استعرضنا من قبل تصحيح مفاهيم الدين والعبادة والتي بتأصيل تزويرها لدى البشر جميعا دون استثناء عبر تاريخ حياته على الأرض انزلق الإنسان تباعا لتزوير جميع مفاهيمه الرئيسية التي تحكم حركة حياته ، وعرفنا أن هذا كان نتيجة مباشرة لسوء استخدام البشر لفطرة الإبداع "الإتيان بالجديد" والتي وهبها الله للإنسان ليعمر بها الأرض تنفيذا لمهمة عبوديته التي خلقه الله من أجلها ، وعرفنا أن سوء استخدامه لهذه الهبة "الإبداع" قد سقط به في أسوأ ضلالاته وليس فقط بتباهيه بالعري والفواحش على أنها حرية وإبداع فني ، بل سقط به لدرجات أحط وأحقر من أدنى المخلوقات على الأرض ، فلم نرى مخلوقا مهما كان تدنيه وضعفه وقذارته "مثلا" يمارس الشذوذ فيعاشر نظيره في الجنس إلا بين البشر ، وهي أسوأ سقطات الغباء لاستخدام هبة الإبداع "الإتيان بالجديد" ، في تحد وإصرار لخالقهم رغم أن الشذوذ في حد ذاته مهلك للأجساد والنفوس .
وعرفنا كيف أن سوء استخدام هذه الهبة (الإبداع) ، قد دفع جميع البشر إلى يومنا هذا للإصرار على استمرار تزوير جميع مفاهيم ناموس الخالق لخلقه عبر التاريخ ، فأخفوا من قبل كل ما أنزله ربهم لهم من تعاليم وأوراق وألواح ، ومن بعدها أخفوا التوراة وألفوا التلمود بكل ما فيه من تأله على الله والبشر ، وبعدها أيضا اخفوا الإنجيل الأصلي كاملا وألفوا الأناجيل التي وصل عددها لأكثر من (360) إنجيل مختلفا ثم اختصروهم لأربعة ، تبعا لأهواءهم وما فيها من استئثار بالله إلى جانبهم وحدهم وإشراك وتأله وادعاء باطل على الخالق العظيم ، حتى القرآن .. والذي رغم فشل البشر جميعا في تزوير حروفه وكلامه وآياته ، إلا أنهم أغلقوا أبواب الفهم فيه ، وأهملوا أكثر من نصف آياته ، وزوروا جميع حقائقه ومفاهيمه الأساسية للبشر ، وابتدعوا أساطير لا علاقة للقرآن بها وجعلوها مقدسة ، فتحولوا من علماء عاملين يعمرون الدنيا بالعلم والعمل إلى دراويش مختلفين وانقسموا لأكثر من سبعين فرقة وجماعة باسم الدين ، فهانوا على خالقهم فأهانهم ، بل وجعلهم أقل وأسوأ خلقه ، يقتل بعضهم بعضا باسم الدين وهو منهم براء ، وتلك حقيقة لا ينكرها إلا جاهل أو غارق في الضلال "تأخذه العزة بالإثم" الذي اعتاد تقديس ضلالاته .
وتوقفنا عند تزوير قضاء الله وقدره والادعاء بأن البشر هم أصحاب القرار والقدرة على فعل ما يريدون ، رغم أن معطيات الحياة البديهية تعارض هذا ، فلا بشر على الأرض قد اختار والداه ولا يوم مولده ولا شكله ولا جسده ولا ظروف حياته ولا يوم وفاته ، ومع ذلك يتخيل ويظن غالبية البشر أنهم قادرون عليها ، حتى من ولدوا مسلمين تجدهم يدعون كذبا أن الإنسان مسير في أشياء ومخير في أشياء ، ولو حاولوا فهم آيات القرآن الذي يدعون أنهم أهله ، لوجدوا بلاغا واضحا من الله تعالى بأن الإنسان لا يملك من الدنيا إلا نواياه التي يضمرها في نفسه ، وهي التي يحاسب عليها ، وكل ما يحدث في الدنيا ما هو إلا قدر مكتوب عليه أن يحياه ، فهو مخير فقط في نواياه ومسير في كل أفعاله وحركة حياته ، ولو أحسن النية لأحسن الله له حياته ، وما يحدث من فساد على الأرض إلا قدر قليل من نوايا البشر السيئة يسوقها الله إنذارا للبشر "لعلهم يرجعون" .. وليتهم يدركون معان قوله تعالى .. "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" ، وقوله تعالى .. "إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا" .
ووصلنا لقضية خلاف كبيرة ، يضل فيها الكثيرون منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا ، وفشل علماء وحكماء ورجال الدين في كل الأديان في حل إشكاليتها ، وعلى رأسهم علماء المسلمين حيث أجمع الغالبية أن البشر تسعى على الأرزاق ، رغم أنهم جميعا يرددون أن "الأرزاق مكفولة" ، فكيف تكون مكفولة ونحن نكد في السعي لها حتى ندركها أو نزيدها ، فهل السعي للأرزاق يزيدها ؟؟ ، ويسقط الجميع كنتيجة مباشرة لتزوير المفاهيم الأساسية في مغالطات الفهم المستمرة ، فالأرزاق بالفعل مكفولة ومكتوبة لكل إنسان من قبل أن يولد ، وتحديدا قبل لحظة ولادته بخمسمائة سنة ، وهو ما يحدده سبحانه في سورة السجدة بقوله تعالى .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، ولا حيلة لبشر في زيادة نصيبه من الرزق ، ولن ينال منه إلا ما قدره الله له وهو ما يقوله سبحانه في تسعة آيات في سور مختلفة من القرآن العظيم ، والتي منها قوله تعالى .. {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }سبأ39 ، وكل إنسان رزقه مضمون وسيصل إليه مهما فعل ، وهو ما يقوله رسول الله .. " لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها" ، وقوله أيضا .. "إن الرزق ليطلب صاحبه كما يطلبه أجله" .
وتعد مسألة الإنجاب من أخطر قضايا الرزق التي نخوض فيها بلا إيمان أو علم بقدر الله وحكمه فيها ، ولذلك نرى الكثيرين بل ربما غالبية البشر ، يتحدث عن الانفجار السكاني ويصب جام غضبه على هؤلاء الفقراء الجهلاء الذين ينجبون بلا رابط أو تحديد ، ويحملون الدولة أعباء غباءهم بكثرة الإنجاب ، وهنا لابد وأن نتوقف طويلا عن مفاهيم وضحها وفصلها سبحانه في كتابه العزيز ، فالله ليس منتظرا رغبة بشر في الإنجاب ، حتى إذا عاشر زوجته فيستجيب ربه لأهواءه ، فيخلق له نفسا ويكون لها جسدا في رحم زوجته ويقدر لها رزقها وأجلها ، ليكون هذا الإنسان الذي لا يملك من أمر نفسه شيئا هو صاحب القرار والمشيئة ، بل لنسمع أمره سبحانه وتعالى للرجال وهم يعاشرون زوجاتهم بقوله .. { فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ .. }البقرة187 ، فأنت تباشر زوجتك لتبتغي (تتمنى) فقط ما كتبه الله لك وقدره ، وليس ما تريده ، فأولادك أرزاق مقدرة ومكتوبة بيد الله وحده ، ثم نتوقف عند تساؤل مهم ، يقول " إذا كانت زينة الحياة الدنيا هي المال والبنون" .. وهي حقيقة قرآنية وواقعية من مجريات الحياة وطبائع النفوس ، فكيف نستكثر وننكر على "فقير المال" أن يرزقه الله زينة البنون ليعوضه ويراضي قلبه ويسعده بهم ، ألم نقرأ قول الله تعالى وعتابه الشديد بقوله .. {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }الزخرف32 ، فالإنجاب من أهم وابرز الأرزاق التي يقسمها الله بين خلقه ولا حيلة ولا قرار ولا إرادة لبشر فيها ، ومن قمة الجهل محاولة إيقافه أو الحد منه ، فهي نفوس مقدر لها أن تحيا خلال "أجل مسمى" ، وتولد من والدين حددهما الخالق ، ولا حيلة ولا اختيار لبشر فيها مطلقا ، وعلينا أن نتعلم كيفية وحسن الارتقاء بقدرات نعمة كثرة البشر للخروج من الأزمات الاقتصادية ، وعدم اللجوء لمحاولات فاشلة للتدخل فيما ليس لنا فيه قدرة ولا إرادة ، وندعوا الله إلا يكتب علينا ما تعانيه دولا في أوروبا اليوم منذرون بخطر الانقراض ، لأنهم عاندوا الله وقرروا أن يحددوا النسل للخروج من الأزمات الاقتصادية فعاقبهم بالانقراض ، ولا يجدون حلا سوى فتح الهجرة إليهم ، حتى أصبح السكان الأصليون في هولندا مثلا .. أقل من 30% من الشعب وكذلك تعاني اليابان من خطر الانقراض المتزايد .
وفي مسألة الرزق لابد وأن نتوقف عند مسائل بعينها أولها ما هو الرزق ، وثانيها سؤال إبليس الدائم لابن آدم وأتباعه من المشككين والضالين "كيف تقولون أن الله عادل في توزيع الرزق وهناك أغنياء وفقراء" ، وفي القضية الأولى لابد أن نوقن أن الرزق ليس مالا فقط ولا امتلاك لأشياء في الدنيا ، ولكن الأرزاق هي كل ما فيه تفضيل بين البشر من أحوال ومعطيات الدنيا ، متنوعة ، بداية من الوالدين والأهل فهم رزق ، ودينك والفكر والثقافة المحيطة بك في حياتك فهي رزقك ، وطبيعة جسدك وشكلك وصحتك هي رزق أيضا ، وقدور الفهم والتعليم والحكمة والخبرة هي رزق ، وما يصلك من عرض الدنيا ومتاعها سواء كان مالا أو ممتلكات هي رزق أيضا ، وزوجتك وأولادك هي أيضا أرزاق ، وأحوالهم هي أيضا أرزاق ، وعملك وأقاربك وأصدقاؤك هم أيضا أرزاق ، وكل ما تقع عليه عينك أو تسمعه أو يمسك فتتأثر به هو أيضا رزق ، وكل ما يجنبك الله شره ويمنع أذاه عنك هو رزقك ، وأقل وأضعف أنواع الرزق هو المال والممتلكات .
والله يوزع أرزاقه بين خلقه بمنتهى العدل ـ لآن قمة العدل ومنتهاه – ليست في مساواة كل البشر في معطياتهم ، بل في تنويع المعطيات بما يتوافق من طبيعة نفس كل منهم ، حتى يظل كل منهم في حاجة للتعاون والتواصل مع غيره ليكمل نقصه ، فيستمر الاستخلاف على الأرض ، ويستمرون في إعمارها بالتعاون والتواصل ، وفي حكمة توزيع الارزاق تبعا لطبيعة النفوس نجد أن هناك إنسان لا تقبل نفسه أن يكون محتاجا أو فقيرا ، ولكنه قد يقبل أن يكون جسده أضعف من غيره ، وهناك آخر لا يقبل أن يكون جاهلا ولا يفرق معه كثيرا أن يكون فقيرا ، وهناك شخص يقتله كمدا لو كان شكله قبيحا ، وآخر لا يؤثر فيه شكله ولكن يؤغر صدره لو كان مريضا ، فالله يعطي كل إنسان من الأرزاق المختلفة بقدر ما يصلح نفسه ويراضيها ، وأفضل أرزاق الله على الإطلاق هو الرضا والقناعة بما قسمه الله ، وهو أروع الأرزاق التي يهبها الله لمن يحبه من عباده ، وقيل في الأثر أن بعض الملائكة تضرعوا لله أن يغني الفقراء ويجعلهم مثل الإغنياء ، فقال لهم سبحانه .. "إن من عبادي من إن أغنيته لصلح حاله ، وإن منهم من أفقرته لصلح حاله ، فخلوا بيني وبين عبادي" .
ومن آيات الله وعبره وأمثلته التي يضربها للبشر من وقع حياتهم ، أنه سبحانه قد يترك الله البعض ليحصل على ما يحلم به من الرزق ، ولكنه يحرمه منه أو من بعضه أو معظمه ، فلا يصل له منه إلا ماقدر الله له ، فبعض البشر يملك ملايين ومليارات ولكنه لا يستمتع بشيء منه مطلقا ، فهو إما رزقه الله مرضا فلا يستطيع الإحساس بمتعة رزقه من المال ، أو يجعله بخيلا يخزن المال والممتلكات ويدخرها ليشعر بالأمان ، وفي النهاية ستصل لمن قدر الله لهم أن يستمتعوا به ، وهو ببخله لا يدري أنه مجرد خازن سخره الله ليحفظ بعض رزقه لأصحابه ، فالسارق لا يسرق إلا مالا قد كتب الله أن يصل إليه في نفس لحظة سرقته له ، ولو صبر ومنع نفسه عن إضمار السرقة والإصرار عليها ، لوصله ما سرقه في توقيته ، لو كان مكتوبا له أن يصل إليه ، وإلا كالعادة سيسرقه ثم يحرمه الله من خيره بأي وسيلة من أسباب الله التي يقدرها ويكتبها ليعلم عباده حكمته وقدره بها .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
