استعرضنا من قبل ماذا فعل الضلال بنفوس البشر ، وكيف صنعت ضلالاتهم من عداوات بين بعضهم البعض ، فتنتشر بينهم الفساد والإفساد والقتل والتصفية بمعتقدات فكرية دينية بحتة ، وكيف أحخفوها تحت شعارات براقة مخادعة وكاذبة ومدمرة بنيت على أسس الجهل بحقيقة الخلق ماضيه وحاضره ومستقبله ، فقط لأنهم صدقوا بشرت منهم وكذبوا خالقهم أو تجاهلوا ما أنزل إليهم من علوم متكاملة في قرآنه العظيم ، الذي لا يستطيعون تكذيبه ولكنهم يجحدون بآيات الله التي يعرفون صدقها ودقتها المتناهية .. {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }الأنعام33 ، والأغرب أن من يجحدون فهم حقائق آيات الله في قرآنه العظيم هم علماء ومشايخ المسلمين ، لأنه يهدم سلطان الكهنوت الذي صنعوه بضلالاتهم المتوارثة عبر الأجيال .
والمتفكر جيدا في آيات الله تعالى في علوم الخلق لابد وأن يتوقف عند أكثر من (300) ثلاث مائة آية تتحدث عن خلق الله للنفس وأكثر من ضعفها تتحدث عن خلق الإنسان كاملا بجسده ، وكلها آيات تفسر بعضها بعضها ، والعجيب ـن عدد هذه الآيات تعادل أضعاف آيات الفروض والحدود والمعاملات التي ألفنا فيها ملايين الكتب ـ رغم أن الخالق العظيم أنزلها ليمنع ابن آدم أن يسقط في براثن الجهل بتخيلانه وظنونه فيما لا يعلم عنه شيئا ، وهو حقيقة خلقه ، وفيها يؤكد سبحانه وتعالى أن اصل الإنسان هو "نفس" خلقها الله متفردة في صفانها وقدراتها ونوازعها ، وأن الأصل في خلق النفوس أنها وحدة متكاملة لا ذكر فيها لا أنثى ، وأن الله شطر النفس الواحدة لشطرين كمتطلبات الحياة في الدنيا ، حيث بنى سبحانه وتعالى الدنيا على ركيزة الضعف والاحتياج ، فيصبح كل شطر محتاجا للتكامل مع نصفه الآخر ، ثم منح كل شطر من النفس جسدا من مادة الأرض تحييه الروح والتي هي سر إحياء الجماد ، ولا علاقة للنفس (أصل الإنسان) بالروح مطلقا ، إلا أن الروح تحيي الجسد ليكون صالحا لسكن النفس فيه واستخدام النفس له في ممارسة حركة الحياة .
فالنفس (أصل الإنسان) تقود الجسد تماما كما تقود سيارتك ، وتسيطر عليه من مركز قيادة الجسد (المخ) ، وعن طريق المخ (في جمجمة الرأس) تدخل النفس للجسد الحي ولا تستطيع دخوله إلا لو كان أولا جسدا حيا (فيه الروح) ، وثانيا تتطابق شفرة الجسد مع شفرة النفس التي تريد دخوله ، وإلا لوجد كل منا نفسه في جسد مختلف عند العودة من النوم يوميا ، ولكن هذا النظام صنعه الخالق المعجز ، وهناك قارق رهيب بينك أنت صانع السيارة والخالق الأعظم هو مبدع خلق الأجساد ، والذي هو قمة الإعجاز في خلقه الدقيق ، وكذلك النفس في توافقها وتآلفها مع الجسد ، لدرجة أن الإنسان يفقد القدرة على التمييز بينه كنفس (أصل الإنسان) وبين جسده الذي يسكنه بالإيجار لفترة محددة ، وإيجاره بإطعامه ونظافته وتدريبه وتقويته وإراحته وعلاجه فجسدك أمانة عندك ولا حق لك في إتلافه أو تدميره .
وتسبب روعة ودقة التوافق بين النفس (أصل الإنسان) وجسده الممنوح له إلى عدم إحساس النفس بالفارق بينها وبين الجسد الذي تستخدمه حيث أن النفس تمارس به حركة حياتها وتشعر بواسطته بكل الانفعالات في حياتها بل ويستجيب الجسد بتفاعلاته الكيميائية والميكانيكية والكهربية لهذه الانفعالات ، فلا تستطيع النفس التفريق بينها كنفس قائدة ومسيطرة وبين هذا الجسد الذي هو مجرد مطية ووسيلة تعامل مع الحياة فقط ، وذلك هو أهم وأخطر أسباب الضلالات التي دفعت ابن آدم للسقوط ضحية ظنونه وخيالاته لتمجيد وتقديس الجسد وتأليف أساطير حول حياة النفوس في نفس الأجساد بعد الموت ، ومنها أساطير وتخريفات حياة القبور ونعيمها وعذابها التي بدأت بأساطير الرومان وعشتاروت آلهة الحب والجمال والخصوبة وغضبها وقتلها لأودينيس وتعذيبها له في قبره ، ومن ثم انتقالا لنعيم وعذاب القبر والثعبان الأقرع لدى المسلمين .
وتتواجد الروح ف الجسد قبل تكوين الحيوان المنوي في الرجل ، وكذلك تكوين البويضة في مبيض المرأة ، ولا إحساس لبشر بدخولها لتحيي هذه المكونات لنواة تكوين جسد الإنسان لأنها أجزاء تتشكل في مصانع حية في جسد حي ، ولا يحدث تلقيح مطلقا لو لم يكن كل من الحيوان المنوي والبويضة أحياء (فيهما الروح) ، ويستمر النمو والانقسام وتكوين جسد الإنسان في رحم المرأة ما دامت الروح موجودة في هذا الجسد الجديد وتستمر متواجدة في هذا الجسد الجديد حتى نهاية أجله على الأرض ، وعند اكتمال جسد الجنين خلال 120 يوما أو الأربعة أشهر الأولى بمراحل نموه ، يصبح الجسد مستعدا لاستقبال النفس لتستخدمه ، فيأذن الله للنفس أن تدخل هذا الجسد في أروع عمليات الخلق والإبداع على الإطلاق ، والتي يسميها سبحانه وتعالى "إنشاء" و "نشأة" .. فيصف العملية بدقة في قوله تعالى .. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، فيكون نتاج (الإنشاء) بدخول النفس للجسد مخلوقا جديدا مختلفا عن كل مراحل (أطوار خلقه) السابقة ، حيث أصبح المخلوق الجيد (إنسانأ بشرا) جديدا ، ليبدأ رحلة التدريب على استخدام هذا الجسد الجديد لمدة خمسة أشهر كاملة في رعاية كاملة داخل رحم الأم ، وتعرف الأم جيدا لحظة دخول النفس الجديدة للجسد المتكون في رحمها ، ويعرفه العلماء ببدء الحركات الإرادية للجنين ، والتي تتسم بالعشوائية الغير منتظمة مقارنة بما كان عليه نبضه وموجاته الكهرومغناطيسية المنتظمة قبل دخول النفس .
ولا تستطيع النفس الاستمرار في حبستها طويلا داخل هذا الجسد المحدود بقدراته الضعيفة ، ولا يستطيع الجسد أن يتحمل النفس ورغباتها واستهلاكها للجسد طويلا ، وذلك خلال شهور الحمل الخمسة الأخيرة ، فتدخل النفس لهذا الجسد لدقائق متفرقة في اليوم ، ثم تتركه فتهدأ حركة الجنين لفترات خلال في اليوم ، ونلاحظ أن النفس ما زالت متخوفة وغير معتادة على الجسد ، فعندما تتعرض الأم لصدمات جسدية أو مشاجرات خلال هذه الفترة ، تهرب النفس الجديدة من الجسد سريعا ربما تغيب لأيام ، وتطول فترات غياب النفس إذا تعرض الجسد الجديد لصدمات مباشرة ، وقد تفقد النفس هذا الجسد ، فتفقد فرصتها للحياة بواسطته ، وذلك عندما يتلف الجسد فيقولون مات الجنين .
ويستمر تكرار دخول وخروج النفس للجسد الذي تستخدمه طوال حياة النفس (في هذا الجسد) ، حيث تترك النفس هذا الجسد يوميا ولو مرة على الأقل ، حتى ترتاح النفس من حبستها فيه ، ويجد الجسد الحي فرصته ليعيد صيانه ما تلف من أنسجته وأجهزته نتيجة سوء استخدام النفس له ، ولذلك نلاحظ أهمية زيادة ساعات النوم لدى الأطفال حيث يحتاجون لساعات نوم طويلة لاستكمال بنتء الجسد ونموه ، ثم للمرضى لإعطاء الفرصة للجسم ليعالج ما تلف من أجزاءه وخلاياه ، ولا غنى لنا جميعا عن النوم يوميا ليعيد الجسد صيانه أجهزته وخلاياه ، وتستريح النفس من عناء حبستها في هذا الجسد المحدود القدرات مقارنة برغبات وشهوات النفس ، ولذلك نلاحظ زيادة ساعات النوم لدى من يعانون نفسيا من عدم التأقلم مع البيئة المحيطة به ، فالنوم عملية موت كاملة ولا تختلف عن الموت مطلقا ، سوى أن النفس تستطيع أن تعود وتدخل الجسد مرة أخرى من النوم ، وهو بخلاف الموت حيث لا تستطيع النفس العودة للجسد مرة أخرى ، وذلك لعد قدرتها على دخول جسد ميت بعد استرداد الله لسر الإحياء للجسد (الروح) ، وهو ما أشار إليه سبحانه بقوله .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42، ولكن لحظة الموت تشهد حدثين كبيرين ، أولهما استرداد الله لسر إحيتء الجسد (الروح) بواسطة ملك الموت ، ثم استقبال الملائكة للنفس التي فقدت جسدها لتبدأ النشأة الأخرى التي يقول عنها سبحانه في سورة النجم .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 وهي ليست النشأة الأخيرة ليوم القيامة لأن الله يقول عنها .. {.. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، وهذه النشأة الجديدة يؤكد سبحانه أننا لابد أن لا نعرف عنها شيئا ونحن أحياء بل ويصفها بأنها مثل النشأة التي نعرفها جميعا وتتكرر كل يوم لو تذكرنا وذلك بقوله تعالى في الواقعة .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
