الدين في كواليس البشرية (5) …. بقلم : جمال عمر


استعرضنا من قبل حقيقة خلق الله لـ (النفس) والتي هي أصل الإنسان ، وكيف يمنحها الله جسدا حيا (فيه روح) لتتعامل به مع الحياة على الأرض وذلك لأجل محدد مسبقا ، فإذا انتهى الأجل استرد الله الروح فيموت الجسد ويتحلل إلى تراب ، ولكن النفس لا تموت بل تذوق الموت … {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، ولكن النفس تفقد بموت الجسد وسيلة تعاملها مع الحياة ، وهنا النفس لا تظل كما تقول الأساطير حبيسة القبر الذي دفن فيه الجسد ، ولكن يعيد الله إنشاءها في نشأة أخرى جديدة تختلف طبيعتها طبقا لنتائج عملها في النشأة السابقة ، ورأينا أن أسعد البشر حالا من كانت نشأته التي يغادرها هي الأخيرة بلا عودة بعد نجاح كبير صنعه بالإخلاص ، كأن يموت شهيدا ، فلا يعود للدنيا مرة أخرى من حقق نجاحا عظيما ، فلا يستكمل رحلة حياته على الأرض بآجال جديدة ، بل يتوقف أجله المسمى عند الله عند هذه المرة ، ويصفه سبحانه وتعالى بأنه قد أصبح من (السابقون) ..

فيقول فيه في سورة الواقعة  .. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ{10} أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ{11} ، ثم يوضح مكافئته للمقربين في نفس السورة بقوله تعالى .. فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ{88} فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ{89} ، ونتوقف قليلا عند قوله تعالى .. (فروح وريحان وجنة نعيم) .. فأول ما يمنحه الله هو (روح) ، ومعنى هذا أنه قد أصبح يمتلك روحا يحيي بها أي جسد ليحيا بواسطته كيفما شاء ، لأن النفس تحتاج لجسد حي (فيه روح) لتحيا بواسطته ، وأمر الجسد ربما يكون هينا عن الروح التي تحييه ، لأنها سر الإحياء ، فيمنحه الله القدرة على الحياة ، ويقول فيه .. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169 ، ويكررها مرة أخرى بقوله تعالى .. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }البقرة154 ، وتلك هي الحقائق التي يكررها الخالق العظيم سبحانه للبشر لعلهم يتعلمون ، فحدود وتفاصيل ومراحل رحلة البشر ليست كما نتخيل أو نعرفها من أساطيرنا المقدسة ، التي ضللنا بها وصدقنا بهتانها لأننا هجرنا مفاهيم مصدر الحقائق المؤكدة وهو القرآن العظيم .

وبمنتهى البساطة … لكل منا عند ربه رحلة في الدنيا لها مدة محددة يسميها سبحانه "أجل مسمى" حدده الله له وسوف يحياه في الدنيا ، قد يكون ألف سنة وقد يكون خمسة آلاف سنة ، وهذا الأجل مقسم على آجال متتالية ، وهو قوله تعالى … {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }الأنعام2 ، ولكل أجل يحياه الإنسان مدته الزمنية ومعطياته المختلفة في كل مرة عن الأخرى ، فقد يولد مرة ذكرا وأخرى أنثى ، مسلما أو يهوديا أو ملحدا ، عربيا أو أفريقيا أو صينيا أو أوروبيا ، قويا أو ضعيفا ، جاهلا أو عالما ،فالفارق بسيط وهو جسد بمواصفاته ومعطيات حياته ، المتضمنة أيضا كل أنواع الاختلافات التي تخطر على قلب بشر وما لاتخطر ، حتى لا يكون له حجة على الله يوم القيامة ، كما تتوقف الاختلافات في كل مرة على نتائج حياته السابقة ، وأعماله فيها وديونه الواجبة الآداء في الدنيا ، فمن قتل طفلا سيعود للدنيا ليذوق القتل طفلا ، ومن عذب امرأة عشرون عاما مثلا ، فسيولد كأنثى ليذوق ما فعله في غيره لنفس المدة وبنفس الطريقة ، فكل الديون لابد من ردها في الدنيا وهو وعده المثبت بقوله تعالى في الواقعة .. فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ{86} تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{87} ، وتلك العودة لأداء الديون مشروطة بصدق الاعتراف بالديون التي اقترفها وتحملها في حياته التي غادرها ، فهو لا يحاسب بعد خروجه من الجسد (فلا حساب إلا يوم الحساب) ولكن تسأله ملائكة موكلة بسؤاله عن إيمانه وديونه في حق البشر ، وهو قوله رسول الله ، "ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسئل" ، وبناء على إجاباته سوف يتحدد له مواصفات نشأته التالية .

ولا عجب في تكرار الحياة في نشآت مختلفة سواء لرد الديون أو لتحسين النتيجة (المجموع) قبل يوم القيامة ، وهنا يجب أن نتذكر أمرين في منتهى الخطورة أولهما أن ففطرة البشر تميل للإنكار خاصة في المواقف العصيبة المفاجئة ، ولذلك فمن المهم جدا ومن الذكاء أن يعتاد الإنسان أن يكون صادقا مهمت حدث في الدنيا ، لأنه لن يفعل إلا ما اعتاد عليه في حياته ، وثانيهما .. أن الإنسان عادة يحرص على التشبث بأسباب أخطائه واختلاق الأعذار لما ارتكبه ، فبعضنا يقول لو خلقني الله غنيا لفعلت كذا .. وكذا ، وآخر يقول لو خلقني كافرا أو ملحدا لآمنت بالله دون رسل أو منذرين ، وغيره يقول لو خلقني الله في عهد الرسل لكنت أهدى منهم ، وامرأة تقول لو خلقني الله رجلا لكنت فعلت كذا وكذا ، ولذلك لا يترك الله لعبده الفرصة ليفترض ويدعي بغير علم ، بل يقطع عليه الطريق للأعذار والحجج ، أو كما يقول سبحانه "حتى يأتيني وليس له علي حجة" ، فيمنحه الفرص متتالية ليأتي للدنيا في كل صورة يمكن أن يدعيها ، ويجعل حسابه في الآخرة مسجل في كتاب .. {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14، وكل صفحة منه هي ميزان لحياة (نشأة) عاشها وغادرها بكل حسناتها وسيئاتها ، ويصبح حسابه هو تقييم متكامل لموازينه المتتالية .. فيقول فيه سبحانه .. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }المؤمنون102 ، {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ }المؤمنون103 .

ولا شك أن ما نسمعه ونقرأ عنه من أساطير ما يسمونه بالتناسخ وتكرار الحياة بصورها الأسطورية المنتشرة بين بعض الديانات كالهندوسية هي ظلال أسطورية توارثها البشر عن حقيقة عودة الإنسان للحياة في صور وآجال مختلفة متكررة عبر أجله المسمى عند الله ، وهذا هو سر توقف كل منا أحيانا فجأة أمام مكان أو أشخاص بعينها وكأنه يعرفهم منذ زمن بعيد ، وهو لا يدري كيف ومتى ، بل وهناك أمثلة لأناس تذكروا حياتهم السابقة كاملة ، وأرشدوا عنها بكل تفاصيلها الهامة والواضحة وما زالت تحير العالم ، والتي تعرض لها وسردها كثير من الكتاب في العالم مثل أنيس منصور الذي ذكر تفصيلا دقيقا لحالات مماثلة بل وخصص لها كتابا خاصا أسماه "أرواح وأشباح" ، ومن المعتاد أن مراحل عملية (النشأة الجديدة) والتي تبدأ بدخول النفس لجسد جديد تقضي فيه خمسة شهور داخل رحم أنثى جديدة ، تمحو تماما ذاكرته عن حياته السابقة ، ولا يبقى منها إلا ومضات بصور خاطفة يشاهدها كأنها أحلام أو رؤى لحظية في ظروف المواقف الشديدة كالمرض أو مراحل معينة أو مستويات خاصة جدا من عملية من النوم أو الإغماء أو الغيبوبة ، وتزيد حالة النسيان وفقدان الذاكرة لحياته السابقة كلما ازدادت قدرات جسده الجديد وقدرته على استخدامه بزيادة عمره فيه ، ولذلك يزداد عجب الإنسان أمام سلوكيات الأطفال تحت سن الثالثة ، والتي كثيرا ما توحي بأننا أمام نفس واعية وسبق لها ممارسة الحياة من قبل ، ولكن قدرات جسد هذا الطفل لا تسمح له بأن يسرد شيئا مما لا يزال باقيا في نفسه من حياته السابقة ، ولا يبقى منها معه في حياته إلا ما كان قد ترك علامة نفسية كبيرة لا يمحوها المتغيرات ، مثل خوف بعض الأطفال الشديد من المياه ، أو كراهية بعض الأطفال لأشياء أو أشخاص بعينها دون وجود أسباب منطقية .

ولا شك أن عملية الإنشاء للنفس داخل الجسد الجديد هي عملية إبداع رباني دقيقة وخطيرة ولها تفاصيلها التي لا يقدر روعتها ودقتها إلا الله ، فالكون كله منظومة واحدة ، فمثلما .. تتأثر حياة الإنسان الزوجية .. بأحداث أول أيام الزواج بشدة ، وكذلك .. تتأثر حياة الجندي بأحداث أول يوم له كجندي مقاتل ، كذلك هي النفس التي تتأثر بما يحيط بها من أحداث وظروف في لحظاتها المهمة والرئيسية مثل أول يوم يدخل فيه للجسد ، ولكننا لا نستطيع تحديدها بدقة ولكننا نستطيع تحديد لحظة وساعة ويوم الولادة ، وسوف تجد اختلافا كبيرا بين من يولدون في الصيف ومن يولدون في الشتاء ، وكذلك بالليل أو النهار ، فالنفس تتأثر جذريا بظروف الكون لحظة إنشائها لأول مرة في هذا الجسد الجديد ، والتي من الصعب جدا رصدها بدقة ، ولذلك نحن لا نملك إلا الأسهل وهو رصد لحظة الولادة ، والتي هي أيضا يتم فيها استكمال تأثيرات الكون من حول المولود على خطوط نفسه وجسده العريضة ، ولكن هذه الخطوط العريضة تتأثر بآلاف المؤثرات الأخرى ، وعلى رأسها حالة النفوس من حوله وظروفها البيئية المحيطة ، وكذلك تعامل المحيطين بهذه النفس وتباينات نفوسهم وتأثيراتها عليها ، وكذلك حالة جسده الصحية وتأثيرات الأشعة الكونية عليه ، ولكن يبقى في النهاية ملامح مشتركة لمواليد نفس الساعة ، ونفس اليوم من الشهر ، وتقل قليلا بين مواليد نفس الفترة الشهرية التي يسمونها (البرج) ، ثم أقل بين مواليد نفس السنة ، ثم أقل كثيرا بين مواليد نفس الفترة أو الجيل .

وببساطة يجد الإنسان نفسه في النهاية مسيرا لا قدرة له على الاختيار فيما يعتقده أو يتخذه من قرارات ، فكل ما يحيط به من معطيات وأحداث وقيم تجبره على نوعيات محددة من الاختيارات ، وكلها بيد الله وحده ، ولذلك لا يحاسب الله خلقه على أعمالهم ولكن يجازيهم عليها بنواياهم ، فيقول .. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، والنفوس حقيقة .. لا تملك إلا النوايا ، ولذلك تقول كل الكتب السماوية السابقة ما يشرحه رسول الله خاتم المرسلين بقوله .. (إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى) … وليس ما عمل ، لأن العمل هو مقدرات مكتوبة ومدبرة بمشيئة الله وحده ، كما أنه سبحانه وتعالى يحاسبنا دوما بالرحمة ، وليس بالعدل ، فنيتك الطيبة تؤجر عليها بحسنة وتلك هي المرة الوحيدة التي يحاسبنا الله فيها بالعدل لأننا لا نملك التحكم في سواها ، فإذا شاء الله أن تتحقق نيتك ، جعلها الله بعشرة حسنات وتلك رحمة من الله ، وأما النية السيئة التي لم تحدث (كفعل) فيكتبها الله بحسنة وتلك رحمة أخرى إضافية ، فإذا تحققت كتبها الله بسيئة واحدة وتلك رحمة ثالثة من الله فالمفروض كتابتها بعشرة كالحسنة ، فالله يعامل خلقه وعبيده ثلاث مرات بالرحمة ومرة واحدة بالعدل ، ولكن في مجموعها يعاملنا الله برحماته التي تعادل أضعاف عدله .. بتسعة عشرة مرة ، الرحمة = (19 ضعف) العدل ، وهو ما يقوله سبحانه .. { .. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }الأعراف156 .

فرحمة الله بعباده وخلقه أكبر من رحمة الأم برضيعها ، وهو ما يتعمد كثيرا من رجال الدين والمشايخ والعلماء في مختلف الملل والأديان أن يتجاهلونه من رحمة الله ، حتى يظلوا خائفين مرعوبين ويسيطر عليهم الهلع من الموت والحساب ، فيشترون صكوك الغفران بمختلف الوسائل والأثمان التي يصل معظمها لجيوب تجار الدين ، ويحتفظ تجار الدين بمكاناتهم وجلالهم بين الناس ، وكفانا أن نعرف قوله تعالى لنبيه "موسى" يوم بكى موت أخيه هارون ، "يا موسى يوم يموت عبدي فإني لا أنظر إلى ذنوبه ولكني أنظر لضعفه بين يدي" ، وحديث رسول الله الذي أعتقد بصحته .. "لو علم الناس قدر عفو الله ومغفرته لبغوا في الأرض" ، وأمام هذا الحديث يقف العبد خاضعا خاشعا ، ولا يملك إلا أن يكرر مقولة خاتم المرسلين يوم سئل لماذ تتورم قدماك خضوعا لله ، وهو قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال .. "افلا أكون عبدا شكورا" ، جعل الله كل خلقه من البشر جميعا من الشاكرين الصابرين السابقين المقربين أصحاب الـ " روح وريحان وجنة نعيم" ، والله على ذلك قدير .. وهدانا سبحانه وتعالى لما يحبه ويرضاه ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *