توقفنا سابقا عند كيفية اقتناص السعادة ، وقلنا أن السعادة الحقيقية لا تأتي إلا مع قليل من الحكمة وكثير من الرضا بالحال على اعتبار أن هناك دوما بشرا تحيا بأقل كثيرا مما نتذمر منه ونمل من استمراره ، وأعلم جيدا أن النفوس عندما تضيق ربما لا تقبل هذا الكلام ، وتقول أنها أحوال وأفكار في دروب المثالية لا يمكن توافرها فالحياة قاسية ومملة أو خطيرة والمخاوف متزايدة ، والأخلاق متدهورة والناس هجرت الطيبة والود وجبر الخواطر ، واحترفوا الندالة والمصلحة والقسوة وخطف الفرص ، والخداع والنصب والقسوة ، فكيف نؤمن بأشياء نحلم بها وهي لم تكن يوما واقعا في متناول الجميع ، خاصة في أوقات الأزمات المزمنة مثل ما نحياه في زخم وباء كورونا المتفشي والمتزايد .
وهنا نتوقف قليلا لنتذكر كيف كنا منذ سنوات قليلة في كنف حكم مبارك الفاسد ومن بعده خاضعين لحكم تجار الدين ، فأذكر في رمضان 2012م ، حيث كان أعضاء جماعة الإخوان والسلفيين مسيطرين على تجارة السلع الغذائية ، وكان أقل ثمن لكيلو الخضراوات يتراوح بين عشرة وخمسة عشرة جنيها ، وكنا نتقاتل على أنبوبة بوتاجاز ، ونبات الليالي أمام محطات البنزين حالمين بقليل من الوقود لسياراتنا ، ونرى ونشاهد بين الحين والآخر هجوم بعض تجار الدين على بعض البشر ، تحت مسمى أنهم شيعة أو من المسيحيين أو المخالفين في الدين أو الملة ، ووجوها عابثة مقفرة تطاردنا عبر الفضائيات تشدد ما تشاء من أحكام الدين وتكفر بشرا وتحل دماء آخرين ، مع أمن متدهور في الشوارع والطرقات ، وحصار للمحكمة الدستورية ومدينة الإنتاج الإعلامي وطرق مسدودة وجماعات أمر بالمعروف تقتل شبابا في الطرقات ، حتى أننا تخيلنا أن مصر قد ذهبت بلا رجعة ، خاصة عندما انتشر ترويج لفكرة بيع قناة السويس لقطر ، مع دعوات لتأجير آثار مصر لقطر ، بخلاف كم التهريب الرهيب للآثار والنقد ، وتفشي تجارة المخدرات بشراسة ، وظهور طبقة جديدة من المليونيرات والذين كانوا قبل عهد الإخوان معدمين يعيشون تحت خط الفقر فانفجروا ثراءا بلا حدود ، وكأن مصر قد انقلب حالها رأسا على عقب ، وصاحب كل هذا تدهورا شديدا للاقتصاد المصري واستنزاف مستمر للاحتياط النقدي وإغلاق آلاف المصانع ، وحرق متعمد لمساحات مزروعة بالقمح ، واستيلاء البلطجية على ملايين الأفدنة من أراضي الدولة ، في فوضى غير مسبوقة في تاريخ مصر .
كانت أياما مريرة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، خاصة مع الإحساس بأن كل شيء في مصر ينهار بسرعة ، بالإضافة للإحساس المرير بالخزي والعار ، بأن لنا رئيسا وقائدا يتميز بالهطل والعته الفطري ، لدرجة أنه أصبح مسخرة الدول الغربية والشرقية في زياراته الخارجية ، لدرجة أن البعض كان يستقبله في قرى خارج العاصمة ليلا ، والبعض الآخر يرسل له عمدة قرية أو مشرف سفارة لاستقباله ، وآخرون استقبلوه في برلمانهم ليضحكوا كثيرا على حركاته وكلماته وتصرفاته ، وآخرون سجلوا له تصرفات لا تليق بعربجي أو متشرد في استقباله لأحد سيدات السياسة ، وهو ما عندما نتذكره الآن نحمد الله كثيرا أن لدينا اليوم زعيما وقائدا محترما محليا ودوليا ، وأمينا وقويا ومخلصا تتمنى مثله علنا أعظم و أكبر شعوب العالم ، ونحمد الله ونشكره أن أزمة كورونا جاءتنا ونحن على مسافة كبيرة مما كنا عليه ، خاصة وأننا في تلك السنوات الماضية قطعنا أشواطا كثيرة ، فأصبحنا أقوى دولة في البحر المتوسط ، ولدينا احتياطي نقدي محترم مكن الدولة من التصدي لتداعيات الأزمة ، فلدينا مثل الدول الكبرى مساعدات تقدم للعمالة المتعطلة من جراء الأزمة ، ولا ننكر أن هناك متاعب وبطالة وتوقف لكثير من الأنشطة والأعمال ، ولكن لدينا القدرة على الاستمرار ، بل ولدينا القدرة على "الدلال" بكل معانيه ، لدرجة أننا لا نشعر بالخطورة الناتجة عن اللامبالاة المتفشية بين العامة ، لدرجة أن كثير من الناس لا يشعر بوجود خطورة فعلية من تفشي الوباء في العالم ، ورغم خطورة الوضع إلا أنه دليل هام جدا أن الدولة قوية وقادرة وأننا كشعب قادرين على تخطي الأزمات مهما كانت ، وتلك أحد معالم الشفرة لهذا الشعب ، فنحن شعب سعيد قادر على إسعاد نفسه عبر تاريخه ، حتى أصبحت السعادة إحدى معالم ميراثه التاريخي .
وهنا تكمن السعادة ، فكل منا قادر على إسعاد نفسه ومن حوله ، ولكننا نقول بأهمية الاهتمام بإسعاد غيرك أولا ، فهذا وحده كفيل بأن يفتح لك أبواب السعادة بكثرة ، فبالإضافة لرضا الله عنك عندما تسعى لإسعاد غيرك ورده الجميل لصنيعك مع خلقه وعباده ، فواقع الحياة يؤكد أن حرصك على إسعاد غيرك سوف يعود ويرد لك يوما لا محالة عاجلا أو آجلا ، وبالتالي فنفورك أو تأخرك في إسعاد غيرك وجبر خاطر غيرك من البشر ما هو إلا تقاعص منك عن إسعاد نفسك ، ولا ننسى أن أرزاق الله في الدنيا مقدرة بحكمة العلام الخبير ، الذي خلق كل البشر وكل إنسان منهم مقدر له معاناته وكبده ، {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد 4 ، فالغني صاحب الأموال لديه منغصاته التي تؤلمه وتنغص عليه حياته وقد تؤدي به للاكتئاب أكثر من الفقير الذي يحلم فقط بلقمة عيشه ، فكلما زاد الغنى زادت معه أعباء ومعاناة النفوس والخوف من الغد ، وزادت معه مشاعر سلبية كالحقد والحسد والضغائن ، والتي لا تجدها إلا نادرا بين محدودي الدخل ، فالفقراء غالبا لا يملكون إلا مشاعر قلوبهم الجميلة والدافئة والحنونة فيما بينهم .
وهو ما يثبته الواقع حتى على مستوى الدول ، فالدول الاسكندنافية ورغم أنها تعد من أغنى دول العالم ، وتمتاز حياة شعوبهم بالرفاهية الشديدة ، إلا أنها من أعلى دول العالم في معدلات الانتحار في العالم ، لأن سعادة النفوس طبقا لفطرة خلق البشر ليست في وسائل الراحة والرفاهية ولا كثرة الأموال وما تملكه النفوس ، ولكنه بقدر قدرة النفوس على إرضاء بعضها بعضا وإسعاد بعضها بعضا ، وبقدر توافر المشاعر الجميلة المتبادلة بين البشر ، وسبحان الخالق العظيم الذي يقدر الأرزاق لعباده على قدر استيعاب نفوسهم ، حتى قال سبحانه وتعالى في حديثه القدسي لملائكته .. { إن من عبادي من إن أغنيته لصلح حاله ، وإن منهم من أفقرته لصلح حاله فخلوا بيني وبين عبادي} .. ،
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
