هرتلات سياسية … بقلم : جمال عمر


السياسة كما نواقعها .. هي لعبة محيرة لا قواعد لها سوى ملامح تناقضات النفس البشرية بكل اختلافاتها لدرجة تظهر للعامة وعلى السطح وكأنها الفوضى العبثية ، ولكنها في الحقيقة نوعا من الفوضى الخلاقة ، التي تسير في اتجاه واضح للعقول التي تعي ناموس الخالق في حركة الحياة ، وليس هذا كلاما فلسفيا وإن بدا كذلك ، ولكنه مجرد توصيف لمعنى لفظ السياسة بمستوياتها الزمانية والمكانية والاستراتيجية والإعلامية .وما نراه على الساحة الدولية والإقليمية اليوم تحركه أهداف استراتيجية عليا ، يديرها عبدة إبليس من قيادات الماسونية العليا بهدف بعيد المدى يتلخص في تصفية أكبر عدد ممكن من البشر ، لينفرد الأقلية الباقية بثروات وخيرات الأرض وحدهم ، وهو ما تم تسريبه من مؤامرة "المليار الذهبي" الهادفة لتصفية حوالي ستة مليارات من البشر من النوعيات الأضعف والمهمشة والجاهلة والمرفوضة عنصريا ، وتنتقل هذه الاستراتيجية للمستوى الأقل بأهداف أكثر تحديدا وتزويرا وعنصرية ، فالكاثوليك من اليهود والمسيحيين الممثلين في بابا الفاتيكان مقتنعون دينيا أن الأرض لابد تطهيرها من الكفرة (المسلمين والملحدين والمسيحيين من أي طائفة أخرى خاصة الأرثوذكس والممثلين في بابا البطريركية المرقسية المصرية وعلى رأس تابعيه مسيحيي مصر واليونان وروسيا .

وفي هذا الإطار تم تجنيد كل من تركيا وإيران وقطر حديثا كأذناب للماسونية في إضافة ضرورية لإسرائيل سابقا لحصار الشرق الأوسط من مختلف الاتجاهات ولذلك تجد الدور القطري منحصر في التمويل والحروب الإعلامية والمؤامرات الاقتصادية والسياسية ، وتتغلل تركيا عسكريا وعقائديا واقتصاديا في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن تحت ستار إخوان المسلمين "الماسونية" ، وكذلك توغل إيران عسكريا وعقائديا واقتصاديا في اليمن وسوريا والعراق وفلسطين ولبنان واليمن مع علاقات وطيدة وتعاون مع إخوان المسلمين كذلك ، ولا مانع من إعلان الأطماع الاقتصادية في ثروات هذه البلدان ، كنوع من المناورة الإعلامية القابلة للتصديق ، وفي النهاية عند تحقيق الهدف بإسقاط كل دول المنطقة وتقسيمها وتصفية شعوبها ، سوف تتفرغ الماسونية لكل من تركيا وإيران لتصفيتهم والتي سوف تكون أيسر بكثير مما يتخيل بشر "كما يقول برنارد لويس صاحب مخطط سايكس بيكو الثانية أو "الشرق الأوسط الجديد" ، لأن مقومات الهدم قد تم زرعها بعناية في تركيا وإيران منذ وقت طويل مضى ، ولامانع من التضحية بأمريكا مثلا في سبيل هدم الصين وروسيا وتوريطهم في حروب وأوبئة تمهيدا لتصفيتهم النهائية ولو بوباء عالمي يقتل الملايين في شهور أو أسابيع كما يعترف مدير المخابرات الأمريكية الأسبق ومن بعده مستشار الأمن القومي المعزول .

وفي المستوى الإعلامي من الاستراتيجية الماسونية حدث ولا حرج عن النوايا والتوقعات والاحتمالات والقدرات والتداعيات ، والتي كلها محسوبة إعلاميا بدقة لتؤدي الدور المخطط للوصول للأهداف العليا ، وذلك من خلال سناريوهات مخططة مسبقا ومخطط فيها كل الاحتمالات وأساليب مواجهتها للوصول للأهداف المخططة بأقل الخسائر واقل وقت ممكن ، فتعرض البلطجي التركي لمصر في ليبيا وهو غير قادر على مواجهتها شيء غير مقبول إلا لو كانت هناك فرصة لاستنزاف مصر وإنهاك القدرات المصرية بلا أدنى شك في تبعات كبيرة على المخطط الأكبر ، وهذا شيء بعيد المنال حاليا ، ولن تجرؤ تركيا على مواجهة مصر في ليبيا ، إلا لو كان هناك مخطط لمباغتة إسرائيلية من الشرق لاحتىل سيناء مرة أخرى وهي مغامرة قد تكلف إسرائيل مستقبل بقاءها للأبد .

أما عن الجنوب فتوغل إسرائيل وتركيا في أثيوبيا أصبح معلنا بوقاحة ، وتعاملت معه مصر بتجاهل مثير للجدل حتى وصلنا لإعلان أثيوبي صريح باستعدادها للتوقيع على كل ما تريده مصر شريطة وصول المياه لإسرائيل ، ولذلك تجد تركيا ترفع من قدرات تواجدها في أثيوبيا ، ومعها إسرائيل وتساندهم إيران في اليمن وخليج عدن ، وفي هذا الاتجاه تمارس انجلترا وأمريكا بواسطة تركيا وإيران وإسرائيل كثير من المؤامرات والتحركات المكشوفة وبدقة ، وربما احتمالات تحقيق الأهداف في هذا الاتجاه ضعيف جدا على المدى البعيد زمنيا خاصة في إطار التعامل الدقيق لمصر مع تطورات المشكلة منذ بدايتها ، وفشل الجميع في جر مصر لخيار عسكري تتمناه وتسعى له أثيوبيا طبقا لتعليمات لندن ونيويورك وتوجيهات تل أبيب .

ولا تقل لي أن إيران تعتبر عدوا لأمريكا وإسرائيل والصهيونية العالمية ، فإيران صهيونية أكثر من إسرائيل ، والمعابد اليهودية في طهران أكثر من مساجد المسلمين ، وإيران هي أكبر الدول استثمارا في المستوطنات اليهودية ، وآيات الله في إيران بالكامل من أصول هندية يهودية ، بل إن استثمارات إسرائيل في إيران بلغت أكثر من 50 مليار دولار في 2019م ، وما نراه من عداء ليس أكثر من إعلاما مضللا للاستهلاك الإعلامي وأساليبا كلاسيكية من الإخفاء للتعمية على حقائق العشق الإيراني اليهودي البريطاني ، ووسيلة ناجحة لمزيد من استنزاف الثروات الخليجية ، ومبررات قوية للتواجد في المنطقة والسيطرة على مقدراتها .

وأخيرا لابد وأن نتوقف لنسأل .. وأين مصر من كل هذا ، وما هي قدراتها لمجابهة كل هذه المؤامرات المتشعبة والداخلية منها قبل الخارجية ؟؟؟ ، وقبل الرد على هذا .. ببساطة .. فلنتذكر سويا .. ثورة الربيع العبري في مصر ، وأين كانت مصر بنهاية 2012م ، حيث كانت الماسونية العالمية قد وضعت خدامها الأوفياء على قمة حكم مصر ، واطمأنت أن الشرق الأوسط كاملا قد أصبح تحت السيطرة ، ورهن إشارتها ، فبدأوا مؤامرات التقسيم النهائية ، وبيعت سيناء بعقود موثقة لليهود ولدواعش أمريكا بأموال قطرية ، وبيعت القناة لبريطانيا بأموال قطرية كذلك ، وبيع الغرب المصري لبابا الفاتيكان كدولة مسيحية ، والجنوب المصري كدولة نوبية بأموال قطرية ، واطمأن الجميع ورتعوا في مصر ، ولم ينتبهوا لوجود قوى كامنة لم تقل كلمتها ، وفجع الجميع بكف القوات المسلحة المصرية تبطش في ساعات بكل مخططاتهم التي دبروها ونفذوها في أكثر من قرنين من الزمان ، وسقط كل شيء وخسروا كل شيء ن لدرجة أن ميريكل التي نراها اليوم متغزلة في عيون السيسي قد زرات مرسي العياط في محبسه خمسة مرات في أقل من سنة ، وسجلت هيلاري كلينتون تلك الفاجعة في كتابها "خيارات صعبة" .

فماذا حدث ؟؟ ، وما سر هذا التحول ووماذا وراء قدور الاحترام لمصر الظاهرة والمعلنة ، بل والاستجابة السريعة لكل طلبات مصر خاصة من نظ التسليح الحديثة والمتطورة ، وهنا نشير لاعتبار خطير لا يتغافل عنه إلا الحمقى والجهلة ، وهو أن القوى العظمى في العالم ما كان من الممكن أن تستجيب وترحب بالوافقة على طلبات مصر من نظم التسليح المتطورة ، إلا لو كانت مصر لديها من قوى الردع الأهم والأخطر ، والتي تؤكد أن مصر قادرة على الردع السلبي لكل القوى العالمية المتربصة علنا أو سرا ، وهذه الصفقات ليست أكثر من تحية واعتراف ومحاولة لكسب الثقة والود المعلن مع دولة قادرة وقوية ، رغم أن المعلن يقول غير هذا ، ولولا امتلاك مصر ما يردع الجميع ، لتكالبوا عليها وفتكوا بها مثلما فعلوا مع العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان وليست الصومال منا ببعيد ، وهو ما دفع السيسي يوما أن يقول بمنتهى الجدية والحسم "اللي هيقرب منها هاشيلة من على وش الأرض" ، وهو السيسي كما نعرفه ليس حنجوريا ولا مدعيا ولا يهوى الشهرة بقدر ما هو خلوق أمين لا يقول إلا ما هو قادر على فعله ، بل أحيانا لا يقول إلا بعد أن يفعل ، وهو ما يسبب الرعب والهلع لكل المراقبين والمتربصين .

ولو كنت من المتخصصين وأصحاب العقول الفارزة والواعية لما يدور حولها ، فيمكن أن تتابع وتقارن ما تدبره وتحرص عليه مصر خاصة في المجالين الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي ، وما يعنيه كل خبر بما تستهدفه مصر وما تسعى إليه على المدى البعيد ، خاصة لو كنت تعلم أن تكنولوجيا التسليح دوما تسبق العلوم المدنية بأكثر من خمسين سنة على الأقل ، وما تعلنه الدول منها لا يتدعى الإشارات والتلميحات ، ولكننا نعرف جيدا أن قدور الدول في العالم تقدر بمدى تقدمها التكنولوجي المخفي وليس المعلن للعامة ، وهو ما جعل من هتلر يوما يهدد العالم ، ويعيث فيه فسادا ، وهو يدفع اليوم قيادات الماسونية أن تحاول توريط مصر في حروب مفتوحة تستنزفها كما فعلوا مع هتلر ، مع اختلاف الزمان والمكان والظروف الدولية والجيوتاريخية والديموجرافية .

ولسنا في معزل بالطبع عما يدور في كواليس الماسونية من مؤامرات ومخططات سيطرة ، ولكننا لا نملك رفاهية المواجهة والتحدي لأنها سوف تؤدي لمزيد من المعاناة لشعب عاني طويلا عن التجريف والنهب انعدام ضمير حكوماته وقياداته ، ولذلك لابد أن يكون البديل هو احتراف ما لا تجيده القوى المتربصة ، من الأخلاق والحلم والشرف في إطار من القوة والحزم والحسم إذا لزم الأمر ، وتحمل الضغوط بمختلف مستوياتها وتداعياتها ، مع العمل الدؤوب على انتشال المصريين من مستنقعات الفقر والجهل والمرض ، رغم أن أصعب ما تواجهه القيادة الحالية هو أن فساد الأخلاق قد أصبح عادة مجتمعية متأصلة ، واجتزاز جذور الفساد أصبح أشد ضراوة وخطورة من مواجهة الإرهاب ، ولابد من التعامل مع الفاسدين على أنهم شرفاء حتى يثبت عكس ذلك ، من أجل نجاح عملية التطهير التدريجية الدؤوبة للتخلص من رؤوس الفساد المستفحلة التي تحمي تحتها ملايين الفاسدين بفقرهم وعوزهم وضعف نفوسهم .

أخيرا .. وفي زخم سباق الحياة من أجل الطعام والشراب وتلبية الاحتياجات لابد أن نتوقف كثيرا عند ما يجري في العالم الذي نحن اليوم جزءا منه ، قبل أن نتورط في الجدالات والصراعات العبثية حول أحداث وموضوعات تم تخطيطها بدقة ليغرق في الجدال حولها العامة والجهلة ، لابد وأن ندرك أننا بيادق على رقعة شطرنج الخالق في خلقه ، ولسنا مسئولون عن النتائج ، ولكننا مسئولون عن اختياراتنا فيما نفعله لحظة بلحظة ، فما تدري نفس ماذا تكسب غذا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ولا متى تموت ، فأنا وأنت مسئولون أمام تاريخنا كبشر عما نفعله بنوايانا في حياتنا ، خيرا أو شرا ، وهو نفسه المسطور يوميا في سجل الخالق لحساب كل منا على ما قدمه من خير أو شر ، ولن تستطيع نفس أن تقدم خيرا ما لم يكن الخير أصيلا فيها ، وهي قادرة وعازمة على تغيير نفسها للأفضل ، ولو بخسارات قريبة هينة لمكاسب شهوات محرمة في سبيل مكاسب عظمى في سجل التاريخ الإنساني والذي هو كتاب حساب كل منا يوم القيامة .. الذي يقول عنه الخالق العظيم .. {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *