بعد استعراض حقيقة الإنسان وأصله كنفس منحها الله جسدا حيا (به روح) لتحيا به على الأرض ، وإدراك أن النفس لا علاقة لها بالروح ولا بالجسد سوى استخدام النفس (أصل الإنسان) لهذا الجسد ما دام حيا (به الروح) لممارسة حركة الحياة ، وأقرب تشبيه لخروج النفس من الجسد عند النوم هو نزولك من سيارتك وتركك لها في جراجها (السرير) ، ولكن الفارق الوحيد أنك تطفيء محرك السيارة قبل مغادرتها ، ولكن الجسد تظل محركاته تعمل في غيابك (كنفس) ، وعرفنا أن الله خلق جميع النفوس من مصدر واحد "نفس واحدة" ، ولذلك فجميع النوازع (الدوافع) الفطرية البشرية واحدة وهي التي تمثل الخطوط العريضة للنفس البشرية ، ولكنها تتفاوات في قدورها من نفس لأخرى ، فلا تجد نفسا متطابقة مع أي نفس أخرى في خصوصيات مواصفاتها الدقيقة تماما مثل بصمات الأصابع وبصمة الصوت والبصمة المغناطيسية والبصمة الجينية "تتشابه عامة ولكنها لا تتطابق في تفصيلات تراتيبها مطلقا.
وقبل أن نستعرض النوازع الفطرية الرئيسية للنفس البشرية لبني آدم وتبعات هذه النوازع المؤثرة على أخلاقيات وسلوكيات الإنسان ، لابد أن نستعرض حقيقة الاستخلاف على الأرض ودستوره الإلهي الذي وضحه سبحانه وتعالى في القرآن العظيم ، وتجاهله البشر وتغافلوا عنه ، واستبدلوه بأساطير ضلالاتهم المتزايدة عبر التاريخ ، فالله لم يترك ابن آدم حائرا لا يعرف إلى أين يذهب عند خروجه من الجسد يوميا ، وكذلك عند خروجه نهائيا بلا عودة لهذا الجسد ، بل وضحه بآيات متعددة ووافية في حدود ما شاء الله أن يتعلمه ابن آدم بما يفيده ولا يضره ، لأن الاكتفاء ببعض العلم أو جزء منه واعتباره قمة العلم يفسد كثيرا من المفاهيم والنفوس لأجيال طويلة ، بل ويقوض ويزور المهمة التي خلقنا الله من أجلها ، والتي زورها ابن آدم تبعا لضلالات النفوس ، ووقوعا في أخطاء غلق العقول وتجاهل بعض آيات الله ولي أعناق بعضها لتوافق أساطير الضلال والبهتان البشري .
خلق الله العديد من فئات الخلق الرئيسية والتي من أبرزها "فئة الخدمة" ، والتي منها النجوم والكواكب والسماء والأرض وما فيهن من مواد وجماد وهؤلاء لا خيرة لهم في أداء مهمتهم التي خلقهم الله من أجلها ، رغم أنهم يرون ويشعرون ويسجلون ، ولكنهم لا ينطقون ولا يتفاعلون إلا بإذن الله ، وهو ما ذكرنا الله به في قوله تعالى .. {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }فصلت11 ، فالسماء والأرض اختارتا بل وأعلنتا قائلتين أنهما لا يريدان أن يكون لهما قدرة الاختيار وسينفذان المهمة طائعين لا خيار لهم ، ويأتي بعد "فئة الخدمة "، فئة هامة هي "فئة الخزنة" ، وهم الحراس الأمناء على خزائن الله في السماوات والأرض .. لقوله تعالى .. { .. وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. } المنافقون7 ، وقوله تعالى .. {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }الحجر21 ، وقوله تعالى .. {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ }ص9 ، بل ولكل مكان في كون الله خزنته (الخازنين) كالجنة والنار لقوله تعالى .. {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ }غافر49 ، ثم تأتي الفئة الثالثة .. وهي "فئة الحفظة" الذين يحفظون كونه وخلقه وأهمهم الإنسان لقوله تعالى .. {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً .. }الأنعام61 ، وقوله تعالى .. {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ }الطارق4 ، وفئات خلق عديدة لا يعلمها إلا خالقها لقوله تعالى .. { .. وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }النحل8 ، والتي منها .. "فئة الملائكة" .. وهم خيار من أفضل خلق الله المتنوع ، ولا يشترط أن تكون أجسادهم مخلوقة من "النور" فقط كما يظن البعض ، لقوله تعالى عن إبليس وهو من " الجـن " وجسده مخلوق من نار .. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ .. }الكهف50 ، وأخيرا نتوقف كثيرا عند أهم فئة في فئات خلق الله وهي "فئة العمار" ، والذين يعمرون كون الله كخلفاء لله عليه ، فالإعمار للكون هي مهمة عبوديتهم التي خلقهم الله من أجلها وتأدية هذه المهمة هي العبادة الحقيقية ، ومن كتاب الله نحن نعرف نوعين أو عالمين من هذه الفئة هما الإنس والجن .
ونكرر ونؤكد دوما أن وظيفة الخليفة (الإنسان) الوحيدة والرئيسية التي خلقه الله من أجلها هي إعمار مكان استخلافه ، فالإنسان حدد الله مهمته قبل أن يخلقه بقوله .. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً .. }البقرة30 ، ثم وضح سبحانه طبيعة مهمة الاستخلاف للإنسان بقوله تعالى لنا .. { .. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. } هو61 ، ومعنى "استعمركم" أنه سبحانه كلفكم بمهمة إعمارها ، وهي مهمة العبودية التي تنفيذها هو المعنى الحقيقي لـ "العبادة" ، وهذه المهمة جليلة وعظيمة ، ولذلك استحق الانسان بقبوله تحمل أمانتها أن تجله وتحترمه وترعاه الملائكة (فتسجد له احتراما – وتدعو له – وتستغفر له – وتحفظه) بأمر ربها وخالقها ، وهو ما ذكره سبحانه تفصيلا في كتابه العزيز في آيات عديدة ، حيث كرمه سبحانه وفضله على كثير من خلقه لقوله تعالى .. {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 ، وليس هذا التكريم والتفضيل لجمال طينه ولا لرشاقة خطوته ولا لخفه دمه ، ولكنه لجلال مهمته كخليفة لله على أرضه .
ولكن ابن آدم المتورط دوما في الضلال أصر وتعمد أن يزور مهمة عبوديته ، كنتيجة منطقية لسوء استخدامه لهبة الله الفطرية التي منحها الله له ليعمر ويطور إعمار الأرض بها وهي هبة "الرغبة الفطرية للإتيان بالجديد" ، أو باختصار "هبة الإبداع" ، خاصة وأن المهمة الحقيقية سوف تكلفه تعبا وكدا وكدحا مستمرا طوال حياته ، فاستسهل أن يدعي زورا وبهتانا بأن "فروض الخضوع والطاعة والاستقامة" وهي (الصلاة والزكاة والصيام وذكر الله والحج) .. هي عين العبادات ، ومن فعلها فقد أدي مهمة العبودية ، رغم الله لم يسمها عبادات في أي كتاب سماوي ولا في القرآن العظيم ، بل سماها مناسك وسمى أدائها بالشعائر وقال لهم .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ .. }الحج67 ، {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم … }الحج34 ، ولم يقل جعلنا المناسك هي العبادة ولكن فقط ليتذكروا ويستقيموا ، بل إنه سبحانه في كل منسك وفرض وضح سببه ، فالصلاة وذكر الله ينهيان عن الفحشاء والمنكر بقوله تعالى .. {.. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45 ، والصيام يهذ النفس ويفعها للتقوى لقوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183 ، والزكاة والصدقات .. لتزكية النفس وتذكيرها بأنها لا تملك شيئا بل هو موكل من الله لفترة زمنية وسيرحل ويترك كل شيء وهو ما وضحه سبحانه بقوله .. {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا .. }التوبة103 ، ثم وضح سبحانه معنى الدين والعبادة واختلافها تماما عن الصلاة والزكاة وسائر المناسك بقوله تعالى .. {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5 ، فبعد إخلاص الدين والعبادة لله لا تنسى أن تقيم الصلاة وتذكر الله وتؤدي الزكاة فهي أكثر المناسك ضمانا لاستقامة نفسك وإخلاصها .
فالإنسان أحد أنواع المخلوقات من "فئة العمار" المكرمين لجلال مهمتهم في الدنيا كخلفاء لله على الأرض ، واستخلاف "الإنسان" يعني أنه سوف يعمر الأرض خلال حياته ، ويسعى ليترك من بعده "ميراث إعمار" يضمن استمرار الخلافة على الأرض سواءا بالعلم أو العمل أو الذرية من الأبناء تبعا لمعطيات الله له في حياته ، ولبيان جلال المهمة وعظمة قدرها لم يشدد الله عقوبة أي جريمة أو ذنبا في القرآن الكريم مثلما شدد وفصل عقوبة الإفساد في الأرض ، لأن المخلوق الذي خلقه الله ليعمرها إذا أفسد الأرض متعمدا فقد أعلن الحرب على الله ويستحق أشد العقاب وأكثره خزيا في الدنيا وألما في الآخرة وهو ما يقوله سبحانه وتعالى .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، والذي يؤكد جسامة جريمة "الإفساد في الأرض".. أن الله لم يقرر أو يماثل هذه العقوبة لأي ذنب أو كبيرة من الكبائر .
وهنا يجب أن نسجل .. أن ترك مهمة العبودية تعمدا ، والتي هي "إعمار الأرض كخلفة لله عليها" ، هو كفر بقيومية الله على خلقه ، لأن فاعلها بهذا يزور المهمة ويظن أنك أعلم من خالقه بالمهمة التي خلقه الله من اجلها ، وتجاهل الإعمار "كحقيقة العبادة" شرك بالله بتصديق زور وبهتان البشر ، والله لا يقبل شركا مطلقا ، وكذلك فإن ترك المناسك "فروض الخضوع والاستقامة" تعمدا هو أيضا كفر بقيومية الله على خلقه ، لأن فاعله يظن أنه أيضا أعلم بما يصلح حاله من الله سبحانه وتعالى ، وتلك الجريمة هي نفسها التي أخرجت إبليس من رحمة الله ، حيث ظن أنه يعلم أكثر من ربه بقدره واستحقاقه للأفصل ، فكان من الكافرين ، رغم أنه لم يكفر بوجود الله وعظمته وعزته وقدرته ، بل أقسم في لحظتها لله سبحانه وتعالى بقوله … {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، فكم منا كبشر يرتكب جريمة الكفر بقيومية الله عليه أو الشرك بالله ، بتصديق غير الله في أمور أصدر الله فيها حكمه القاطع …
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
