{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } (1) …. بقلم : جمال عمر


أنزل الله كتابه الأخير والذي نسميه مجازا .. بالقرآن العظيم … ليكون ثورة على ميراث الجهل والكفر ، ليعيد تصحيح ما اعتاد البشر عليه من السقوط المتكرر في ضلالات الأساطير الشيطانية ، واتباع ما ورثوه عن أباءهم من بهتان وزور ، فندد الله بأحوالهم بقوله تعالى .. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ }لقمان21 ، ورغم نزول القرآن وحفظ وترديد مليارات المسلمين له عبر أربعة عشرة قرنا من الزمان ، ورغم أن آيات القرآن تفسر بعضها بعضا ، فلا تجعل هناك مجال للبس أو الضلال ، إلا أن بني آدم وعلى رأسهم "المسلمون" ، ما زالوا يحترفون تصديق ميراث الأساطير والضلالات البشرية ، والتي هي نتاج مباشر لسوء استخدام البشر لهبة الإبداع الفطرية التي منحهم الله إياها ليعمروا الأرض ، فزوروا ناموس الله في خلقه ، وعادوا لتصديق ونشر أكاذيب وضلالات الأساطير مثل أكذوبة "العذاب في القبور" ، حتى أنهم كذبوا آيات الله وادعوا أحاديثا مكذوبة تعارض آيات الله في قرآنه ، فصدقوها وآمنوا بها ، فأصبحوا بلا أدنى شك أو جدال كما يقول فيهم سبحانه وتعالى .. "من المجرمين" بقوله تعالى .. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ }السجدة22  .

وعجبا .. فقد بنى أصحاب أكذوبة عذاب القبر قناعاتهم وأدلتهم وبراهينهم على أحاديث نسبوها كذبا لرسول الله ، مع أن رسول الله قال لهم "إذا جاءكم عني ما يخالف آيات الله فاضربوا به عرض الحائط" ، وكان أولى بهم قبل أن يتحققوا من صحة روايات ناقلي ورواة الأحاديث عبر التاريخ ، أن يعرضوها أولا على كتاب الله وآياته ، فهو الحاكم القاطع وهو أصدق الحديث كما يقول عنه سبحانه وتعالى .. { .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً }النساء87 ، وهو أصدق القول كما يقول عنه رب العزة .. { .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122 ، ولكنهم افترضوا كذبا أن بشرا "ايا كان" يمكن أن يكون هو أصدق من الله حديثا أو قولا ، وكأن ناقلي الحديث لو كانوا ثقاة (كما يقولون) ، فهم أصدق من آيات الله ، وهذا البهتان ليس بجديد ، فهم من قالوا أن حديثا لرسول الله يقول فيه .. "لا وصية لوارث" قد نسخ آيات الله التي ذكر الله فيها الوصية في خمسة مواضع وآيات في القرآن الكريم ، وما كان هذا إلا فتنة يريدون بها تكذيب القرآن وتحريف مفاهيمه .

ومن آيات الله التي تنفي وجود العذاب في القبر وتؤكد أنه لا عذاب إلا بعد الحساب ، ولا حساب إلا يوم القيامة ، يقول سبحانه وتعالى في دعوة إبراهيم .. {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ }إبراهيم41 ، ثم يوضح استعجال المجرمين للعذاب بقوله تعالى .. {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ }ص16 ، ثم يقول في تبيانه لداوود عن أحوال الكافرين به .. { .. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ }ص26 ، ثم يقول في نعيم المؤمنين في سورة ص .. {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ }ص53 ، فلا عذاب ولا نعيم إلا بعد الحساب ، ولا حساب إلا في يوم الحساب (القيامة) .

وليس آيات الحساب فقط هي التي تؤكد كذب اسطورة عذاب القبر ، بل إن وصف الله في تراتيب لحظة الموت والتي ذكرها سبحانه في أكثر من سورة وأولها الواقعة تؤكد على حقيقة أخرى مختلفة تماما عما يدعونه ، وهي الأهم والأساس في موضوعنا الشائك هذا ، وهي حقيقة الإنسان ، فالإنسان ليس جسدا ولا روحا كما يدعي البعض ، وإنما الفهم الخاطيء والمضلل لحقيقة "خلق وإنشاء" الإنسان هو ما جعل اللبس متفشيا في العقول والنفوس الجاهلة ، فالإنسان أصله نفس خلقها الله ومنحها القدرة على التصور والتشكل والإنشاء ، فيقول سبحانه .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ،  {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28 ، فكل إنسان أصله نفس ، ولكي تحيا النفس في الدنيا يمنحها الله جسدا حيا "بوجود الروح في هذا الجسد" ، فلا علاقة بين النفس والجسد الحي (به روح) ، سوى أن النفس تستخدمه للحياة به في الدنيا لأجل محدد ، فإذا انتهى الأجل ، يسترد الله الروح والتي هي سر إحياء أي جماد ، فيموت الجسد ويتحلل ويعود ترابا ، وأما الإنسان (النفس) فيتوفاها ربها لقوله تعالى .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، وفي لحظة الموت تذوق النفس الموت لقوله تعالى .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، فالنفس تذوق فقط آلام خروج الروح من الجسد ، ثم تصبح النفس بعدها بلا قدرة على التعامل مع الحياة لفقدانها الوسيلة (الجسد الحي) ، فترجع لربها لينشئها نشأة أخرى .

وهنا نتعرف من الله بآياته المتعددة إلى أين تذهب النفس بعد أن تفقد الجسد أو مطيتها (وسيلة التعامل مع الحياة) ، فيقول سبحانه في ثلاث آيات متتاليات من سورة الواقعة .. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، وهنا يؤكد سبحانه في الآية الأولى أن الموت مقدر بين البشر ، وأن الله سوف يبدل من يموت بغيرهم بين أهلهم ، وأنه سوف ينشيء النفس التي تموت في نشأة جديدة مختلفة ، ولكن شاء سبحانه ألا نعلم شيئا عن النشأة الجديدة إلا بعد مغادرة النشأة الحالية ، ثم يصف الله هذه النشأة الجديدة بأنها مثل النشأة الأولى التي يغادرونها لحظة الموت ، وتلك النشأة يقرر الله أننا جميعا نعلمها ولكن لو تذكرنا ما نراه يوميا في نشأة كل حياة جديدة ، وهي تلك النشأة التي يصف بها سبحانه في سورة المؤمنون توقيت وكيفية دخول النفس للجسد لأول مرة وهو جنين في رحم أمه بنهاية الشهر الرابع بعد اكتمال الجسد بقوله تعالى .. { .. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{14} ، وتلك هي لحظة إتمام عملية "الإنشاء" التي تدخل فيها النفس للجسد للمرة الأولى ، فيبدأ تحرك الجنين حركاته الإرادية للمرة الأولى ، فقد أصبح خلقا مختلفا عن كل ما سبقه من مراحل في الرحم ، أصبح إنسانا كاملا ، نفسا تحتل الجسد الحي لتتدرب على دخوله والخروج منه واستخدامه لمدة خمسة أشهر في رعاية تامة في رحم الأم .

 وتلك ببساطة هي عملية الإنشاء التي يعلن الله أن ابن آدم سيكررها بعد موته ومغادرته جسده الذي دخله بعملية إنشاء سابقة ، ولكن بشروط وقوانين ناموس الله في خلقه ، فعملية "الإنشاء" والتي تعني العودة للحياة الدنيا مستمرة ومتكررة وهو ما يقوله سبحانه وتعالى في سورة النجم بقوله تعالى .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، وهي ليست بالطبع النشأة الأخيرة "للحساب" يوم القيامة لأن الله يصفها هذه الأخيرة في موضع آخر بقوله سبحانه وتعالى .. { .. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، بل يؤكد سبحانه إعادة الخلق مرة أخرى في آيات عديدة مثل قوله تعالى .. {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }العنكبوت19 .

ويتساءل ابن آدم لماذا يعيد الله الخلق مرات ومرات فيرد الله عليه بقوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، فالله يعيد نشأة ابن آدم في الدنيا مرات ومرات ليسددوا ديونهم التي عليهم ، وحتى لا يكون لأحدهم حجة على الله يوم القيامة ، فلا يستطيع بشر أن يتساءل لماذا لم يخلقه في صورة معينة أو بمعطيات معينة فيكون أفضل عملا في الدنيا ، ولذلك فليحذر ابن آدم من الاعتراض أو التعصب في الدنيا ، مثلما نرى المسلمين يدعون أنهم أصحاب الجنة ومن قبلهم اليهود والنصارى ، ويقلدهم الملحدون بادعاء التميز والتفرد بالفهم ، فالكل لا يعلم أن حياته التي يحياها هي أحد مراحل الحياة المتكررة ولكل مرحلة معطياتها التي سوف يحاسب عليها ، وكل ما يفعله ابن آدم يسجل في كتاب مبين ، والذي يقول عنه رب العزة .. {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }يس12 ، ليحمل ابن آدم يوما لقيامة كتاب أعماله ، وفي كل صفحة منه حياة عاشها بنشأة مختلفة ، فيقول له ربه .. {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، ولا يكون له ميزان حياة واحدة ، بل هي موازين متعددة لنشئات وحيوات متعددة عاشها ابن آدم ويحاسب عليها جميعا يوم الحساب ، فيقول له رب العزة .. {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ } الأعراف8، 9 ، ويكررها سبحانه وتعالى في المؤمنون بقوله تعالى .. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } المؤمنون102 ، 103 ، ثم يؤكدها سبحانه في القارعة بقوله تعالى .. فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ{6} فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ{7} وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ{8} فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ{9} وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ{10} نَارٌ حَامِيَةٌ{11} ، فلكل إنسان موازين متعددة ، ولكل حياة بنشأة مختلفة عاشها ابن آدم لها ميزان مختلف بمعطيات مختلفة ، ولكن البشر لا يصدقون إلا أساطير خيالاتهم المضللة .

ونعود لأدلة أصحاب أسطورة عذاب القبر ، فيقول بعضهم أن آية عرض آل فرعون على النار هي دليل العذاب في القبر ، ولو ركز الفهم والتدبر لوجد أن الآية تقول .. {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ }غافر46 ، ومعنى هذا أن النار هي التي ترى آل فرعون ، فالله يعرض على النار صور آل فرعون لتتعرف عليهم ، ومعنى هذا أنه لا عذاب في القبر بدليل أن الله لم يقرر دخولهم لها إلا "يوم تقوم الساعة" ، فالنار التي خلقها الله تتكلم وتسأل ويسالها الله ويعرض عليها ، وهو معتاد في القرآن في آيات عديدة أشهرها ، قوله تعالى .. {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }ق30 ، بل ويرد الله على بهتانهم بقوله تعالى في وصف حال المجرمين والكافرين يوم القيامة بقوله تعالى في سورة طه .. {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً ، يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً } 102- 104 ، وفيها يستعجب الكافرون من بعثهم ويظنون أنهم ما لبثوا رقودا بلا عذاب إلا يوما أو بعض يوم ، ولم يقل في العذاب ولا في النار ، بل يؤكد هذا سبحانه وتعالى في الروم بقوله .. {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ }الروم55 ، ولو كانوا في العذاب في القبور ما أقسموا أنه لم يلبثوا غير ساعة .

ثم يستدلل بعضا من أصحاب أسطورة عذاب القبر على وجود عذاب في القبر بقوله تعالى في الأنعام .. { .. وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ{93} وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ{94} ، ونقول له اقرأ جيدا ماذا يقول سبحانه وتعالى ، فهو لايصف لحظة خروج النفس من الجسد للموت ، من نشأة في الدنيا ، بل هي وصف للخروج الأخير يوم القيامة ، والملائكة تأمرهم أن يخرجوا أنفسهم للحشر يوم القيامة ، ويعلنون لهم أن اليوم هو يوم الحساب والعذاب ، فعذاب الهون لا يكون إلا يوم القيامة ، حيث فصل الله عرض عذاب الهون على الكافرين في سورة الأحقاف بقوله تعالى .. {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ }الأحقاف20 ، فعذاب الهون هو جزاء في يوم القيامة ، ويكون ذكره في الأنعام هو شرح لخروج الكافرين من الموت للبعث الأخير وهي النشأة الآخرة التي تحدث الله عنها في سورة العنكبوت بقوله تعالى .. { .. ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20  والتي يواجهون فيها عذاب الهون لاستكبارهم في الأرض بغير الحق .

وأخيرا نقول لهم .. لو استعرضتم آيات الموت وما بعده في كتاب الله لاكتشفتم أحوالا متباينة لمن يموت ، وآجال مختلفة لكل نفس والتي نجدها في قوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }الأنعام2 ، فلكل نفس أجل مسمى مكون من عدة آجال متكررة ، فمنهم من لا يعود مطلقا ، ويكون موته ختاما لأجله المسمى مثل الشهداء والظالمون الكافرون ومن يعلنون الحرب على الله ، ومنهم من يعود في نشأة جيدية مختلفة عما خرج منها ، بمعطيات مختلفة تتوقف على نتائج حياته في نشأته الأخيرة التي غادرها ، و يوضح الله بعضا من شروطه سبحانه وتعالى في الواقعة بقوله .. {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ،  تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } الواقعة86 ، 87 ، بمعنى أن ابن آدم (نفسه) تسال بعد أن تذوق الموت وتغادر الجسد الميت عن ديونها في الدنيا ، فإن كانت النفس صادقة ومعترفة بديونها ، تعود للدنيا لتسدد ما عليها من ديون ، ولذلك لا يجوز مطلقا الاعتراض على موت طفل أو شاب أو فتاة أو تعذيب شخص بمرض مزمن أو سخرة عبودية في الدنيا ، فنحن لا نعرف لماذا جاءت هذه النفس وما هي ديونها التي جاءت لتسددها بنشأة جديدة ، ولذلك صدق من قال .. "ولله في خلقه شئون" .

أخيرا … نعرف أن ما نقوله ربما يكون صعب التصديق على كثير من البشر ، خاصة من قضوا عقودا طويلة من حياتهم يستعيذون من عذاب القبر ، ويحلمون ويرتعدون منه ، وما أكثر ما سمعوا من أدعية وأحاديث وأساطير تؤكد وجود عذاب القبر ، ولكنهم ما حاولوا أن يتدبروا يوما مئات الآيات في كتاب الله التي تكذب هذه الأسطورة المفتراة على الله وناموسه في خلقه ، بل وهناك الكثير من الحقائق التي طمستها أساطير البشر وضلالاتهم عبر التاريخ ، وما زال البشر ومنهم المسلمين يصدقون هراءات وضلالات وبهتان البشر رغم تحذير الله لهم .. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }الأنعام21 ، ويتجاهلون ويعرضون عن حقائق يوضحها الله بآياته في كتابه العزيز ، وأبسطها وأوضحها من ناموس الله في خلقه ، " أنه لا ثواب ولا عذاب إلا بعد الحساب ، ولا حساب إلا يوم الحساب" ، ويتناسون أن من يعرضون ويتجاهلون آيات الله الواضحة من أجل تصديق ضلالات البشر يصفهم سبحانه وتعالى بالمجرمين الذين يستحقون انتقام الله .. بقوله تعالى .. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ }السجدة22 ، وحق عليهم انتقام الله لأنهم كفروا يآيات الله وأعرضوا عنها فحق عليهم قوله تعالى .. { .. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ }آل عمران4 ، فهل آن الآوان للنفوس أن تتدبر آيات الله وتعقلها فتنجوا .. أم نكون ممن صدق فيهم قوله تعالى .. {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }محمد24 .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *