استعرضنا من قبل ماذا فعل الضلال بنفوس البشر ، وكيف صنعت بينهم من عداء وتربص وفساد ، حتى أصبحت مؤمراتهم لتصفية بعضهم بعضا يعتبرونها وطنية ومجدا قوميا ودينيا ، ورأينا أن تزوير المفاهيم تسرب حتى للحقائق العلمية والكونية ، فزوروا حقيقة خلقهم وتجاهلوا علوما أنزلها خالقهم لتعينهم على أداء العبادة الحقيقية وهي مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها وهي "إعمار الأرض كخلفاء لله عليها" ، وكان أبرزها حقيقة خلق الإنسان وكونه مجرد نفس فقط ، يمنحها الله جسدا حيا لتمارس بواسطته حركة الحياة لأجل محدد عند الله ، فإذا انتهى الأجل استرد الله الروح التي تحيي الجسد ، فتفقد النفس (مطيتها) وهي وسيلة التعامل مع الحياة على الأرض ، ثم يتوفى الله هذه النفس لينشئها سبحانه نشأة جديدة تتوقف طبيعتها على نتائج أعماله في حياته التي غادرها .
ولكن .. ما هي طبيعة العلاقة بين النفس (أصل الإنسان) وهذا الجسد الذي تحيا به وتتعامل به مع حركة الحياة ، وتلك هي أهم وأخطر الموضوعات التي سقط البشر فيها في مستنقع الخرافات والأساطير ، رغم التقدم العلمي الكبير في علوم البيولوجي وعلى رأسها مكونات جسد الإنسان ، هذا الجسد الذي يعد من أعقد وأدق وأعظم الأجهزة الموجودة في الكون ، فجسد الإنسان ماكينة شديدة التكامل والدقة والإبداع ، ويكفي أن نعرف أن هذه الماكينة تستفيد بأكثر من 99% من المواد التي تدخلها من غذاء وشراب وتنفس لتحولها لصور مختلفة من المواد والطاقة اللازمة لحركة حياة الجسد ، بل ويقوم الجسد بصيانة وعلاج نفسه والحفاظ على مستويات صحته ، باستخدام أجهزة (كهرو- كيميا – ميكانيكية) ، وتسيطر النفس على هذا الجسد من مركز القيادة المتقدم في الجمجمة .
فالنفس تدخل الجسد من مركز قيادته (المخ) ، والذي يتكون من ـكثر من ستة مليارات من الخلايا المخية ، المتصلة بأضعافها من الوصلات (الشعيرات) العصبية التي تنقل الإشارات الكهربية "الأليكترونية" الدقيقة والفائقة السرعة ، والتي تتيح للنفس التحكم في مختلف أجزاء الجسم الإرادية ، حيث يتكون الجسد من أجزاء يمكن للنفس التحكم فيها ، وأجزاء ومكونات لا تتحكم فيها النفس (أصل الإنسان) مثل الجهاز الدوري والقلب والجهاز الهضمي والتنفسي والعصبي والعظام وإعادة بناء الخلايا وصيانة أجهزة الجسم وهي ما نسميها (أجهزة دعم الحياة) ، وتتحكم النفس في وسائل الإحساس والتعامل (الإدخال والإخراج) كالسمع والبصر والشم واللمس والحركة والكلام ، وحتى هذا التحكم محكوم بدقة ونجاح أجهزة دعم الحياة "اللارادية" في تنفيذ عملها
فالنفس تشعر بكل جزء وخلية في الجسد بواسطة مستشعراتها العصبية الدقيقة ، وتتجاوب معها بدقة وسرعة مذهلة ومعظمها .. يتجاوب نظام التكامل الجسدي معه تلقائيا دون تدخل النفس ، خاصة ما يتعلق بدعم استمرار حياة الجسد أو حماية الجسد من المخاطر ، وتتزايد دقة ردود الأفعال بزيادة مهارات النفس في السيطرة ، والذي نعرفه دوما بالمصطلح القاصر "التوافق العضلي العصبي" ، وهو في حقيقته توافق "نفسي عصبي عضلي" ، لأنك لو مطلوب منك أن تضرب كرة بقدمك ، فهناك ثلاثة عوامل رئيسية تتحكم في هذا الفعل ، أولا قرارك النفسي القاطع والغير متردد ، والذي تصدره بدقة للمخ فيصدر بدوره إشاراته العصبية اللازمة الموقوتة لأجزاء محددة من خلال خطوط عصبية معينة ، وأخيرا دقة وسرعة معدلات استجابة العضلات لإشارات المخ ، ناهيك عن سلامة مختلف الخلايا والأجهزة والغدد الأخرى الداعمة لتنفيذ هذا الأمر ، ولنا أن نتخيل أن ضحكة واحدة تحرك حوالي 40 عضلة في الوجه ، وبالتالي فبدون وجود النفس ووعيها ، فلا وجود للإنسان مهمت كان الجسد حيا وسليما ، فالنفس هي الأصل وهي القائد والمسيطر والمستخدم لهذا الجسد ، الذي لا يمثل سوى "مطية" تقودها النفس لتمارس به حركة الحياة .
ولا شك أن للنفس قدرات عظيمة على رؤية النفوس الأخرى بلا رتوش أو خداع ، فترى طفلك يألف بعض الناس من أول لقاء معهم ، ويصرخ ويتجنب أشخاصا بعينهم حتى ولو كانوا من المحيطين به ، فهو يرى حقيقة مشاعرهم تجاهه ، ويرى بوضوح تناغم نفسه أو تنافرها مع هذه النفوس التي ينفر منها ، وعادة بتقدم الإنسان في العمر وتجاوزه مرحلة الطفولة والبراءة ، يزداد اعتماد الإنسان على حواس جسده الخمسة التقليدية وهي البصر والسمع والشم والتذوق واللمس ، إضافة إلى أحاسيس أخرى مثل الألم والتوازن وإدراك الحركة (الشعور بتسارع الأشياء) والشعور بالوقت والشعور بالإتجاه (القدرة على إدراك التحول في المجال المغناطيسي)، وهي حواس جسدية تحافظ على سلامة وصحة الإنسان وتمكنه من التعامل مع معطيات حركة حياته ، ولكن كل هذه الحواس تعتبر لا شيء مقارنة بقدرات النفس الحقيقية التي يطمسها ويخفي وجودها كثرة الاعتماد على حواس الجسد الملموسة ، فالنفوس بمجرد دخولها للدنيا تكون قادرة على قراءة النفوس الأخرى بدقة ، خاصة فيما يتعلق بحقيقة مشاعر وتفاعلات النفوس مع بعضها ، مثل السعادة والحب والفرح والحنان والاندهاش والإعجاب والغضب والخوف والحزن والإحباط والكراهية والحقد والاحتقار ، ولكنها لا تمتلك القدرة على التعبير عنها بواسطة قدرات الجسد إلا تدريجيا.
ولا ندعي كذبا لو قلنا أن كل ما تراه النفس أثناء وجودها خارج الجسد بسبب "للنوم – الإغماء – الغيبوبة" هو حقائق ، ولكن كيف رأتها وأين ، فأنت مثلا عندما ترى فيلما ليس معناها أنك عشت أحداثه ، ولذلك ترى النفوس بعض الأحداث في الكون ، منها ما هو متعلق بحياتها داخل الجسد ، وكثير منها لا علاقة للنفس به مطلقا سواء في وجودها في الجسد أو خارجه ، وأنواع ما تراه النفس في منتمهت ثلاثة رئيسية ، أولها الرؤية الصادقة ، وثانيها رغبات وشهوات النفس التي تتوق لتنفيذها ، وثالها أضغاث الأحلام لا علاقة لها بحياة الإنسان ، وتنقسم الرؤية الصادقة لأنواع ثلاثة ، الأول منها ما يأتي واضحا يتحقق بعدها كما رأيته تماما بكل تفاصيله ، والثاني ما تراه من وراء حجاب بمعنى أن يكون رمزيا مرتبط بمعان الأشياء في حياة الإنسان ، والثالث ما تره متداخلا مع أحداث وأشياء أخرى لا تعرف معناها .
النوع الأول من الرؤية الصادقة هي رؤية صحيحة حقيقية لأشياء كتب الله حدوثها بعد فترة ، وسمح الله لك أن تراها لتكون مستعدا لتقبلها عندما تحدث ، وهي مصداقا لقول الله تعالى في سورة السجدة ، {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، فكل ما يحدث على الأرض قد كتبه الله قبل لحظة حدوثه بخمسمائة سنة ، وتحمله الملائكة حيا (صوتا وصورة) من اللوح المحفوظ إلى الأرض في مدة مقدارها خمسمائة سنة ، ثم تعود الملائكة لتبلغ تمام حدوثه صعودا (تعرج) في خمسمائة سنة أخرى ، لتتم دورة حدوث الأمر في ألف سنة مما نعد ، ويشاء الله لنفس أن تتواجد في مكان ما ، فترى الأمر وهو في طريق نزوله قبل حدوثه ، أو في دريق صعوده بعد حدوثه ، وهنا تتفجر أسئلة كثيرة ، أهمها .. إذا كان الله كتب على كل مخلوق كل ما سوف يفعله ، فلماذا يحاسبه وعلى أي شيء يحاسبه ، والإجابة بسيطة وأجابنا الله عليها بقوله .. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، ولأن النفوس لا تملك إلا النوايا ، فالله يحاسب البشر على نواياهم فقط ، ويؤكد هذا رسول الله بقوله .. "إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى" ، وليس ما عمل ، ومن رحمة الله أن يجري الخير على أيدي أصحاب النفوس الخيرة ، والشر على أيدي النفوس صاحبة النوايا السيئة ، وهذا لا يمنع أن تنتوي خيرا فينقلب شرا مرة أو مرات ، وهذا من أجل أن لا تنسى أن الله هو صاحب الأمر ، ولا تغرنك نفسك فتظن أنك صاحب الخير والأمر فيما تفعله .
وعادة ما تنسى النفوس رؤياها الصادقة ولا تتذكرها إلا لحظة حدوثها الحقيقي ، فيقول صاحبها ، ما يحدث الآن قد رأيته أو عشته من قبل ، وقد يتذكر أنه رآه في منتمه وقد لا يتذكر ، وعادة ما تأتي الرؤى الصادقة لكل الناس دون استثناء ولكن لها شروط أساسية تضمن تحقيقها وتكرارها ، وأولها أن تكون النفس أمينة مخلصة فيما تؤمن به ، وثانيها الطيبة والصفاء فنادرا ما ترى النفس الشريرة رؤيا صادقة ، وتكثر الرؤى الصادقة مع البنات والنساء الخفيفة النفس الطيبة الودودة ، وتندر مع أصحاب النفوس الماكرة والخبيثة والثقيلة والشريرة .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر

