السعادة .. في رمضان (3) بقلم : جمال عمر


توقفنا سابقا عند كيفية اقتناص السعادة ، وقلنا أن السعادة الحقيقية لا تأتي إلا مع قليل من الحكمة وكثير من الرضا بالحال على اعتبار أن هناك دوما بشرا تحيا بأقل كثيرا مما نتذمر منه ونمل من استمراره ، وأعلم جيدا أن النفوس عندما تضيق ربما لا تقبل هذا الكلام ، وتقول أنها أحوال وأفكار في دروب المثالية لا يمكن توافرها فالحياة قاسية ومملة أو خطيرة والمخاوف متزايدة ، والأخلاق متدهورة والناس هجرت الطيبة والود وجبر الخواطر ، واحترفوا الندالة والمصلحة والقسوة وخطف الفرص ، والخداع والنصب والقسوة ، فكيف نؤمن بأشياء نحلم بها وهي لم تكن يوما واقعا في متناول الجميع ، خاصة في أوقات الأزمات المزمنة مثل ما نحياه في زخم وباء كورونا المتفشي والمتزايد .

وهنا نتوقف قليلا لنتذكر كيف كنا منذ سنوات قليلة في كنف حكم مبارك الفاسد ومن بعده خاضعين لحكم تجار الدين ، فأذكر في رمضان 2012م ، حيث كان أعضاء جماعة الإخوان والسلفيين مسيطرين على تجارة السلع الغذائية ، وكان أقل ثمن لكيلو الخضراوات يتراوح بين عشرة وخمسة عشرة جنيها ، وكنا نتقاتل على أنبوبة بوتاجاز ، ونبات الليالي أمام محطات البنزين حالمين بقليل من الوقود لسياراتنا ، ونرى ونشاهد بين الحين والآخر هجوم بعض تجار الدين على بعض البشر ، تحت مسمى أنهم شيعة أو من المسيحيين أو المخالفين في الدين أو الملة ، ووجوها عابثة مقفرة تطاردنا عبر الفضائيات تشدد ما تشاء من أحكام الدين وتكفر بشرا وتحل دماء آخرين ، مع أمن متدهور في الشوارع والطرقات ، وحصار للمحكمة الدستورية ومدينة الإنتاج الإعلامي وطرق مسدودة وجماعات أمر بالمعروف تقتل شبابا في الطرقات ، حتى أننا تخيلنا أن مصر قد ذهبت بلا رجعة ، خاصة عندما انتشر ترويج لفكرة بيع قناة السويس لقطر ، مع دعوات لتأجير آثار مصر لقطر ، بخلاف كم التهريب الرهيب للآثار والنقد ، وتفشي تجارة المخدرات بشراسة ، وظهور طبقة جديدة من المليونيرات والذين كانوا قبل عهد الإخوان معدمين يعيشون تحت خط الفقر فانفجروا ثراءا بلا حدود ، وكأن مصر قد انقلب حالها رأسا على عقب ، وصاحب كل هذا تدهورا شديدا للاقتصاد المصري واستنزاف مستمر للاحتياط النقدي وإغلاق آلاف المصانع ، وحرق متعمد لمساحات مزروعة بالقمح ، واستيلاء البلطجية على ملايين الأفدنة من أراضي الدولة ، في فوضى غير مسبوقة في تاريخ مصر .

كانت أياما مريرة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، خاصة مع الإحساس بأن كل شيء في مصر ينهار بسرعة ، بالإضافة للإحساس المرير بالخزي والعار ، بأن لنا رئيسا وقائدا يتميز بالهطل والعته الفطري ، لدرجة أنه أصبح مسخرة الدول الغربية والشرقية في زياراته الخارجية ، لدرجة أن البعض كان يستقبله في قرى خارج العاصمة ليلا ، والبعض الآخر يرسل له عمدة قرية أو مشرف سفارة لاستقباله ، وآخرون استقبلوه في برلمانهم ليضحكوا كثيرا على حركاته وكلماته وتصرفاته ، وآخرون سجلوا له تصرفات لا تليق بعربجي أو متشرد في استقباله لأحد سيدات السياسة ، وهو ما عندما نتذكره الآن نحمد الله كثيرا أن لدينا اليوم زعيما وقائدا محترما محليا ودوليا ، وأمينا وقويا ومخلصا تتمنى مثله علنا أعظم و أكبر شعوب العالم ، ونحمد الله ونشكره أن أزمة كورونا جاءتنا ونحن على مسافة كبيرة مما كنا عليه ، خاصة وأننا في تلك السنوات الماضية قطعنا أشواطا كثيرة ، فأصبحنا أقوى دولة في البحر المتوسط ، ولدينا احتياطي نقدي محترم مكن الدولة من التصدي لتداعيات الأزمة ، فلدينا مثل الدول الكبرى مساعدات تقدم للعمالة المتعطلة من جراء الأزمة ، ولا ننكر أن هناك متاعب وبطالة وتوقف لكثير من الأنشطة والأعمال ، ولكن لدينا القدرة على الاستمرار ، بل ولدينا القدرة على "الدلال" بكل معانيه ، لدرجة أننا لا نشعر بالخطورة الناتجة عن اللامبالاة المتفشية بين العامة ، لدرجة أن كثير من الناس لا يشعر بوجود خطورة فعلية من تفشي الوباء في العالم ، ورغم خطورة الوضع إلا أنه دليل هام جدا أن الدولة قوية وقادرة وأننا كشعب قادرين على تخطي الأزمات مهما كانت ، وتلك أحد معالم الشفرة لهذا الشعب ، فنحن شعب سعيد قادر على إسعاد نفسه عبر تاريخه ، حتى أصبحت السعادة إحدى معالم ميراثه التاريخي .

وهنا تكمن السعادة ، فكل منا قادر على إسعاد نفسه ومن حوله ، ولكننا نقول بأهمية الاهتمام بإسعاد غيرك أولا ، فهذا وحده كفيل بأن يفتح لك أبواب السعادة بكثرة ، فبالإضافة لرضا الله عنك عندما تسعى لإسعاد غيرك ورده الجميل لصنيعك مع خلقه وعباده ، فواقع الحياة يؤكد أن حرصك على إسعاد غيرك سوف يعود ويرد لك يوما لا محالة عاجلا أو آجلا ، وبالتالي فنفورك أو تأخرك في إسعاد غيرك وجبر خاطر غيرك من البشر ما هو إلا تقاعص منك عن إسعاد نفسك ، ولا ننسى أن أرزاق الله في الدنيا مقدرة بحكمة العلام الخبير ، الذي خلق كل البشر وكل إنسان منهم مقدر له معاناته وكبده ،  {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد 4 ، فالغني صاحب الأموال لديه منغصاته التي تؤلمه وتنغص عليه حياته وقد تؤدي به للاكتئاب أكثر من الفقير الذي يحلم فقط بلقمة عيشه ، فكلما زاد الغنى زادت معه أعباء ومعاناة النفوس والخوف من الغد ، وزادت معه مشاعر سلبية كالحقد والحسد والضغائن ، والتي لا تجدها إلا نادرا بين محدودي الدخل ، فالفقراء غالبا لا يملكون إلا مشاعر قلوبهم الجميلة والدافئة والحنونة فيما بينهم . 

 

وهو ما يثبته الواقع حتى على مستوى الدول ، فالدول الاسكندنافية ورغم أنها تعد من أغنى دول العالم ، وتمتاز حياة شعوبهم بالرفاهية الشديدة ، إلا أنها من أعلى دول العالم في معدلات الانتحار في العالم ، لأن سعادة النفوس طبقا لفطرة خلق البشر ليست في وسائل الراحة والرفاهية ولا كثرة الأموال وما تملكه النفوس ، ولكنه بقدر قدرة النفوس على إرضاء بعضها بعضا وإسعاد بعضها بعضا ، وبقدر توافر المشاعر الجميلة المتبادلة بين البشر ، وسبحان الخالق العظيم الذي يقدر الأرزاق لعباده على قدر استيعاب نفوسهم ، حتى قال سبحانه وتعالى في حديثه القدسي لملائكته .. { إن من عبادي من إن أغنيته لصلح حاله ، وإن منهم من أفقرته لصلح حاله فخلوا بيني وبين عبادي} .. ،

أخيرا .. من المؤكد أن رمضان شهر كريم وعظيم ، عظمه الخالق الأعظم وجعله خيرا على كل خلقه وعباده ، سواء كانوا من المؤمنين أو الكافرين أو المشركين ، وهذا ليس ادعاء أو اعتقاد دون دليل ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول ،  {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ .. }البقرة185 ، فهو هدى "لكل الناس" مؤمنهم وكافرهم ، ولم يقل سبحانه وتعالى مؤمنهم فقط ، ولذلك يعد رمضان موسما لإسعاد البشر لبعضهم البعض خاصة المصريين والمسلمين على وجه الخصوص ، حيث توارثوا عبر تاريخهم الطويل ومن قبل الإسلام تقاليد التراحم والتواصل وعادات التعاون وإطعام غير القادر واستضافة الفقراء وتطورت لتنتشر في مصر ومن مصر لكل العالم ما يعرف باسم "موائد الرحمن" ، والتي يحولونها هذا العام مثلا إلى زيادة في شنط المواد الغذائية لغير القادرين مسلمين ومسيحيين سواء ، وهي أبسط ما يدخل السعادة على محدودي الدخل والمتعطلين بسبب الوباء ، وأجمل ما في هذا المجال أن كل المسلمين موقنين بحديث رسول الله "ما نقص مال من صدقة" والمبني على قول الله تعالى ..  {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }سبأ39 ، فالله يعوض ما ننفقه في إسعاد غيرنا بأضعافه فضلا عن ثوابه وحسناته الكبيرة والكثيرة ، ولعل الله يسبغ علينا رضاه وكرمه فتسعد قلوبنا بما يرضيه عنا ، وكل عام وكل البشر بكل الخير والصحة والسعادة …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *