من أنت .. ولماذا .. وإلى أين ؟؟؟ (4) … بقلم : جمال عمر


توقفنا من قبل عند استعراض كيف تم تزوير مفاهيم الدين والعبادة .. ورأينا كيف تم اختزال مفهوم الدين الحقيقي والذي هو قناعاتك ومعتقداتك وقيمك النفسية والشخصية جدا ، والتي تتحكم في أسلوب تعاملك مع حركة الحياة ، وقد تم تزويرهذا المفهوم الصحيح بحصر الدين في حركات ومظاهر المناسك والتقرب إلى الله ، وبالتالي تم فصله تماما عن نواياك وسلوكياتك اليومية ، فنتج عنه تقسيم الحياة لمجالات دينية وأخرى سياسية واجتماعية واقتصادية … وغيرها ، وفي النهاية كانت النتيجة أنك دوما تجد من يقول لك لا دخل للدين في الحياة ، بل تجد من هو أكثر جهلا وحمقا فيقول لك مثلا .. " دع الله بعيدا عما نتحدث فيه" ، وهي قمة نجاح إبليس في قسمه الأشهر "فبعزتك لأغوينهم أجمعين" ، حيث استطاع أن يقنع المخلوق المستخلف من الله على الأرض بأن الطريق السليم لممارسة حياته على الأرض هو في "الكفر بقيومية الله عليه" برفض تحكيم الله في حركة حياته .

ثم كانت الطامة الكبرى بتزوير معنى العبادة ، والتي هي "أداء مهمة العبودية" والتي خلقنا الله من أجلها ، واستحققنا عليها (سجود – استغفار – دعاء – حفظ) الملائكة ، وهي "إعمار الأرض كخليفاء لله عليها" ، وبالتالي فكل ما مطلوب منك أن تفعله في الدنيا لابد وأن يكون لصالح إعمار الدنيا ومراعاة مصالح غيرك من المخلوقات ، فصدقنا كمسلمين أن العبادة هي أداء المناسك والفروض (صلاة – صيام – زكاة – حج – ذكر الله) ، ومن أداها فقد أدى مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، وله الجنة بالاستغفار والذكر والتقرب إلى الله ، مهما كانت تعاملاته وتصرفاته في حركة حياته سيئة وفاسدة ، فأهملنا أكثر من 45% من آيات القرآن الكريم وهي آيات العلوم البحتة ، وتفرغنا فقط لآيات الفروض والحدود والمعاملات والتي لا تمثل أكثر من 3% من آيات القرآن ، واعتبرناها هي "العلم الشرعي المقدس" ، وكل العلوم غيره "فرض كفاية" بمعنى علوم ثانوية يمكن إهمالها ، فركزنا وتفرغنا لعلوم الفقه لدرجة أننا ألفنا ملايين الكتب في أقل من (200 آية) فقط ، وأصبحنا دراويش لا قيمة لنا ، بل واختلفنا في فهم آيات العلم الشرعي (الفقه) ، فتفرقنا لأكثر من سبعين فرقة وجماعة يكفر بعضها بعضا ، ويقتل بعضها بعضا ، وأصبحت بلاد المسلمين أسوأ بلاد الأرض وشعوبها أكثر الشعوب موصوفة بالغباء والتخلف والفوضى والإرهاب .

ولا شك أن تزوير مفاهيم الدين والعبادة قد لاقى استحسان بل وعشق بعض الفئات التي عادت للظهور في الإسلام مثل غيره مما سبقه من الأديان نتيجة هذا الفهم المغلوط وهم من يلقبون بـ "رجال الدين" ، فسقط دور الإسلام في القضاء على أبرز الضلالات التي جاء الإسلام ليهدمها ، وهي "الكهانة وكهنة الأديان" ، التي عادت بمنتهى القوة والتسلط على مصائر العباد وحياتهم ، حتى أن بعضهم لا يجد حرجا أن يدعي أنهم "وكلاء الله على الأرض" ، وبعضهم لا يستحي أن ينتمي لفرق وجماعات ، رغم علمهم أن هذا الانتماء هو شرك بالله ، بصريح قول الله تعالى " في سورة الروم .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{31 ، 32} ، ليعيدوا تكرر مسلسل السقوط لليهودية ثم سقوط المسيحية في القرون الوسطى في الغرب ، وحصرها في طقوس ومناسك الميلاد والتعميد والزواج والوفاة ، بعد سيطرة مضللة ودامية دامت قرون .

وبتزوير مفهوم الدين ، ثم تزوير مفهوم العبادة سقط المسلمون فريسة للنظريات البشرية ، كنتيجة مباشرة لتعمد تجاهل آيات العلوم البحتة في القرآن العظيم ، والتي أنزلها الله لتكون دستورا كاملا للحياة على الأرض ، ذكر الله فيه حدود كل شيء خلقه .. { .. مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ .. }الأنعام38 ، حتى لا يشطح الإنسان بخياله وفكره ولا يتشتت  ولكن رجال الدين منذ عشرة قرون أغلقوا جميع أبواب الفهم والتدبر لآيات القرآن خاصة العلمية فتجاهلناها وكأنها لا وجود لها ، حتى أننا ندرس لأبناءنا نظريات دارون عن أصل الإنسان كقرد ، وندرس ونعالج النفوس البشرية تبعا لنظريات سيجموند فرويد ، وهي المبنية على تخيل بشري محدود وقاصر ناتج من تجارب على المختلين والمرضى ، وأهملنا أكثر من ثلاثمائة آية يشرح فيها الخالق العظيم خلقه للنفس وحركاتها وأحوالها وأمراضها وعلاجها ، فسقط المسلمون وهانوا على الله فأهانهم في الدنيا لأنهم نسوا وتجاهلوا أن الأجيال الأولى التي تلت عهد الرسالة مباشرة ، والذين فهموا الدين من رسول الله مباشرة ، ظهر فيهم أكثر من 1000 عالم مسلم غيروا وجه البشرية وحولوها من قاع التخلف لقمة العلوم البحتة في أقل من مائة عام ، حتى أن مصفوفات الخوارزمي ولوغاريتماته ما زالت أحدث الحقائق والنظريات العلمية التي بني عليها جميع الحواسب الآلية والمحمول التي بين أيدينا الآن ، وغيره آلاف العلماء في شتى المجالات كالطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والفلك وادارة الدول والمجتمعات ، حتى سميت علوم كاملة بأسمائهم كالجبر باسم جابر بن حيان وهو ما يتم تجاهله تعمدا في مناهج التعليم في بلادنا ، ولكنهم يدرسونه لأبناءهم في الغرب .

ويعد من أبرز آيات الخلق في كتاب الله قوله تعالى .. {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 ، وقوله تعالى .. { .. فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ }البقرة239 ، فسبحانه وتعالى علمنا ما لم نكن نعلمه ، ومن كرم الله أنه علمنا ما تسمح به مواصفات نفوسنا ، وقد ميز الله نفوس البشر بأن منحها "هبة" من صفاته سبحانه وتعالى لتعينهم على أداء مهمة الإعمار للأرض ، وهي هبة "الإبداع" أو ما نسميه "الرغبة الفطرية للإتيان بالجديد" ، فكل منا دوما يريد أن يضيف شيئا أو يقدم شيئا لم يقدمه غيره من قبل ، وهذه الرغبة الفطرية بـ "الإتيان بالجديد" هي ما تحث الفارق بين بني آدم المكرم والسيد على الأرض وبين غيره من المخلوقات ، فكل الحيوانات والطيور وسائر المخلوقات ما زالت تحيا في نفس الأوكار والأعشاش وبنفس الأساليب الفطرية الثابتة التي تعلمتها من أجيالها السابقة منذ آلاف السنين ، بخلاف ابن آدم ، الذي يضيف في كل يوم شيئا جديدا لحركة حياته وأساليب ممارستها .

وهبة الإبداع .. هي صفة فطرية تجدها في طفلك الصغير ، في سوء استخدامه لهذه الهبة لضعف قدراته ، فتجده يتحايل على ضعفه بالادعاء بأن أخيه "كخة" أو "يع" ليصبح هو في نظرك "شاطر" أو "الله" ، وهو نفس سوء الاستخدام الذي سوف يستمر مع أبناءك سنوات عمرهم حتى وفاتهم لو فشلت في تربية نفوسهم وتهذيبها ، وأمثال هؤلاء نراهم كثيرون في الحياة بيننا ، فتجدهم يظنون دوما أن تشويه غيرهم يضيف لنفوسهم لهم  التميز ويزيد من تقدير الناس واحترامهم ، وهذا البهتان النفسي هو أبسط صور سوء استخدام الإنسان لهبة "الإبداع" ، بل هو أكثر صور سوء الاستخدام المنتشرة والمتفشية بين البشر ، خاصة عندما يستخدمها ابن آدم في تزوير المفاهيم الأساسية لحياته وخلقه والغرض من وجوده ، وفي هذا الإطار زور البشر كل الكتب السماوية التي أنزلها الله قبل القرآن ، فأخفوها وابتدعوا كتبا جديدة تتوافق مع فجورهم وكفرهم وشرك نفوسهم ، وعندما فشلوا في تزوير آيات القرآن ، قاموا بتزوير مفاهيمه الأساسية وعلى رأسها مفهوم واحد بسيط ، وهو قدرة الإنسان على فهم آيات القرآن ، فقالوا وما زالوا يرددون .. {… فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43  ، واستخدموا زورا وبهتانا هذه الآية ليمنعوا المسلمين من بعدهم أن يتفكروا أو يعقلوا أو يفهموا ما طمسوه من حقائق تكذبهم ومثبتة في القرآن الكريم ، وخدعوا المسلمين جميعا في الغرض من هذه الآية ، والتي ذكرها الله مرتين في النحل/45 ، وفي الأنبياء/7 ، قاصدا بها في المرتين أهل التاريخ والحافظين للسير البشرية بقوله تعالى .. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43 ، ولكنهم استخدموها بمعنى مزور وهو الامتناع عن التفكر والتدبر والتعقل في آيات القرآن الكريم وقصر هذا العمل على علماء ماتوا منذ ألف سنة ، ولا يتحدث فيها سواهم ، فهم فقط العلماء ، لأن العلم الوحيد في القرآن هو علومهم الفقهية ، وحجتهم أن للقرآن أهله وهم فقط "أهل الذكر" .

ومن سوء استخدام الإنسان لهبة "الإبداع" ، استخدام بعض الناس لهذه الصفة في قتل الضمير وتسكينه ، فنجده يعشق ذكر عيوب الناس وأفعالهم السيئة وجرائمهم ، وكأنه يستنكر ما يفعلونه ولكنه في الحقيقة يداوي ويخدر ويقتل به ضميره ، حتى لا يحاسب نفسه على سوء أفعاله ، فتجد أكثر وأشد الناس شكوى من الرشوة ، أكثرهم فعلا لها ، وأكثر الناس عشقا لذكر الفضائح هو فاعلها ومحترف فعلها ، بل وقد يصل الفجور البشري بالبعض أن يستبيح لنفسه أن يدعي كذبا وزورا على غيره ما لم يفعله وما ليس فيه ، ليشوه صورته وفي نفس الوقت هو يداري على عوراته وجرائمه ، ولذلك كان أجدادنا يعلموننا كيف نعرف الأشرار من البشر بقولهم "الفاسد عاشق لذكر فساد الناس ، والصالح عفيف اللسان عن عورات غيره" ، وهو ما نجده يوميا وعلى مدار الساعة على صفحات التواصل ، "فكل إناء ينضح بما فيه" ، فالفاسد محترف ويتلذذ بذكر الجرائم والفواحش التي ارتكبها فلان أو فلان .. ، والصالح عندما يذكر شيئا ليحذر منه ، يتبع سنن رسول الله بعدم التخصيص ، حيث كان صلوات الله وسلامه عليه يقول "ما بال أقوام يفعلون كذا أو كذا" ويبين عواره وحكم الله فيه .

ولذلك نجد إبليس وشياطين الإنس التابعين له ، يستغلون ضعف البعض وفساد نفوسهم ، ليصنعوا منهم أتباع حمقى ينشرون الفساد في الأرض ، وأكبر مثال لهؤلاء ، أتباع الإخويات الماسونية التي ابتدعها اليهود "بني إسرائيل" ، منذ آلاف السنين ولعنهم عيسى ابن مريم وداوود عليه السلام .. {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }المائدة78 ، فعرفت البشرية على أيديهم تنظيم النورانيين ومنه تنظيم الماسونية ، الذي يختار لعضويته نوعيات نفوس بعينها ، خاصة التي تريد لنفسها قدور ومكانة ومكاسب أكبر من قدراتها الحقيقية ، ويستغلونهم لينفذوا مخططات إفساد الشعوب والمجتمعات ، في جميع المجالات كالفن والرياضة والسياسة والعلم ، فمثلا .. تجد شخصا لا يساوي شيء كإنسان ، وفي تقدير الحق تافه بلا قيمة أو علم ، ويصنعون له شهرة بالإعلام وثراء وسلطة ونفوذ رغم أنف الجميع ، فيحدث شروخا في نفوس الأسوياء ، ويهدم القدوة الصحيحة ، ويشتت العقول والنفوس السوية ، فيتفشى الفساد في المجتمعات ، ونحن نرى هذا مكررا بيننا يوميا خاصة في السنوات الأخيرة في كثير من نجوم الفن والرياضة والسياسة والأدب والعلم والاقتصاد .. وغيرها .

بل أبسط من هذا وأخطر ، عندما تنشأ البنت الصغيرة دون تهذيب لنفسها ، وتصبح فتاة ثم زوجة ، فلا تجد عيبا ولا حياء ولا حرام في أن تبدأ حروب السيطرة على بيتها ، بل وتمارس كل ألاعيب المكر والخداع لتخطف زوجها من أهله ، ليصبح لها وحدها تتحكم فيه كيفما تشاء ، حتى لو كلفها هذا أن تدفع زوجها ليخسر أهله وعلى رأسهم أمه ، مدفوعة بتشويهات نفسية نشأت عليها منذ طفولتها ، فحفرت في نفسها الأنانية والغباء الاجتماعي ، متناسية أن زوجها لو باع أهله ، فالدور قادم عليها لا محالة ، فهي لن تكون أعز عليه من أمه وأهله ومن كانوا سببا في وجوده ، بل والأخطر أن أبناءها يتعلمون منها هذا حفرا في نفوسهم ، فيشبوا وقد ساءت تربيتهم وبالتالي أخلاقهم فيتفشى بيننا الطلاق والمشاكل بل والجرائم الاجتماعية ، ويساعد بقوة في تنامي هذا التخريب للبيوت أدوات الإعلام الماسوني المخططة بدقة ، والتي تلعب على شعارات براقة تخطف عقول البنات والنساء عن المساواة والكرامة وتحقيق الذات والقصاص من زوجها وأهله لو اقتضى الأمر ، وكأنها بزواجها قد أعلنت الحرب على أعدائها في الإنسانية ، وكل هذا بسوء استخدام هبة التميز التي رزقنا الله بها لنعمر بها الأرض ، فحولناها لدافع لتخريب حياتنا على الأرض .

أخيرا .. لابد أن ننتبه لنزعات وملامح هبة الإبداع "الإتيان بالجديد" في أطفالنا ، ونربي نفوسهم على قبول الآخر ، وتصحيح المفاهيم ، وتقويمها ، ونعلم طفلنا .. "أنه سيظل رائعا وجميلا ما دام غيره رائعا مثله ، وما يوصم أخيه فهو يوصمه معه ، وأن صلاح الدنيا في صلاحنا جميعا ، ولا يجوز ذكر عورات الغير ، لأن هذا غباء وانعدام أخلاق ، لأننا جميعا متشابهون ، ومن تتبع عورات الناس تتبع الله عوراته ، ولا ننسى أن هبة الإبداع هي أخطر صفة منحها الله لعباده ، لأن سوء استخدامها يفسد النفوس ويدمر المجتمعات ، ويدمر مهمة الاستخلاف على الأرض التي خلقنا الله من أجلها ، وينفي الفائدة من منح الله لنا هذه الهبة ويجعلنا لا نستحقها ، وينتظرنا الحساب العسير عليها ، لأنها أهم وأبرز هبات الله الفطرية للإنسان والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بسباعية الضعف الفطرية التي بنيت عليها حكمة الحياة على الأرض ، والتي سوف نستعرضها لاحقا ، لنصحح بها معا مفاهيم  الأمانة .. والأرزاق والمقدور .. والمسير والمخير .. قبل أن نجيب على السؤال الأبرز وهو .. "إلى أين بعد الموت ؟؟" .. لنصحح مفاهيم حركة حياة النفس أثناء التواجد في الدنيا وما قبلها وما بعدها .. وهو ما سوف نستعرضه في الحلقات القادمة  ..

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *