الخطاب الديني بين الجهل والتسويف … بقلم : جمال عمر


قبل كل شيء ارجو ممن يغضبه كلماتي أن يسامحني ، فعذري كبير ، والأمر جلل ويستحق أن نتوقف عنده بالكثير من الأمانة والاهتمام والتدبر ، قبل أن نتعادى ويتهم بعضنا بعضا ، ونحاول تدمير بعضنا البعض كما تعود البعض ، فالموضوع الجلل هو ببساطة ووضوح "مفهوم تجديد الخطاب الديني" ، وهو تعبير يحتاج لكثير من التفسير ، فالخطاب الديني الموجه لعامة الناس لابد أن يختلف كثيرا عن الخطاب الديني الموجه للدارسين داخل أروقة الأزهر ونعني به صحة العلوم والفتاوى التي تدرس ، لأنهم هم من سيحملون مسئولية الخطاب الديني للعامة ، وذلك لأن فكر الفرق والجماعات والتكفيرعندما تأصل في عقول بعضهم ، انتقل منهم للعامة وكانت النتيجة ما نراه من تشرذم وهدم للأمم وتشتيت للدين وأتباعه ، وهنا أذكر نفسي والجميع أن وظيفة "الرئيس" ومهمته تقتضي أن يشير لوجود الخطأ الخطير والكبير في الخطاب الديني ، وهو ما نتج عنه ظهور فرق وجماعات تكفر بعضها بعضا وتقتل بعضها بعضا وتخرب أممنا وتدمر بلداننا باسم الدين ، وقد قام الرجل بمهمته وطالب المعنيين وهم رجال الفكر عامة ورجال الدين خاصة .. بتصحيح الخطاب الديني أو تجديده .

فماذا فعل الجميع ؟؟ .. خاصة علماء الفكر والدين .. ماذا فعلوا في تجديد الخطاب الديني ؟؟ .. هذا السؤال الحائر الذي بات يتجدد دوما على ألسنة وعقول عامة الشعب قبل الرئيس والقيادة السياسية ، ورغم تعالي صيحات وخطابات المطالبة ، إلا أننا لا نسمع إلا همهمة وكلاما عاجزا وفاشلا أن يقنع أحدا بما يحاولون تسويف وطمس مفاهيمه كالعادة ، وعندما يعقدون مؤتمرا عالميا لتجديد أو تصحيح الخطاب الديني تفتعل معركة كلامية فلسفية سفسطائية بعيدا عن صلب الموضوع ، فتكون النتيجة هي الإلهاء والتشتيت ، فيذكرنا الموقف بمقولة قديمة من أفلام القرن الماضي .. "كرسي في الكلوب" ، ويتحول المؤتمر العالمي لتصحيح الخطاب الديني أو تجديده إلى موقعة مشهودة يرتع فيها محترفي طمس الحقائق وأساتذة الاستهزاء والتسفيه ، فينشغل بها الجميع فينسون الموضع الأصلي والأهم ، حتى يتسرب الشك للنفوس أن ما حدث ربما كانت مخططا ، حتى لا يتم المساس بكوارث تدرس كعلوم تحت مسميات علوم الدين والفقه وما زلنا ندفع ثمنها إرهابا متصاعدا .

وسامحوني لو مثلت كلماتي اتهاما لأحد ، فكلنا حقا متهمون في كل ما يحدث باسم الدين سواءا بالصمت أو التخاذل ، لأننا من ندعي جميعا أننا أهل هذا الدين ، بل بعضنا يدعي أنهم وكلاء الله على الأرض ، وجميعنا عاجزون عن الوصول بديننا "كما ندعيه" لشواطيء الأمان ، وربما لأننا لا نملك المنطق أو الوسيلة ، بل وربما منا من لم يرقى لمستوى فهم المسألة ، وهذا ليس عيبا ، فمعظمنا تعلموا وأصبحوا علماء في النقل لا العقل ، فقد اعتدنا على السند والمرجعية في كل شيء ، وأقصى قدراتنا ومهاراتنا العقلية تتجلى فقط في الاختيار والمفاضلة بين آرء علماء "ماتوا" منذ أكثر من عشرة قرون ، ونتجنب ونحذر جميعا أن نستخدم عقولنا ، لأن هناك متربصون سوف يواجهونك فورا بمسميات مشابهة لمصطلحات التاريخ الكنسي المسيحي مثل (التجديف ، والكفر ، والزندقة والشلح) والتي أسقطت المسيحية تماما وجعلتها رمزا لا قيمة له ولا وجود لها في حياة البشر إلا لتعميد المواليد والزواج ودفن الموتى ، وهكذا صار كثير من المسلمين مع بعض اختلافات موسمية .

وبالقطع فإن جميع رجال الدين المسلم والمسيحي معنيون بهذا ، فهما طرفي الأمة ، ولا بريء بينهم خاصة ونحن نعلم ما يتردد داخل أروقة دور العبادة من الطرفين ، من مقاومة شديدة لأي اقتراب من ثوابت عصور التعصب والظلام الديني ، فالكل يدعي أن "غيره" كافر ومشرك ولن ينال رحمة الله ومغضوب عليه من الله أو "الرب" ، فبذور الاستئثار والتعصب ومحاولة الانفراد بالله ، وما توارثناه من تربص وتعصب ، جميعها تبث في العقول والقلوب بلا ضمير إنساني ، بل أقولها بمنتهى الوضوح بلا أدني فهم لحقائق سماحة الدين السماوي الواحد مهما اختلفت مسمياته ، وكأنهم يقسمون رحمة الله بأيديهم .. {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ .. }الزخرف32 .

ولكننا عندما نتوقف عند ما تم تزويره من مفاهيم المسيحية واليهودية فسوف تصدمنا جميعا ما يتم تدبيره في الخفاء ، من سعى دءوب لتدمير دول العرب والمسلمين والسيطرة على أرضهم وثراوتهم ، وليست سايكس بيكو الأولى ببعيدة ، ولا مخطط برنارد لويس أو "سايكس بيكو الثانية" بغريبة علينا ، ولا حتى مخطط المليار الذهبي بمستعجب ، فهم يرون أن هناك بشرا لا تستحق الحياة ولابد من تصفيتها ، وهو ما نسمعه من تصريحات هنري كيسنجر في السنوات الأخيرة بـ "اقتراب تحويل المسلمين إلى رماد" ، وكذلك تصريحات كاردينالات الفاتيكان وحاخامت اليهود بأن كل المسيحيين "الأرثوذكس" غير الكاثوليك هم كفرة ولابد من تصفيتهم مع المسلمين ، بل ووصلوا لمرحلة البجاحة فأصبحوا يعلنون نواياهم بلا خجل أو حياء فقد أصبحت لهم السيطرة على مقادير الشعوب الاقتصادية والإعلامية ، وبالتالي فلابد من تسريع تنفيذ مخططاتهم لتحقيق نبوءاتهم قبل "هيرمجدون" أو معركة نهاية العالم كما يدعون .

وعندما نتوقف عند ما تم تزويره من مفاهيم المسلمين فلابد أن يفجعنا نتائجه فيما يدور حولنا ، حيث شكل تزوير المفاهيم بيئة خصبة لتنفيذ مخطط التصفية والإبادة للمسلمين بأيدي المسلمين أنفسهم ، فهذا التزوير للمفاهيم هو ما أدى مباشرة لظهور أكثر من سبعين فرقة وجماعة ، وكل واحدة منهم تكفر غيرها وتسفه من أفكارهم ومفاهيمهم ، بل وتبيح قتلهم رغم أنهم جميعا مسلمين ، وأبسطه .. ما رأيناه وعايشناه من إرهاب الإخوان والسلفيين والجهاديين ودعاة الخلافة وجماعات وصلت أعدادها لأكثر من مائة وخمسين جماعة وفرقة مسلحة باسم الدين ، وكلها تقاتل بعضها البعض في بقاع بلاد المسلمين ، بل بلغ فساد المفاهيم أن دولا مسلمة تسعى وتعمل لاحتلال وتخريب دول مسلمة أخرى ، حتى قال عنا الغرب .. "إنهم عرب أغبياء وحمقى لا يستحقون بلادهم وثرواتهم" ، وكل هذا وأزهرنا الشريف ورجاله الكرام حماة الدين وحراس العقيدة "كما نعرف" لا يحركون ساكنا ، وكأنهم لا يعنيهم فساد وتزوير المفاهيم ، وكأنهم لا يملكون شجاعة مواجهة المفسدين باسم الدين ومن فرقوا الدين لجماعات وفرق ومذاهب ونحل وملل ما أنزل الله بها من سلطان ، رغم أنهم دوما ينتفضون ويهاجمون بشراسة من يحاول الاقتراب من شخص أو تصحيح أو مناقشة الفكر الديني متهمينه بأنه عدو لله ويحاول هدم الدين ولابد من تدميره ودحره وتشويهه وسجنه .

والسؤال هنا صريح وواضح ، هل قتل البشر باسم الدين هو جهاد في سبيل الله ؟؟ ، وهل خلقنا الله ليقتل بعضنا بعضا باسم الدين ؟ ، وهل فتاوى القتل والحرق والتخريب وأكل لحم الأسير والموجودة في بعض ما تدرسونه من علوم صحيحة ولابد من الإبقاء عليها كعلم ؟؟ ولماذا أنتم صامتون على فتاوى القتل والتخريب والتدمير المنتشرة في كتبكم والتي يتخذها القتلة أساسا وقيما ومباديء لهم ؟ ، ولماذا تحافظون على تدريسها وبقاءها كعلم يدرس داخل أروقة الأزهر ، وهل هذا يعتبر علما نافعا أم "خرابا ممنهجا" يجب بتره ؟ أم هو مثل تفاسير بعض آيات العلوم البحتة التي ترفضون تصحيحها رغم ثبوت مخالفتها لحقائق كونية ، وتدعون أنه تراث يجب الحفاظ عليه كالقرآن ؟؟ ، بل أبسط من هذا ، هل تعلمون أن ما نحن فيه نتيجة مباشرة لتزوير مفهوم الدين ومفهوم العبادة .. ؟؟ وهل لديكم إجابة شافية وواضحة للسؤال الأهم .. لماذا خلقنا الله تعالى ؟؟ ، وما هو الدين وما هي العبادة ؟؟ ولماذا نتجاهل تزوير مفاهيم الدين التي امتلأت بالأساطير عبر القرون الماضية ؟؟ .. فتعالوا نراجع هذه المفاهيم بتدبر …

أولا .. هل تعلمون كيف ولماذا تم تزوير مفاهيم الدين والعبادة .. منذ قرون طويلة ؟؟

عندما فهم المسلمون الأوائل "الدين" شفويا قبل أن يتم تزويرمفاهيمه ، سادوا الدنيا  بالعلم البحت والعمل به لإعمار الأرض ، فرسولهم صاحب علوم القرآن والسنة قال لهم "اطلبوا العلم ولو في الصين" وهي علوم إعمار الدنيا ، فظهر الخوارزمي والفارابي وابن رشد وابن سيناء وجابر بن حيان .. ومئات العلماء الذين نقلوا البشرية من قاع التخلف لقمة الحضارة ، حتى أن الحواسب والمحمول بين أيديكم اليوم ما زالت تعمل بالمصفوفات الخوارزمية التي وضعها الخوازمي ، كما وضع أسس الريضيات العليا واللوغاريتمات "الكواريزمات" ، وكذلك جابر بن حيان الذي يسمى "الجبر" باسمه حتى اليوم ، وابن خلدون هو صاحب نظريات الأمم والمجتمع وتشكيل الدولة الذي يدرس حتى اليوم في جامعات الغرب ، وغيرهم الكثير في مختلف مجالات العلوم التطبيقية والأدبية .

فكان لابد من إيقاف تقدم المسلمين وسيطرتهم بالعلم ، وذلك بتحويلهم إلى "دراويش" يتقربون لله ، بعيدا عن العلم وتطويره وسيادته وريادته ، فشنوا هجمات شرسة وخبيثة على كل هؤلاء العلماء ، حتى مات معظمهم مسجونا بتهم الزندقة والكفر بالله وهدم الدين والإفساد في الأرض ، تماما مثلما فعلت الكنيسة بعلماء أوروبا الذين حاولوا نقل علوم العرب لأوروبا ليخرجوا أوروبا من عصور الظلام مثل "جاليليوا ودافنشي" وغيرهم فكان عقابهم القتل والسجن والنفي وبنفس التهم التي قتل بها معظم علماء المسلمين من قبل ، فمن فعل هذا وكيف ؟؟ .

لمجرد ظهور علماء المسلمين وتسيد المسلمين للعالم بالعلم ، هبت "الماسونية" بمسماها القديم "القبالة" وهم أتباع إبليس منذ عهد نوح ، وهم من أخفوا التوراة وقدموا التلمود من قبل ، وأخفوا الإنجيل وقدموا بديلا له أناجيل عديدة ، ولكنهم فشلوا في إخفاء أو تزوير القرآن الكريم ، فقدموا للمسلمين "بعد أن دخلوا بينهم "كعلماء" البديل البراق المقدس وذلك بتزوير مفهوم "العبادة" حيث ادعوا أنها في التقرب لله بما فرضه من مناسك ، وادعوا زورا أن المناسك وشعائرها هي العبادة ، وهو ما خدع النفوس والقلوب بادعاء المفهوم المضلل للدين والعبادة ، فادعوا كذبا وزورا أن العبادات هي (الصلاة والزكاة والصيام وذكر الله والحج) ، رغم أن الخالق العظيم أسماها في قرآنه العزيز بالمناسك .. وقال .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ… }الحج67 ،  {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ }الحج34 ، وتجاهلوا أن الله وضح في كل منسك سبب فرضه على حدى ، وقال في الصلاة وذكر الله .. {.. إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45 ، وفي الصيام يقول سبحانه .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183 ، وفي الصدقات يقول سبحانه .. {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا .. }التوبة103 ، فهي مناسك فرضها الله .. فقط .. حتى يستقيم ابن آدم في أداء مهمة عبوديته "العبادة الحقيقية" التي خلقه الله من أجلها ولا ينسى ابن آدم أنه عبد لله يعمر الأرض لحساب خالقه .

ودعونا نتساءل .. ما هي "العبادة" والتي أدائها هو تنفيذ لمهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها والتي يضع الله عنوانا رئيسيا لها بقوله تعالى .. {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56، ولو توقفنا قليلا لنعمل العقل والفهم والتدبر ، تنفيذا لعتاب الله ولومه لنا سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم على عدم استخدام العقل والفهم أكثر من سبعين مرة في كتابه العزيز ، بقوله .. "أفلا يعقلون" .. وقوله تعالى .. "أفلا يعقلون .. يتفكرن .. يتفقهون .. يتدبرون" .. فسوف نكتشف الآتي :

1- هناك فئات خلق كثيرة خلقها سبحانه ولا يعلمها إلا الله ومن أبرزها .. فئة الخدمة وهي الأرض والجبال والهواء والماء والنجوم وكل جماد خلقه الله ليؤدي مهمته دون أن يكون له خيار في أن يفعل أو لا يفعل ، ثم فئة الخزنة المؤتمنون على خزائن السماوات والأرض ، ثم فئة الحراس ، وحملة العرش ، ثم الجنود وأخيرا الملائكة وهم أفضل المقربين لله من كل فئات خلقه وأنواعها ، ولكل فئة ونوع من خلق الله مهمة عبودية محددة ، خلقه الله ليؤديها ، وأداء مهمة العبودية هي "العبادة الحقيقية" والإنسان هو مخلوق ينتمي لأفضل فئات الخلق الكثيرة التي خلقها الله في كونه وهي فئة تسمى بـ "العمار".

2- فئة العمار التي ينتمي لها ابن آدم حدد الله لها مهمة عبودية واحدة وأدؤها هو العبادة الحقيقية ، فمهمة عبودية الإنسان التي خلقه الله من أجلها هي .. "إعمار الأرض كخليفة لله عليها" ولذلك قال سبحانه قبل أن يخلقه .. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً .. }البقرة30 ، وبعد أن خلقه قال له .. {.. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. }هود61 ، بمعنى "كلفكم بمهمة إعمارها" فهي مهمة العبودية التي أداؤها هو العبادادة الحقيقية .

3- تلك المهمة الجليلة التي استحق عليها الإنسان أن يسخر الله له الملائكة (لتسجد له – وتدعوا له – تستغفر له – تحفظه) ويثبت ذلك بقرأنه العزيز بقوله تعالى .. {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ }ص73 ، {هُوَالَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}الأحزاب 43 ، {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ .. }الرعد11{.. وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الشورى5 .

4- ولذلك اعتبر سبحانه تعمد الإفساد في الأرض هو "إعلان للحرب على الله ورسوله" ، بل وسن له عقوبات قاسية شديدة في الدنيا والآخرة وفصلها وعددها ، وهو ما لم يفرضه في أي خطيئة حتى ولو كانت ترك الصلاة أو الشرك أو الكفر بالله ، فقال سبحانه .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، ويتدرج الإفساد في الأرض بداية من كلمة سيئة أو حتى إلقاء ورقة في الطريق العام حتى تصل لتكفير البشر والقتل وتخريب الأرض التي نهانا الله عن إفسادها بقوله تعالى .. {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ }الأعراف56 .

5- ولذلك .. يخاطب الله حتى الكافرين والمشركين بمسمى "عباده" و "عبادي" ، لأنهم بفطرتهم يؤدون مهمة العبودية وهي إعمار الأرض فيتزوجون وينجبون ويبنون ويطورون حياتهم ، فيقولف سبحانه .. {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ }الأنعام18 ، فهو قاهر على الجميع "المؤمنين والكافرين" سواء ، وليس قاهرا على المؤمنين فقط ، وقوله تعالى .. {ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأنعام88 ، فالله يهدي البعض أو يضل البعض فكلهم عباده ، وقوله تعالى ..{.. وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }سبأ13 ، وقوله تعالى .. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً }الإسراء17 ، ثم قوله تعالى ..  {.. فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً }فاطر45 ، فهل الله بصير بعباده المؤمنين فقط ، أم أن كل خلقه هم عباده ، لآنهم بفطرتهم يعمرون الأرض ، وتلك هي الحقيقة الغائبة والدليل أن كل بني آدم مؤمنهم وكافرهم هم "عباده" لأن العبادة هي إعمار الأرض وليست العبادة في الإيمان أو أداء المناسك .

6- ولذلك .. يرفع الله من يتقن إعمار الأرض ليكون سيدا عليها ، حتى ولو كان كافرا ، فالإنسان لم يخير أو اختار أن يولد مسلما أو مسيحيا أو من الملحدين أو الكافرين ، ولكنها معطيات حياة ، ليحاسبه الله عليها ويختبر كل إنسان على قدر ما آتاه .. وهو قوله تعالى .. { .. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 ، وليفتن الله (يختبر) بعضهم ببعض وهو قوله تعالى .. {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ .. }الأنعام53 ، وقوله تعالى .. {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ }العنكبوت2 ،

7- بل عجبا يضرب الله الأمثال ونحن عنها غافلون .. فحتى الميت عندما يطلب تأخير موعد موته يطلبها لا ليصلي ولا يحج أو يقرأ القرآن ، ولكن ليتصدق ويعمل صالحا (يؤدي ولو جزء صغير من مهمة العبودية) التي بها إعمار الأرض فيقول سبحانه .. {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ }المنافقون10 ، بل عجبا يقول رسول الله في وصية تاريخية .. " لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة (نبتة) فليغرسها" ، ولم يقل إلقها وسارع بالصلاة والاستغفار والتوبة ولكن قال له فسارع بغرسها أولا ، .. فقط .. لأن مهمة عبوديتنا الوحيدة التي سوف نحاسب عليها هي "إعمار الأرض" وهي المعتبرة وهي "العبادة الحقيقية" .

8- بل عجبا قول رسول الله للعابد المعتكف في مسجده وأخوه يعمل وينفق عليه ويعوله بقوله .. "أخاك أعبد منك" ، لأن أخاه يؤدي مهمة العبودية وهي "إعمار الأرض" ، وهي العبادة الحقيقية التي زورناها وحصرناها كذبا وزورا في مناسك الحفاظ على استقامة الإنسان في أداء مهمته .

9- وبالتالي .. فترك العبادة الحقيقية وهي "إعمار الأرض بالعلم والعمل كخلفاء لله عليها" يعد "كفرا بقيومية الله" ، وكذلك ترك المناسك المفروضة (الصلاة والصيام وذكر الله والزكاة والحج) والتي تحافظ على استقامة ابن آدم في أداء مهمته .. هو أيضا "كفر بقيومية الله" ، والكفر بقيومية الله ليس كفرا بوجود الله ولا قدرته وعزته ، ولكنه يماثل كفر إبليس الذي لم يكفر بعزة الله ولا قدرته ، ولكنه كفر بأمانة الله وعلمه المطلق بأسباب ومهمة كل نوع وفئة من خلقه وما يصلح أحوالهم ويضمن نجاحهم وهو ما سوف نستعرضه منفصلا .

10- تخيلوا سادتي .. لو عدنا للحق .. وربينا أطفالنا على أن العبادة الحقيقية هي في "إعمار الدنيا" بالعلم والعمل به والتي تركها يعد شركا بالله بل وكفرا بقيوميته وتزويرا للمهمة التي خلقنا من أجلها ، مع الالتزام بحوفظ الاستقامة وهي المناسك والتي تركها يعد أيضا كفرا بقيومية الله .

ثانياهل سمح الله بوجود الفرق والجماعات في دينه الإسلام ؟ وما حكم الله فيها ولماذا ؟؟

1- ما مفهوم قوله تعالى في سورة الروم .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32} ، وقوله تعالى في الأنعام لرسوله الكريم خاصة ولكل مسلم عامة .. {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }الأنعام159 ، أليس معناها وصف الله "الانتماء لفرقة أو جماعة باسم الإسلام" أنه إشراك بالله ، لأنه ببساطة يعود بدين الله لعصور الكهنة والكهنوت والوساطة بين الله وبين عباده بمسميات جديدة لكهنة الأديان .. كالشيخ والأمام والمرشد وآيات الله وروح الله وأولياء الله ، وهو ما جاء الإسلام ليرفضه ويقضي عليه ، فإذا بالمسلمين يصبحون أكثر الأمم شركا وصناعة للكهنة والكهنوت ومسمياتهم ، رغم أنهم يقولون أنهم موحدون .

2- أليست الفرق والجماعات هي ما نبأنا بها رسول الله بقوله "ستفترق أمتي من بعدي ثلاثا وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة"، قيل ومن هم؟ فقال .. "الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي"، فهل كان رسول الله وأصحابه من "الصوفية" التي تنقسم بضعا وعشرين فرقة وجماعة ، أم كانوا من "أهل السنة" الذين ينقسمون لما يقرب الثلاثين فرقة وجماعة ، أم كانوا من "الشيعة" التي تنقسم لبعضا وعشرين فرقة وجماعة ، أم أن أصحاب رسول الله كانوا "مسلمين لله فقط" بلا انتماء ولا وساطة لمرشد أو ولي أو شيخ أو إمام ، ألم يقل رسول الله لأصحابه ولنا عند سؤاله ماذا يفعلون لو حدث هذا .. فقال قولا واحدا .. "فليسعك بيتك" ، وهو أمر قاطع باجتناب كل هذه الفرق والجماعات ، فكيف تحللون وتستحلون الانتماء لهذه الفرق والجماعات ، بل وكيف ولماذا ترفضون وصفها بالشرك كما وصفها رب العزة في سورة الروم ، أم أننا لا نخشى أن يحق فينا قوله تعالى .. { .. قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }البقرة140.

3- هل فيما سبق مجال للجدال والنقاش والالتفاف حول قرار الله الصريح بشرك الانتماء للفرق والجماعات ، أم بلغت بنا الجرأة على الله أن نحلل ما حرم الله ونهى عنه ، ونحن نعلم أنها كانت سببا في فساد الدين وقتل المسلم للمسلم باسم الدين وسبب هواننا على الله فأهاننا في الدنيا ، أم سنظل تائهين ونراوغ ونجادل وندعي على الله ونخشى البشر ولا نخشى الله ، فيحيق بنا جميعا قوله تعالى .. {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }الحجرات16 ، أم آن لنا العودة للحق ، ولا تأخذنا العزة بالإثم ، حتى لا يحق علينا عذاب الله وسخطه وغضبه في الدنيا ، ونكون من أصحاب النار يوم القيامة .

أخيرا .. وليس آخرا .. فهناك كثير من المفاهيم الأساسية تم تزويرها بضلالات أصبحت مقدسة ، ولذلك نقول أنه قد آن الآوان لنعمل العقل في كل مفاهيم المسلمين التي توارثناها قرونا طويلة ، وكان نتيجتها أننا أصبحنا من سيء لأسوأ ، بل وأصبحنا أكثر شعوب الأرض تدنيا في أفكارنا ومفاهيمنا وأساليب حياتنا بل وأخلاقنا ، ويكفيكم أن هذه المفاهيم الموروثة قد فشلت في إقناع العقول والقلوب خاصة الشباب بكل ما ننشره ونقوله لهم ، لأننا نخالف منطق العقل والفهم ، ولسنا على الحق المبين ، ونحاول الاكتفاء بالادعاء أننا الموحدون والناجون والمقربون وأولياء الله وأحباؤه تماما مثلما يدعي كل أصحاب الملل والنحل والديانات الأخرى ، والحقيقة أننا نرتكب الشرك الصريح باستحلال الانتماء للفرق والجماعات ، وندفن رؤسنا في الرمال بالإصرار على مفاهيمنا الرئيسية المزورة ، ولا نملك الشجاعة ولا القدرة على تصحيحها .

فهل نجد من لا يخشى في الله لومة لائم ولديه الشجاعة والقدرة ليواجه طغيان مفاهيم الشرك والجاهلية الذي اقتحمت علينا ديننا واحتلت مفاهيمه ، رغم علمي اليقين أن المهمة ليست سهلة بل بالغة الصعوبة ، لأنها سوف تنسف معتقدات دامت قرونا طويلة ، وستهدم كيانات قوية ومسيطرة منذ زمن بعيد ، ولكننا لا يجب أن ننسى قوله تعالى .. { .. أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ }التوبة13 ، وقوله تعالى .. {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً }الأحزاب39 ، ولا يجب أن ننسى أن " والله غالب على أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا" ، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها ، وما من شيء ولا بشر على الله بعزيز ، فإن لم نفعله لوجه الله وإعلاء دينه وكلمته ، فحكمنا عند الله هو الردة عن الدين للجاهلية ويحيق فينا قوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }المائدة54 ، هدانا الله لما يحبه ويرضاه … وتحياتي لكل النفوس والبشر فهم عباده وعياله وخلقه ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *