتيجة إغلاق أبواب الفهم والتفكر والتدبر في آيات كتاب الله ، خاصة آيات القرآن العظيم ، حيث كان من أكبر ضلالاتنا المقدسة أننا اعتدنا كمسلمين تسمية كتاب الله كاملا بالقرآن ، رغم أن الله أوضح أن كتابه المنزل يحتوي على قسمين رئيسيين هما الفرقان والقرآن العظيم ، وعلمنا كيف تضمنت آيات الفرقان كل ما يفرق بين الحلال والحرام والخير والشر والحق والباطل سواء في الفروض "المناسك" والحدود والمعاملات إضافة للقصص ، ولذلك أنزل الله الفرقان مرتين ، الأولى على نبيه وكليمه موسى ، والثانية على خاتم الرسل بعد تعديل بعض أحكامه واستكمال القصص بما حدث بعد موسى ، ، ثم علمنا كيف احتوت آيات القرآن العظيم على علوم الخلق والعلوم البحتة إضافة لآيات التوحيد والعقيدة والغيب والحكمة ، وعلمنا أن آيات القرآن العظيم قد تعدت أكثر من 50% من كتاب الله ، وتلك التي هجرها المسلمون كاملة واعتبروها متشابهات لا يجوز الاقتراب منها ، رغم أنها آيات العلوم التي أنزلها الله لتعين ابن آدم على آداء (العبادة) وهي المهمة التي خلقه الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخليفة لله عليها وهي المهمة التي استحق عليها ابن آدم أن تسجد له الملائكة وتدعوا له وتستغفر له وتحفظه .

ولم يتوقف الأمر عند تزوير مفاهيم الكتاب ثم الدين ومفاهيم النفس والخلط بينها وبين الروح ، ثم مفهوم العبادة والأمانة وكفل الأرزاق ، بل امتد البهتان لابتداع ضلالات مقدسة مثل أكذوبة حياة ونعيم وعذاب القبور ، والتي ألفوا فيها آلاف الكتب ووضعوا فيها من الخيالات والتصورات والأساطير ما يشيب له الوليد في بطن أمه ، حتى ارعبوا الناس من الموت ومن لقاء الله ، بل وزوروا أحاديث عن رسول الله وأكدوها بالأسانيد والمتون ، وزخرت بها كتب التفاسير مثل البخاري والطبري والجلالين وابن كثير وغيرهم الكثير ، حتى اعتدنا عندما نزور القبور أن نسلم على تراب القبور معتقدين أن أمواتنا ما زالوا أحياء في قبورهم ، ونتخيل أنهم يردون علينا السلام ويشعرون به ويفرحون بزيارتنا لهم ، وأنهم محبوسون في القبور في انتظار يوم القيامة وقبورهم هي إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ، ثم ابتدعوا ألوانا من عذاب القبور مقسمة تبعا لنوعية الخطايا بداية من ترك الصلاة ومرورا بآكل مال اليتيم ، والسارق وشارب الخمر ، ونهاية بمن لا يستبرأ من بوله .

والعجيب هو تصديق المسلمين لهذا الهراء ، رغم أنه لا يوجد ما يشير لهذا في كتاب الله مطلقا ، بل على العكس تماما ، وجدنا في آيات القرآن العظيم شرحا مبسطا وواضحا لما سوف يحدث للإنسان (النفس) بعد انتهاء الأجل ، وهي دخول النفس في نشأة جديدة "أخرى" مماثلة للتي يغادرها بتذوق الموت ، ولكن بمعطيات مختلفة متوقفة ومتوافقة مع نتائج النشأة التي يغادرها بعد انتهاء أجله فيها ، وعرفنا أن النفس تستمر في تكرار النشئآت بمختلف المعطيات أولا حتى يكون قد منحه الله كل الفرص ليجيد ويصحح أعماله في الدنيا ، وثانيا .. حتى لا يكون له حجة على الله يوم القيامة ويقول .. "لو خلقتني كذا لفعلت كذا وكذا .. " ، ويؤكد القرآن العظيم أن تكرار النشآت لا يتوقف "فيخرج الإنسان من الدنيا ولا يعود لها مرة أخرى" .. إلا لسبب جوهري عظيم كالتضحية بالنفس في سبيل الله ، وقبول الله منه واحتسابه لموته شهادة في سبيل الله ، ساعتها فقط .. يصبح من "السابقون" .. "أولئك المقربون" ، ويسمون بـ "السابقون" لأنهم لن يستكملوا رحلة تكرار الحياة مثل باقي النفوس عبر النشآت المختلفة إلى يوم القيامة ، فهم قد سبقوا غيرهم من البشر بعمل جليل وعظيم فسبقوا إلى رحمة الله ورضاه ونعيمه فلا يرجعون مرة أخرى ، بل إن الله يمنحهم أروع مكافئاته وهي "الروح" فيقول سبحانه في ذلك في سورة الواقعة .. {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ } ، ومنح الله الروح كمكافئة لهذه النفس (الفائزة) معناه منحها القدرة على العودة للحياة في أي جسد تريده "بوضع الروح فيه" ، ولذلك يقول فيهم رب العزة .. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }البقرة154 ، فهم يعودون للحياة في أي صور يختارونها ويحيون بها أو بغيرها إلى يوم القيامة ، بل ويرزقون أيضا في هذه الحياة الجديدة التي اختارونها كيفما شاءوا لقوله تعالى .. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169 ، ولا يجوز القول بأن "عند ربهم" أنهم يحيون في مكان آخر في جنة في السماء بخلاف الأرض ، لأن كل الكون صنعته وملكه ، والجنة عرضها السماوات والأرض .

وبظهور كذب وافتراء هذه الضلالات (حياة القبور) بتكذيب آيات كتاب لها ، كان لابد أن نجيب على أسئلة كثيرة مثل ما هي طبيعة النفس وما أحوالها ومواصفاتها الفطرية ، كيف يعود الرجل بعد موته في جسد امرأة والعكس ، وما علاقة كل نشأة بما سبقتها ، وفي هذا يتوقف كتاب الله كثيرا عند وصف خلق النفس وأحوالها وحركاتها في أكثر من ثلاثمائة آية محكمة ، مثل قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، وهي آية خطيرة ورئيسية في عملية خلق النفس وحركاتها ومستقبلها ، ولكن قبل أن نستعرض معان الآيات لابد أن نتوقف لنستوضح مفاهيم بعض أفعال الإبداع لله سبحانه ، والتي يفضل ترتيبها بداية من فعل "الخلق" ، ومفهومه من كتاب الله هو إيجاد خلق جديد من مخلوق موجود ، وهذا الفعل تحديدا هو فعل عام يطلقه سبحانه على كل فعل إبداع آخر تبعا للمفهوم المراد منه ، بل هو فعل يجوز إطلاقه على صنعة البشر أيضا ، وهي هبة الله لخليفته على الأرض ليعينه على مهمته وهي إعمار الأرض ، فأنت تصنع من الحديد والمعادن ومواد أخرى سيارة أو طائرة ، فأنت (تصنع) أو تخلق طائرة لأنها لم تكن موجودة إلا بصناعتك وهذا ما سمح الله به لابن آدم ، فهو فعل يجوز اشتراك مخلوق في فعله مع الله ، مع اختلاف القدرة والإبداع ، ولذلك يقول سبحانه .. "فتبارك الله أحسن الخالقين"، ثم ننتقل لسيد أفعال الإبداع وهو فعل "الإبراء" ، فسبحانه هو "الباريء" ، والإبراء هو الخلق من العدم ، وهو فعل لا يجوز إلا لله وحده ، ثم يأتي فعل "الإنشاء" ، وهو أن يدخل الله مخلوقا في مخلوق آخر مختلف عنه ، فينتج مخلوقا جديدا مختلف في مواصفاته عن كلاهما ، وهو ما يوضحه رب العزة في عملية خلق الإنسان بقوله تعالى .. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، وهنا يشرح سبحانه أطوار خلق الجسد في رحم الأنثى خلال الشهور الأربعة الأولى حتى يكتمل خلق الجسد وهو (المخلوق الجديد) وهو خلق مستقل تماما ، ثم يشير سبحانه لعملية إنشاء النفس (المخلوق الأول والموجود منذ خلق آدم) وإدخاله داخل هذا الجسد الحي (المخلوق الجديد) بعد اكتماله ، فينتج من عملية الإنشاء مخلوقا آخر (إنسان جديد)  .. فتبارك الله أحسن الخالقين ، بل ويؤكد سبحانه وتعالى على فعل إنشاء النفس في جسد جديد بقوله تعالى .. {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }الملك23 .

ثم يأتينا فعل آخر من أفعال الإبداع وهو فعل "التصوير" ، ومفهومه الواضح أن تظهر (تحبس) شيئا في حيز أقل منه ، فصورتك على ورقة هي وصف مرئي في محورين من محاور الحرية اللانهائية (س & ص) ، ولو وضعنا صورتك على فيلم فيديو فقد أضفت لك محورا جديدا ، ولو استطعنا أن نستخدم "الهولجرام" ، لأخرجنا للناس صورتك مجسمة تتحرك بينهم ، وهذا قمة التطور ومبلغ العلم في قدرات التصوير عند البشر ، ولكن صنعة الله أن يصور نفسك في جسد حي متكامل التوافق والقدرات ، وله مواصفات يعرفه الناس بها طوال حياتك فيقول في هذا .. { .. وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ .. }غافر64 ، وقوله تعالى .. {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }التغابن3 ، {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }التغابن3 ، {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }آل عمران6 ، فتصوير الله للنفس هو إنشاءوها في جسد مرئي ومحدد المواصفات ، ونلاحظ أن فعل "الخلق" يجوز إطلاقه على كل أفعال الإبداع لله ، فالإبراء هو خلق ولكن من عدم ، والإنشاء هو إيجاد خلق جديد مختلف من مخلوقين موجودين ، والتصوير هو إظهار مخلوق (نفس) في صورة مختلفة (بجسد) ، ولذلك لا عجب أن يكون خلق الإنسان هو أحد إعجازات الخالق العظيم التي يقول لنا فيها سبحانه ، {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ .. }غافر64 ، ولا عجب أن يقول لنا سبحانه .. {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 ، ولا عجب أن نقول كما علمنا سبحانه .. {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }الحشر24 ، ثم نجد أيضا فعل "الإنشاز" وهو فعل يختص به الله خلق العظام لقوله تعالى .. { .. وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة259 .

وتتوالى آيات الإبداع في القرآن العظيم وتتعدد الأفعال التي يمكن حصر معظمها في واحد وثلاثين (31) فعلا هي { الابتداء – الإنهاء – الإعادة الإبراء –  الخلق – الإنشاء – التصوير – الإحياء – الإماتة – التوفي – الإدخال – الإخراج – الذرء – البعث – النشور – الإنشاز – الكلء – الفطر – الفتق – الإنزال – الرفع – البسط – التوسيع – التقدير – الإمساك – الكتابة – الإيتاء – الإرسال – الوهب – الإعطاء – الكساء } ، وكل فعل منهم له في كتاب الله ذكر ولو مرة لتوضيح أحد افعال الإبداع لله تعالى في ملكه ، والتي يجب أن نتوقف عند كل منها لنتعلم ما شاء الله أن نعلم ونتعلم ، وهو ما سوف نستعرض بعضا منه لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *