استعرضنا من قبل مفهوم السعادة فى علم النفس ووجدنا باختصار شديد "انها الشعور بالسرور والرضا عن حياتك" ، وهو شعور يتكرر نتيجة المشاعر و انفعالات سارة ، لذلك يمكن القول ان السعادة فى علم النفس تحدد حسب طبيعة الفرد و طرق تعاملة مع الظروف المحيطة وتطوراتها حوله ، ومواقف حياته اليومية التى يمر بها ، وحتى هنا .. فيمكن تعريف السعادة بأنها إنفراجة نفس أو حالة فرح محسوسة .. تختلف من شخص لآخر تبعا لنوعية ومواصفات نفسه وحالتها وظروف البيئة المحيطة بها ، ولكن قطعا هي حالة جميلة ومنشودة يسعى كل إنسان لإدراكها والتمتع بها قدر الإمكان .
وعند الحديث عن المشاعر والأحاسيس بكل متناقضاتها لابد أن نتذكر أن النفس هي قائد السفينة البشرية ، فهي صاحبة القرار والفعل ورد الفعل ، فالنفس بتقلباتها هي التي تعطي الأوامر لمصانع الهرمونات في الجسد لتفرز هرمونات بعينها لتواكب المواقف فتصنع الحالة النفسية ، ولعلنا نعلم أيضا أن تدفق الهرمونات يكون بمعدلات سرعة وتركيزات معينة تختلف تبعا لنوع المشاعر والأحاسيس والانفعالات المصاحبة ، والتي تتوقف في النهاية على نوعية ثم حالة النفس والمؤثرات الداخلية والخارجية المحيطة بالإنسان ، فهرمون الأدرينالين يفرزه الجسم عند الانفعال ، وتختلف معدلات إفرازه وسرعة تدفقه تبعا لتدرج الانفعال ما بين القلق والتوجس والخوف فالهلع أو الغضب فالدهشة والسعادة ، وبرغم سيطرة النفس على قرارات إفراز الهرمونات إلا أنه قد يحدث خلل في مراكز إصدار أوامر إفراز الهرمونات أو في الغدد التي تفرز الهرمونات فتفقد النفس قدرتها في السيطرة على الجسد نسبيا ، وبالتالي على الحالة المزاجية الناتجة عن تدفق الهرمونات خارج سيطرة النفس .
ولمعرفة حقيقة السعادة لابد وأن نتوقف كثيرا عند تعريف الخالق العظيم لها ، فالله هو مصدر العلم المطلق ، "قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ" ، ولذلك .. فالله أولى أن نسأله فسبحانه وتعالى لا جدال أنه أصدق من خلقه {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122 ، بل .. {.. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً }النساء87 ، فإذا نظرنا لحديث الله عن السعادة ، نجد أن الله يرى أن السعادة الحقيقية هي فقط في الفوز برضا الله والجنة في الآخرة ، وليست في الدنيا ، فيقول سبحانه .. {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ }هود105 ، ثم يعرف السعداء بقوله تعالى .. {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ }هود108 .
وليس معنى هذا أنه لا توجد سعادة في الدنيا ، ولكن الله .. خالق الخلق .. ومالك والملك يوضح لنا أن السعادة في الدنيا حقيقة وتمثلها حالة من الفرح تسعد الإنسان في مواقفه المبهجة للنفس ، فتحدث سبحانه عن الفرح في (21) موضعا في كتابه العزيز ، اشهرها قوله تعالى .. {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }يونس58 ، وهو إشارة لفرح الإنسان بنعمة الله ورحمته عندما يستشعرها في الدنيا ، ، ثم يقول في فرح المؤمنين بنصر الله لانتصار الروم على الفرس .. {فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ }الروم4 ، وكذلك فرح النفوس برزق الله ومعطياته في الدنيا {اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ }الرعد26 ، وهنا يحذر الله من الاستغراق في الفرح بمعطيات الدنيا لأنها زائلة ، والله لا يحب المبالغة في الفرح بمعطيات الدنيا فيقول في قارون .. {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ }القصص76 ، ويقول في فرح الغفلة لمن يرتكب جريمة الشرك بالله بالانتماء للفرق والجماعات .. {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }الروم32 .
وليس معنى هذا أنه لا سعادة في الدنيا ، بل إن سعادة الآخرة تبدأ مع ابن آدم في الدنيا ، وعندما تستقر النفس على اعتياد اقتناص السعادة في الدنيا ، فإنها تدرك معان السعادة الحقيقية ، واعظم شروط القدرة على اقتناص السعادة للإنسان هو بلوغ الحكمة ، والتي تعتمد بداية على مستوى الفكر والثقافة النفسية ، والتي لا علاقة لها بمستوى التعليم المرهون بالشهادات العلمية ، هو المتحكم الرئيسي في قدرة النفس على السيطرة على الإنسان وانفعالاته وبالتالي ردود أفعاله الجسمانية ، والثقافة النفسية هي التي نعني بها ببساطة "الحكمة" ، والتي فهم ناموس الكون في حركة حياة البشر ، والحكمة ليست شيئا نتعلمه أو ندركه بكثرة العلم ، بل هو هبة من الله لنفوس بعينها ، أخلصت وأتقنت في معطياتها فمنحها الله الحكمة ، ولذلك يقول الخالق العظيم .. {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، ولذلك نجد كثيرا من الناس ، يلجأون لبعض البشر بعينهم ولا أحد سواهم في الشدائد والمواقف الصعبة ، رغم أنهم ربما يكونون أقل الناس درجة علمية أو أدبية واجتماعية .
فالسعادة الحقيقية في الدنيا لا تتحقق إلا بوجود الحكمة ، فانعدام الحكمة في النفوس ، يجعل مفهوم السعادة هلاميا وربما ضبابيا ، بل يحول السعادة إلى حالة من الفرح اللحظي السريعة الزوال ، بل يحول السعي للسعادة إلى دربا من المستحيل ، ويسقط النفس ضحية إخفاقات الحياة والتي تمنع النفوس من بالإحساس بالسعادة ، مهما توافرت مسبباتها وأحوالها حول الإنسان ، فيفقد الإنسان إيمانه بوجود السعادة في الدنيا ، وتتحول حياته لسلسلة من الاكنئاب المتكرر حتى يعتاد التشاؤم والظن السيء وتوقع الأسوأ دوما ، وعندما يصل لهذه الحالة ، يفقد معنى السعادة والطريق إليها ، وربما بلا عودة .
ولكن .. كيف يمكن احتراف اقتناص السعادة تلقائيا دون حاجة لجهد وإعداد وتجهيز يفقدها روعة الإحساس بها ، ذلك هو السؤال المهم الذي يقف أمامه كبار المفكرين والفلاسفة حيارى ويختلفون حوله كثيرا ، لأن الإجابة عليه تحتاج لكل إنسان بمفرده أن يجيب عليه ، فهو وحده الذي يستطيع أن يشعر بالسعادة أو يفتقدها حتى ولو كان كل من حوله يشعر بوجودها دونه ، وهذا ما يحدث لكثير من البشر عندما يصيبهم الكآبة والتجهم وفقدان الإحساس بالسعادة في أجواء يشعر فيها كل من حوله بالسعادة .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
