في حركة مسرحية تكررت مرارا على مدى سنوات تاريخ الربيع العبري ، ظهر منذ أيام في الغرب الليبي "برنارد هنرى ليفي" والملقب دوليا وعربيا بـ "عراب الخراب " ، وهي ليست المرة الأولى الذي تدعوه ميليشيات "إخوان المسلمين الماسونية" ، فقد استقبلوه في 2011م في ليبيا إعلانا لانتصار التخريب بعد مقتل القذافي ويومها كان قادما من ميدان التحرير بالقاهرة عندما ظنوا أن مصر قد انزلقت هي الأخرى في مستنقع الخراب بلا عودة ، وقد اكتسب لقبه هذا بسبب ارتباط ظهوره في أي بلد بتقسيمها وخرابها وتشريد شعبها ، فقد ظهر في السودان قبل التقسيم مباشرة ، وظهر من قبل في البوسنة والهرسك وكذلك في أوكرانيا ، وكان الممكن أن نصدق أنه مناصر لحركات التحرر والديموقراطية في العالم ، لولا أن هذا البرنارد هنري عندما زار إسرائيل ظهرت كراهيته الشديدة لكل ما هو ليس يهوديا ، وادعى أن الجيش الإسرائيلي هو أقوى جيش ديموقراطي في العالم ، وما زال ترشيحه لرئاسة إسرائيل قائما .
ولظهور برنارد ليفي في أي دولة دلالاته الخطيرة ، فهو يظهر لأسباب بعينها ، إما أن يكون يظهر بأوامر محددة من جهاز المخابرات الذي يعمل لصالحه (بريطاني – أمريكي – فرنسي – إسرائيلي) وهو يظهر إما لتعجيل أو تصحيح خطوات التخريب ورفع الروح المعنوية للميليشيات ، أو يظهر ليضع أو يلقن ويتفق على خطوات إنقاذ على الأرض للميليشيات التي تعاني وضعا حرجا وخطيرا ، أو يأتي لبث نوعا من الفكر والتوجه السياسي الخطير في المنطقة تمهيدا لعملية تقسيم مخطط إعلانها قريبا ، وأحيانا يأتي لتثبيط الروح لدى الشعوب المستهدفة فقط ، وغالبا ما يكون أهداف إرساله لأي منطقة متعددة ، ومتدرجة في خطوات محسوبة بواسطة أجهزة المخابرات التي تديره وتدفعه وتموله وتنظم له زياراته .
والجواسيس من نوعية "برنارد ليفي" هم نوعية خاصة من البشر ، يتم تربيتها وتدريبها بعناية على مدار عقود طويلة للقيام بأدوار عديدة ومتنوعة كالتفتيش والوساطة والمراقبة والسمسرة وهي دوما مهام لها دورا إعلاميا ودعائيا أكثر منها سياسية أو عسكرية ، فهو ليس سياسيا محنكا ولا عسكريا فذا ، وأقصى ما يمكنه القيام به هو حمل رسائل محددة أو القيام بدور السمسرة بين الجماعات والميليشيات وشركات السلاح لصالح أهداف ماسونية محددة ، خاصة وأنه ليس أكثر يهودي فرنسي ولد في الجزائر وهاجرت عائلته لفرنسا وهو طفل صغير ، وتعلم الفلسفة في الجامعة الفرنسية بمنحة ماسونية ، وعمل مدرسا ثم كاتبا وصحفيا ، يناصر أية حركات تمرد وتخريب وتقسيم لأي بلد في العالم ، خاصة لو كانت عربية أو مسلمة وأحيانا بأوامر لمهمة خاصة مثل ظهوره فجأة في أوكرانيا لتأجيج الاحتجاجات ضد روسيا .
ويعد ظهوره مؤخرا في ليبيا من أغبى الحركات التي سقطت فيها الماسونية مؤخرا ، لأن ظهوره أزال أي خلاف بين القبائل التي ما زالت تذكر ظهوره السابق المرتبط بهدم الدولة الليبية ، فوحد ظهوره صفوفهم كما لم يسبق من قبل ، كما افصح عن الوجه القبيح للماسونية المتمثل في التراخي والتغافل الأوروبي والأمريكي المستتر تحت عباءات التهدئة السياسية ودعوات وقف إطلاق النار الهزلية ، ولا تتورع الدول الأوربية عن الإداء بدلوها في المهزلة الليبية بمنتهى الخداع والخبث ، فأطماع أوروبا في البترول الليبي كبيرة ومتزايدة ، ولكنها لا تخلوا من صراع "أوروبي _ أوروبي" ، فهم لا يمانعون من سيطرة قردوغان التركي على بترول ليبيا مع ضمان مكاسبهم في صفقة النهب الدولية التركية ، وكل ما يفعلونه من تهدئة هي مجرد مؤامرات ومناورات تأخير للوصول لاتفاق نهائي ملزم مع تركيا في نسب توزيع الأنصبة بين اللصوص ، ولا يخفى هذا على عاقل أو متابع لحركات السيطرة والنهب التي تمارسها دول أوروبا حتى اليوم في مختلف بلدان العالم الثالث ، خاصة في إفريقيا .
ولا مانع أن تكشر فرنسا عن أنيابها بعملية عسكرية مشتركة مع مصر ، ولو تحت عباءة المناورات المشتركة تظهر فيها العين الحمراء لقردوغان ، فهم يعرفونه جيدا ، لا يفهم ولا يحترم إلا من هو قادر على إذلاله ، ولا مانع أن تلك المهزلة السياسية والإعلامية التي تمارسها أوروبا في مواجهة مخططاتهم المشتركة والتي تديرها بريطانيا وأمريكا وينفذها قردوغان حرفيا في ليبيا ، والتي تكشفها تصرفات يظن البعض أنها عادية ، مثل سرعة اتصال "ترامب" بالسيسي وإرساله قائد القيادة المركزية المشتركة في أعقاب استقباله لوفد القبائل والبرلمان الليبي وتحديده للخط الأحمر (سرت الجفرة) ، ثم تكرار اتصال الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشارة الألمانية ميريكل بالسيسي أكثر من مرة خلال أسبوع ، فهم يعرفون السيسي جيدا ، لا يقول إلا ما يفعله ، بل غالبا لا يقول إلا ما قام بفعله مسبقا ، وهم لا يريدون أن يفيقوا من نومهم على خبر سحق الميليشيات واستعادة الليبيون السيطرة على بلادهم ، ليخرجوا صفر اليدين من هذه المؤامرة التي بدأوها منذ عشرة سنوات ، وما زالوا فاقدين السيطرة على نتائجها المستهدفة .
ولا عجب أن نرى مؤامرات ومناورات مخابراتية متصاعدة ، سياسية وعسكرية واقتصادية مدعمة إعلاميا بواسطة وكالات الأنباء والفضائيات وصفحات التواصل ، والتي تتسم بالتصعيد المتواصل لتوريط مصر في أي مستنقع أو خطأ عسكري أو سياسي أو اقتصادي غير محسوب ، لتكون فرصة العمر للانقضاض على مصر وتحقيق ما فشلوا فيه ودفعوا ثمنه غاليا على مدار السنوات القليلة الماضية ، فما زالت مصر هي الجائزة الكبرى ، وهي حجر الزاوية وصمام الأمان للمنطقة والشرق الأوسط كاملا ، وهي العقبة الكنود في طريق الماسونية لتصفية شعوب المنطقة والسيطرة على ثرواتها ، حتى أن كثيرا من المفكرين والمراقبين في العالم يعلنون تباعا إشفاقهم على القيادة المصرية التي تواجه عدائيات متباينة ومتنوعة من مختلف الاتجاهات الاستراتيجية ، ومع ذلك فهي كما يقول المراقبون تمارس حالة من الهدوء والثقة تنعكس على شعبها بكثير من الطمأنينة والأمن ، التي تتطور في كثير من الإحيان لانعدام الشعور بوجود مشكلات أو تهديدات بالمرة ، بل تصل لحدود فقدان كثيرا من المصريين الإحساس بالواقع ونسيان الماضي القريب ، فترى الكثيرين يطالبون الدولة بمستويات وخدمات تفوق الدول العظمى و المتقدمة ، متجاهلين كيف كانت الأحوال منذ خمس سنوات ، ومتناسين وأن مصر ما زالت تجاهد من أجل تثبيت أركان وجودها وحماية حدودها واستقرارها وأمنها القومي .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
